هل حقا كان الأمريكيون طرفاً «ضامناً» في «اتفاقية خفض التصعيد» جنوب سوريا؟

حجم الخط
0

أنطاكيا – «القدس العربي» : تثار تساؤلات حول الدور الأمريكي فيما يعرف باتفاقية «خفض التصعيد» جنوب سوريا، اذ تتوالى الانتقادات لواشنطن بعد تنصلها من مسؤوليتها كطرف في الاتفاق مع روسيا والأردن، ولكن المعلومات التي حصلت عليها «القدس العربي»، حول ملف «خفض التصعيد» جنوب سوريا، قد تضيف توضيحاً جديداً لحقيقة الموقف الأمريكي من هذه «الاتفاقية» جنوب سوريا.
فقد اعلن عن هذا الاتفاق على مرحلتين في شهري تموز/ يوليو ونوفمبر/تشرين الثاني عام 2017، وجاء الإعلان الثاني على لسان مسؤول أردني هو المتحدث باسم الحكومة محمد المومني، قال فيه ان ممثلي الدول الثلاث وقعوا على «مذكرة المبادئ» في هذا الشأن في العاصمة عمان، وان هذا الاتفاق يدعم «ترتيبات» اتخذتها الدول الثلاث في تموز/يوليو لدعم اتفاق «وقف اطلاق النار» جنوب سوريا، اما الإعلان الأول في تموز، فقد جاء على لسان وزير الخارجية الروسي لافروف، وصف فيه الاتفاق بـ»مذكرة تفاهم».
التصريحات المعلنة حول الاتفاق، او الاتفاقين، تحمل قدراً من الالتباس، في ثلاث نقاط، أولها ان الاتفاق أعلن مرتين، والنقطة الثانية، ان تعبيرات مختلفة عدة استخدمت في وصف الاتفاق، فمرة يعبر عنه كـ»مذكرة مبادئ» ، ومرة اخرى يصف الاتفاق السابق بالـ»ترتيبات»، اما النقطة الثالثة، فهي ان الولايات المتحدة لم تتحدث عبر مسؤوليها عن طبيعة دورها في هذا الاتفاق، فالموافقة على وقف اطلاق نار، قد لا تقترن بكونها طرفاً «ضامناً» للاتفاق، كالدول الثلاث في مؤتمر أستانة روسيا وايران وتركيا، وهو موقف لم يصدر أبدا من أي مسؤول أمريكي بخصوص هذا الاتفاق.
ولاستجلاء هذه الالتباسات، تحدثت «القدس العربي»، إلى باحث مختص بالشأن السوري، ومقرب من مسؤولي الإدارة الأمريكية، في مركز كارنيجي للبحوث، الذي قال لـ «القدس العربي» إن الدور الأمريكي كان دورا للـ «توافق»، وما حدث ان الروس والامريكيين والأردنيين توافقوا على عدم حدوث تصعيد، وكان من المفترض، ان يتطور الامر إلى اتفاق مثل ادلب بنشر نقاط على الارض، لكن الأمريكيين تراجعوا عن إقامة نقاط على الارض مثل «التنف»، وما حدث لاحقاً انه تم فصل منطقة «التنف» عن الجنوب السوري، لانه كان في البداية ضمن التوافق على منطقة «جنوب سوريا» وبعدها، اصبح الأمريكيون، معنيين فقط بالتنف، والروس استفردوا بالتفاوض مع الاسرائيليين والأردنيين، كلاً على حدة».
من الواضح إذن، وحسب حديث الباحث، الذي نقله بعد تواصله مع مسؤولين أمريكيين عديدين معنيين بالملف السوري في الادارة، ان الاتفاق بقي كمذكرة تفاهم مبدئية، وان صلاحيته انتهت مبكراً، دون تطويره، وان الأمريكيين لم يكونوا ضمن هذا الاتفاق بصفة «ضامن» ، ولعل ما يؤكد هذه الاستنتاجات، إضافة إلى صمت الأمريكيين أنفسهم عن إعلان دورهم في هذا الاتفاق، ان المواقع التي توافقت فيها الإدارة الأمريكية مع روسيا بشكل جدي على حمايتها، وهي التنف والشمال السوري، اتخذت بشأنها مواقف واضحة، بالتهديد من مغبة تقدم قوات النظام نحوها، وتبعت ذلك إجراءات فعلية اتخذتها الولايات المتحدة على ارض الواقع لتنفيذ تعهدها بحماية هذه المناطق، حتى الان على الأقل، متمثلة بتواجد قوات ونقاط عسكرية أمريكية، واستخدام القوة النارية لوقف اي تقدم عسكري ضدها كما حصل في التنف ضد الميليشيات الشيعية والروس في دير الزور، التي حاولت التقدم نحو مناطق «قسد» ، إضافة إلى التنسيق العسكري الدائم بين الوحدات العسكرية الأمريكية في سوريا وبين القواعد الروسية، حول حركة الطيران فوق هذه المنـاطق.
كما أنه من الواضح أن الروس أرادوا إدخال الأمريكيين في هذا الاتفاق في محاولة منهم للتفاوض والضغط على الأمريكيين للخروج من قاعدة التنف، اذ ان هذه القاعدة كانت مشمولة في البداية بمنطقة «خفض التصعيد جنوب سوريا»، ورغم ان الأمريكيين ما زالوا متواجدين حتى الآن هناك، إلا أن تقديرات تشير إلى أن الأمريكيين سينسحبون من قاعدة التنف ومعظم مناطق الشمال السوري، ويبقون فقط في جيوب حدودية صغيرة مع العراق والأردن، بعد انتهاء مهلة التأجيل التي توافقت عليها الإدارة الأمريكية، بداية العام المقبل، لتهيئة الظروف لانسحاب آمن من سوريا، وهو ما يبدو أنه سيتبلور أكثر بلقاء ترامب بوتين منتصف هذا الشهر.
ويبقى الدليل الأهم على طبيعة الدور التوافقي لا الضامن للأمريكيين في منطقة الجنوب، هو الرسالة النصية التي تسربت والتي وجهها مسؤولون أمريكيون، لأعضاء غرف التسليح السابقين وقيادات بعض الفصائل المقربة في درعا، والتي قالوا فيها صراحة إنهم لن يتدخلوا بوجه هجوم النظام على درعا، وإن عليهم التعامل مع الأمر بدون توقع دعم أو تدخل الولايات المتحدة، أي بالمعنى الشعبي «قلعوا شوككم بأيديكم».

هل حقا كان الأمريكيون طرفاً «ضامناً» في «اتفاقية خفض التصعيد» جنوب سوريا؟

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية