ظواهر اجتماعية مقلقة تؤّثر على الحياة الأسرية في لبنان

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: تشهد مجتمعاتنا اللبنانية والعربية ظواهر اجتماعية تنذر بعواقب كارثية في حال لم يتمّ تداركها عبر وضع أهداف وخطط آنية ومستقبلية للمعالجة ولاسيما في ظلّ ما نشهده من أزمات وحروب تنعكس سلباً على الأمن الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للأسرة العربية التي تعاني من تحدياّت عديدة ومتنوعة مع دخول العالم مرحلة جديدة عنوانها التنمية المستدامة.
وأبرز هذه الظواهر التي يتمّ رصدها بشكل ملحوظ في مجتمعاتنا والتي تؤّثر بشكل مباشر على الحياة الأسرية والاجتماعية تتمثّل في العنف الأسري الذي شهدنا تسجيل حالات عديدة وغير مسبوقة من تعنيف الزوج لزوجته بالضرب المبرح وصولاً للموت، وتعنيف الأب لأولاده، وازدياد نسبة العنف الجسدي والاستغلال الجنسي وسواها من الأعمال التي تنعكس سلباً على المجتمعات.
ولتسليط الضوء على هذه الظواهر وكيفية مواجهتها للحدّ منها عبر وضع آليات وبرامج، التقت «القدس العربي» الأستاذ الجامعي وعضو مجلس أمناء المنظمة الدولية للأسرة والرئيس السابق للمجلس الأعلى للطفولة في لبنان الدكتور ايلي مخايل الذي لديه العديد من الكتب والمؤلفات حول التنمية المستدامة للأسرة العربية وحماية الأسرة والأطفال، فأكدّ أن العنف على الطفل والفتاة وعلى المرأة والمسنين وذوي الإعاقة، موجود في مختلف الدول، وتعود أسبابه إلى ظروف مختلفة بعضها متصّل بالعادات والتقاليد المتوارثة (الزواج المبكر وختان الإناث) وبعضها متصل بالجهل أو الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية وانحسار ثقافة الحقوق وشيوع النظام البطريركي، حيث يحلّ التسلّط مكان الحوار والتبادل والتسامح. ومن الظواهر الاجتماعية المقلقة التي تنتشر والتي حذّر منها الدكتور مخايل هي ارتفاع معدّلات الجريمة وجنوح الشباب نحو سلوكيات خطرة تهدّد أمنهم الشخصيّ والأمن المجتمعّي ومنها على سبيل المثال آفة المخدرات والانحراف.
وللتصديّ لهذه التحديّات التي تواجه مجتمعاتنا وأسرنا العربية قدّم مخايل اقتراحات عدّة مطالباً بتنفيذها وأبرزها على الإطلاق:
*كفالة القوانين الوضعية ضمان حماية فعاّلة للأطفال والنساء وسائر أفراد الأسرة عبر مواءمتها مع اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييّز ضدّ المرأة وغيرها من المواثيق الدولية. *تعزيز نظم حماية الطفل والمرأة والأسرة عبر وضع خطّ ساخن، ومحكمة وشرطة خاصة بشؤون الأسرة على المستوى المركزيّ والعمل على استحداث آليات مجتمعية محليّة تقوم بأنشطة الوقاية من العنف ورصد حالات الانتهاكات وإحالتها إلى تدخلات متخصصة.
*تأمين الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا والمعنّفين وللجهاز العامل معهم والبناء على الفرص المتاحة في المجتمع المحليّ لتقوية مرونة الأسر والمجتمع.
*تدريب منظمات المجتمع المدنيّ وسائر الجهات على أهمية الوقاية والحماية بكافة أشكالها ولاسيما العنف المبني على النوع الاجتماعي.
*توعية أفراد الأسرة على حقوقهم وتمكينهم من الدفاع عنها والترّويج لأساليب تأديب إيجابي بدل العقاب المؤذيّ.
*وضع برامج للوقاية المبكرة والاستغلال الجنسي وختان الإناث.
*العمل على إيجاد خط ساخن يؤّمن المشورة ويتيح الابلاغ وإحالة الحالات إلى المساعدة المناسبة.
