دلالات ردود أفعال دولية على الانتخابات التركية

لم تقلق أمريكا من نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا كما فعلت بعض العواصم والصحف الأوروبية، فوزير الخارجية الأمريكية بومبيو علق عليها بكلمة واحدة وهي: «إن الانتخابات في تركيا انتهت، بعد الآن يمكننا الخوض في مرحلة محادثات مثمرة أكثر». جاء ذلك في تصريحات أدلى بها بومبيو، يوم الأربعاء أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ الأمريكي وأضاف في معرض إجابته على أسئلة النواب: «تركيا والولايات المتحدة توصلتا إلى اتفاق بشأن مدينة منبج السورية» معرباً عن تفاؤله حيال إنشاء العلاقات بين البلدين على هذه المرحلة، وقال: «خلال فترة مهامي كانت العلاقات مع تركيا صعبة، وكذلك كانت في السابق، لم يكونوا راضين عن إنشائنا علاقات وثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية، لقد حققنا قبل 3 أسابيع تطوُّرًا في موضوع منبج» وعن الاتفاق قال: «ما حدث في نهاية المطاف، سيكونون (الأتراك) جزءاً مهماً من الحل السياسي، ينبغي علينا القبول بالعمل جنباً إلى جنب على أحسن وجه معهم».
وحيث إن هذا الاتفاق تم التوصل إليه وإعلانه قبل الانتخابات بأيام، فإن ذلك مؤشرٌ على أن العلاقات التركية الأمريكية كانت قد تصالحت وتفاهمت عل نقاط الخلاف بينهما، وأن هذا التفاهم قد ساهم بدرجة ما على نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا، ومؤشرات ذلك عودة السفير الأمريكي إلى أنقرة قبل الانتخابات بأسبوع واحد تقريباً، بعد غياب دام عاما تقريبا، وكذلك الاحتفال الذي أقيم في أمريكا لتوقيع عقد امتلاك تركيا للمقاتلة الأمريكية الحديثة إف35 وإن تأخر تسليمها فعليا لحين إجراء تدريبات عسكرية عليها من قبل الطيارين الأتراك في أمريكا، إضافة لذلك التصريحات الأمريكية حول الانتخابات، بمطالبة المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جميع الأحزاب التي شاركت في الانتخابات للعمل معاً لإدارة الحياة السياسية بعدها، أي ان أمريكا نظرت إلى الانتخابات التركية حدثاً داخلياً، وفضلت التفاهم مع تركيا على مستقبل المنطقة عن المناكفات الأخرى، وكأنها كانت على معرفة بأن مستقبل تركيا واضح المعالم السياسية، وبالتالي فإن التعامل مع الأتراك كشركاء سياسيين على مستقبل المنطقة هو الحل الأفضل، وبالأخص في سوريا، فالتعاون والتفاهم مع تركيا هو المسار الأفضل بين حليفين استراتيجيين لعقود طويلة.
يمكن النظر إلى هذا الموقف الأمريكي على أنه طبيعي، حيث أن أمريكا تغلب مصالحها دائماً، وتتوافق الاستراتيجية الأمريكية مع تركيا بغض النظر عن الحزب الحاكم، ولكن ما قد يضطر أمريكا إلى هذه التفاهمات مع القيادة التركية هو أن أيَّ تباعد أكثر بين تركيا وأمريكا سيكون بعد الآن لصالح روسيا بالتأكيد، ولعل تصريح الرئيس الروسي عن إعادة انتخاب اردوغان رئيسا للجمهورية قد وقع على مسامع البيت الأبيض قويا، فبوتين يقول: «إن إعادة انتخاب اردوغان دليلاً على سلطته السياسية الكبيرة بين الشعب التركي»، فهذا التصريح الروسي فيه تحريض للسياسة التركية لمزيد من الاستقلال عن السياسات الغربية والأمريكية التي أضرت بالأمن القومي التركي في المرحلة الماضية، ولكن إصرار السياسيين الأتراك على التمسك بالتوازن في العلاقات الدولية قد شجع مواقفهم السابقة في التفاهم مع أمريكا لحماية الحدود الجنوبية التركية من المخاطر الانفصالية للأحزاب المسلحة الكردية، التي راهنت عليها أمريكا لتحرير الأراضي السورية الشمالية من تنظيم «داعش»، وربما راهنت عليها أمريكا لتأمين نفوذها على الأرض لحماية أكثر من عشرين قاعدة عسكرية أمريكية شمال سوريا وشرقها الجنوبي، فإصرار السياسية التركية على مواقفها الصلبة واقناعها للإدارة الأمريكية بأنها خاطئة، وأنها إنما تساعد تنظيمات إرهابية تابعة لحزب العمال الكردستاني الموجود على قوائم التنظيمات الإرهابية الأمريكية الرسمية، أدخل الإدارة الأمريكية في حرج شديد بين مؤسساتها التنفيذية والتشريعية داخل الكونغرس.
أما مؤسسة حلف الناتو فقد سارعت رئاستها إلى تهنئة الشعب التركي بعد ساعات من إعلان النتائج غير الرسمية، والتي أشارت إلى فوز اردوغان بنسبة 52 في المئة، وما لفت قيادة حلف الناتو هي المشاركة الكثيفة في الانتخابات حيث بلغت 88 في المئة من الشعب التركي، وهي من أعلى النسب الدولية في المشاركة في الانتخابات الأوروبية والعالمية، فقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو» ينس ستولتنبرغ: «أهنئ الشعب التركي لمشاركته الكبيرة في الانتخابات»، وأضاف: «تركيا هي حليف مهم جدا للناتو، ليس فقط لامتلاكها موقعا استراتيجيا مهما من الناحية الجغرافية، وإنما أيضا لدورها الحساس في مواجهة الإرهاب»، أي أن الناتو حريص على كسب تركيا في الحلف وعدم تباعدها عنه.
وما كان أكثر أهمية هي نتائج الانتخابات التركية الرئاسية والبرلمانية خارج تركيا، فأهم الإحصائيات لنتائج تصويت الأتراك في الخارج تبين أن نسبة التصويت للرئيس اردوغان كانت عالية في الدول الأوروبية التي كانت معادية له في السنوات الماضية، وكانت ألمانيا أكثر الدول الأوروبية تصويتاً من حيث عدد الناخبين البالغة (717992)، ونسبة التصويت فيها هي 49.7 في المئة.
وبينت نسب التصويت في بعض الدول الأوروبية، التي كانت الدعاية الإعلامية فيها ضد اردوغان خصوصاً وضد السياسة التركية عموماً، ان الإعلام الغربي في هذه الدول لم يحسن تقدير العقلية التركية وردود أفعالها، وهو ما ينبغي أن تكون له دلالاته في المستقبل.

دلالات ردود أفعال دولية على الانتخابات التركية

محمد زاهد جول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية