إسرائيل تحبط بنجاح عمليات كثيرة تنسج على الأراضي التركية، ولكنها تبدي لامبالاة، أو لا تنجح في عرقلة التسلل المتواصل للمال التركي إلى شرق القدس، ولهذا المال هدف مركزي واحد: تركيا تسعى إلى العودة لاكتساب موقع ونفوذ لها في القدس وفي الحرم. فاليقظة الوطنية والثقافية التركية في العاصمة، التي يشعر بها سكان شرق القدس جيدًا، مسنودة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يرى نفسه، كما هو معروف، سيد الإخوان المسلمين، ومجدد الإمبراطورية العثمانية، وأب الخلافة العثمانية التي ستعود في يوم من الأيام إلى القدس أيضًا.
شركاء أردوغان في العاصمة هم رجال الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، الذين يرفضون كما هو معروف شرعية إسرائيل، بل وأخرجوا عن القانون، وكذا الشيخ عكرمة صبري، الواعظ الرئيس للأقصى ومفتي القدس السابق، من المتطرفين بين رجال الدين المسلمين، والذي منح في الماضي شرعية للعمليات الانتحارية وتمنى خراب بريطانيا والولايات المتحدة.
قبل سنة بالضبط، بلغنا هنا في تحقيق صحافي واسع عن نشاط «جمعية ميراثنا» الأسطنبولية في القدس، ومنذئذ ضخت إلى العاصمة أموال تركية كثيرة. وعلى رأس «ميراثنا» يقف محمد دمرجي، وهدفها حفظ الميراث العثماني في القدس وتجديده. حجم نشاط «ميراثنا» كشفه دمرجي نفسه الذي روى في مقابلة صحافية عن استثمار بمبلغ (40) مليون دولار في ترميم (46) مسجدًا، و (30) شقة، وكذا تأثيث مئات الشقق التي توحد بقرب نطاق الأقصى. أحد الأقسام المؤيدة لـ «ميراثنا» بقيادة دمرجي هي جمعية تركية أخرى، شبه حكومية، اسمها «تيكا»، التي تعمل هي الأخرى في القدس. يترأس «تيكا» منذ 2011م د. سردر كام، رئيس مكتب أردوغان سابقًا في مكتبه في البرلمان.
مركز نشاط تركيا في شرق القدس هو الحرم. إلى هناك تنظر وإلى هناك تضخ الأموال غير القليلة، هناك تسعى لأن تكسب النفوذ والمكانة، وهناك أيضًا أجرت «السياحة التركية» مظاهرات شبه أسبوعية على مدى أشهر طويلة في السنوات الأخيرة.
إن تعاون تركيا مع محافل الإخوان المسلمين في القدس يكسبها اليوم عطفًا شديدًا في الشارع الشرق مقدسي؛ فأعلامها تعلق على مداخل الدكاكين، وعلى أسطح المباني، وفي ساحة الحرم. كما أن اللغة، والثقافة، والموسيقى، والمآكل التركية، تصبح حاضرة في التجربة الشرق مقدسية. قسم كبير من نشاط «الدعوة» في المدينة ـ اعمال الصدقة ومناسبات الشبيبة والنساء ـ تمولها عمليًا منظمات تركية، ويد أردوغان لا تزال ممدودة.
من يقلقه التسلل التركي إلى القدس، وإلى الحرم بشكل خاص، هما الأردن والسعودية. كلتاهما تسعيان لأن تحققا لنفسيهما نفوذًا مشابهًا هنا. للأردن حتى الآن مكانة رسمية في الحرم، وهو الذي بات عمليًا الشريك الهادئ لإسرائيل في إدارة الموقع المقدس، بفضل اتفاق السلام معه، وبفضل التفاهمات غير الرسمية الأخرى.
يبدو أن هناك طريقين أساسيين لعرقلة الأتراك في نشاطهم، إما خلق آليات تشريعية توقف ضخ المال التركي إلى القدس، أو الحرص على أن تكون الميزانيات الإسرائيلية لشرق المدينة أعلى وذات مغزى أكبر. حاليًا على الأقل، ولكن إسرائيل تمتنع عن هذا وعن ذاك.
إسرائيل اليوم 3/7/2018