كما دعا الدكتور مخايل إلى العمل على تحسين نوعية خدمات مؤسسات الرعاية والايوائية التي يتمّ إيداع الأطفال والنساء وذوي الحاجات الخاصة فيها في حالات العنف أو العجز لتأمين إعادة التأهيل والاندماج. مشددا في السياق عينه على ضرورة تشجيع أشكال الرعاية البديلة عبر إعطاء الأولوية للمحافظة على تماسك الأسرة وعدم فصلها أحد أفرادها عنها إلاّ في حالات تفرضها المصلحة الفضلى لهذا الفرد.
ورأى وجوب إيجاد برامج لمّ الشمل وتتبّع أثر سائر الأفراد المنفصلين عن الاسرة خلال مرحلة الحروب والنزاعات وتمكين الأهل من التعّرف على علامات السلوك الانحرافي عند الأطفال والشباب، ومدّهم بطرق التصّرف لمواكبة أبنائهم وتوجيههم إلى مرافق الدعم والمساندة المناسبة.
وخلص في اقتراحاته إلى دعم وجود مراكز استماع وتوجيه وإرشاد في المدرسة والجامعة والمجتمع للأطفال والشباب والأهل.
هذا وتجدر الإشارة إلى أنّ السجلاّت المليئة بأسماء ضحايا العنف الأسرّي الذين سقطوا بدم بارد إمّا على يد أزواجهّن أو أشّقائهنّ أو أحد أقاربهّن دفعت وتحت ضغط الجمعيات المدنية والمنظمات ومنها جمعية «كفى استغلال» و «كفى عنف» لإقرار قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري في المجلس النيابي اللبناني، وقد اشادت به الجمعيات والأحزاب والهيئات السياسية والدينية، إلاّ انّ البعض طالب بوجوب ادخال بعض التعديلات عليه والبعض الأخر طالب بوجوب تطبيقه ليكون رادعاً وعبرة لمن تسّوله نفسه الاعتداء على زوجته أو أفراد أسرته. ومن بين المطالبات التي ركّزت عليها جمعية «كفى» عند كلّ تحرّك لذوي ضحايا العنف، هو تأكيدها على أنّ «الجرائم ليست حوادث فردية منفصلة عن بعضها البعض بل هي نتيجة مباشرة للمنظومة الثقافية والسياسية والاقتصادية التي تنُتج العنف الممنهج ضد النساء وتكرّسه في القوانين والعادات والتقاليد والتربية، حيث تسقط المرأة تلو الأخرى أمام تخاذل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في التعامل مع الموضوع كأولوية في التشريع والقضاء ورسم السياسات العامة. والحال أن العنف تجاه النساء وصولاً إلى حدّ القتل، يعكس التمييز التاريخي للدولة اللبنانية تجاه المرأة في قوانين تكرّس تبعية المرأة للرجل كما في قوانين الأحوال الشخصية، أو تضعها في مرتبة أدنى من الرجل كما في قانون الجنسية، وفي تباطؤ القضاء في إصدار الأحكام العادلة، ولا سيما في قضايا قتل النساء، وفي تقاعس المشرعين عن تعديل أو إلغاء القوانين التمييزية والمجحفة بحق النساء».
وأضافت جمعية «كفى» انّه «بحّجة الخصوصية الثقافية امتنعت الدولة اللبنانية عن إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة وسمحت بأن يتحكم رجال الدين بأحوالنا الشخصية، فيشرّعون زواج القاصرات ويحرمون الأم من حضانة أطفالها ويفرضون عليها الطاعة وغيرها من الممارسات التي تضطهد النساء وتضعهن في موقع دوني يمتهن كرامتهن. وازاء هذا العنف المتفلّت، يخرج علينا وزراء يطالبوننا بعدم تضخيم الجرائم كي لا نضرّ بالسياحة بدلاً من أن يدعوا إلى الإسراع في إحالة مشروع تعديل القانون 293 على مجلس النواب للتصويت عليه من أجل تشديد الحماية وتفعيلها وتشديد العقوبات على جرائم قتل النساء. ان كنتم بانتظار مباركة رجال الدين والطوائف للقوانين الحامية للنساء فلن تتحقق العدالة للنساء في أي يوم من الأيام. آن الأوان للدولة كي تستعيد دورها وترفع يد الطوائف عن القوانين لتكون الطوائف خاضعة لسلطة الدولة وليس العكس».

ظواهر اجتماعية مقلقة تؤّثر على الحياة الأسرية في لبنان
ايلي مخايل يحذّر من ارتفاع معدّلات الجريمة وجنوح الشباب
ناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية