أتذكرون كيف صرخت وسائل الإعلام قبل فترة وجيزة «الإيرانيون على الجدار»؟ أما الواقع فكان مختلفا، إذ لم يكن أي إيراني على الجدار. أتذكرون كيف أنه بعد إسقاط الطائرة الإيرانية المسيرة، حذرت التحليلات الإعلامية من أنه بذلك تقلصت لسلاح الجو حرية عمله في سماء سوريا، وأخطر من هذا: ارتكبت إسرائيل خطأ فادحًا في أنها فتحت حربًا ضد إيران المنيعة؟ مفهوم أن الواقع كان مختلفا.
لماذا أذكر ما نسي من الماضي القريب؟ ففي هذه الأيام بالذات، تصرخ العناوين في الصحف في كل وقت على شيء ما بصيغة «الأسد على الجدار، على الحدود». وهكذا حاليًا، لا يوجد بعد أي جندي للأسد على خط الحدود أو على مقربة منه، لا يوجد أي تهديد فوري أو قريب على إسرائيل.
ما هو الواقع، وماذا يحصل في جنوب سوريا؟ بالفعل، قبل بضعة أشهر، بعد أن سيطرةٍ على المنطقة في شمال شرق دمشق وجعلها خرائب، سيطر الأسد على القسم الجنوبي الغربي من دمشق، الذي في مركزه مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. مئات آلاف اللاجئين الذين كانوا فيه ببساطة فروا، حينئذ قرر هدفًا استراتيجيًا جديدًا: إعادة السيطرة على جنوب سوريا والوقوف في نهاية المعركة على الحدود الأردنية وعلى الحدود الإسرائيلية لهضبة الجولان. لهذا الغرض، حشد النظام السوري تقريبًا كل الجيش السوري القائم (أقل من الربع مقارنة بقوته عشية التمرد في 2011م). هو القوة المقاتلة الأساس، تلتحق بها قوات صغيرة من الميليشيات الشيعية بقيادة إيران، وكذا قوة لحزب الله. في الحرب الإعلامية الجارية كل الوقت، ثمة مبالغة هائلة في حجم هذه القوات من كل الأطراف: الإيرانيون يبالغون كي يوجهوا لإسرائيل إصبعًا وسطى، والثوار معنيون بإثارة إسرائيل، وإسرائيل بالطبع لا تدس يدها في صحن المبالغات.
النقطة المهمة والجوهرية في الحملة المرتبطة بروسيا تكمن في أن كل تخطيط الحملة العسكرية السورية هو للروس، وتكاد تكون كل قيادة الحملة روسية، هذه عمليًا حملة روسية. وبالطبع، سلاح الجو الروسي في قصف عديم الرحمة، هو الذي رجح الكفة في الحرب الأهلية السورية لصالح نظام الأسد، وهذا دون تحفظات، ودون آثار، ودون قطرة توازن، ودون احتجاجات من منظمات حقوق الإنسان، نعم، هذا ما يفعلونه الآن.
المفارقة: إنهم في موسكو يهتفون لمنتخب روسي ضعيف، ولكن ـ كذاك الذين يقاتل وكأنها ستالينغراد ـ وفي الوقت نفسه تدمر طائرات القصف الروسية القرى وتحرك موجة من اللاجئين.
للهدف الاستراتيجي هناك ثلاثة أهداف عملية: الأول هو السيطرة على المنطقة التي في أيدي الثوار، والتي توجد شمال مدينة درعا وشرق الطريق السريع إلى دمشق، والوصول حتى نقطة الحدود الأردنية قرب مدينة نصيب (مسافة عشرات الكيلومترات عن حدود هضبة الجولان). والثاني هو السيطرة على مدينة درعا (التي نصفها الجنوبي في أيدي الثوار) وتحقيق إنجاز رمزي بذلك، فهناك اندلع التمرد ضد الأسد. والثالث هو السيطرة على كل المنطقة التي هي غرب الطريق السريع، وهي هضبة الجولان السورية المعروفة لنا (القسم الجنوبي في أيدي داعش). صحيح أن جيش الأسد، حتى يوم أمس، وبقيادة روسية، استكمل معظم الهدف العملي الأول، ولكنه لم يصل بعد إلى الحدود الأردنية، فلا تزال أمامه معركة احتلال درعا، وبعدها هضبة الجولان. هنا، بخلاف الهدفين الأولين، ليست القصة ببسيطة، فهنا إسرائيل. وعن هذا ثمة حديث آخر.
معاريف 5/7/2018