«السلام» في الخليل مصنع تراثي ينطق الزجاج الجليل بالنار والفم

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: يطوع الإنسان الحجر والحديد فيحولهما لمجسمات وأشكال فنية مدهشة تخرجها يد الإبداع الإنسانية من حالة الصمم حتى تكاد تنطق بفضل مهارات متوارثة لا تشيخ وتصمد أمام سيل الحداثة لندرتها وجماليتها. هذه هي قصة مصنع السلام للزجاج والخزف (السيراميك) في مدينة الخليل الفلسطينية الذي يطّوع الزجاج بتدويره فيستنطقه بالنار والنفخ منذ قرن وعقد وما زال الأبناء فيه على خطى الآباء والأجداد يسيرون. تجاوز هذا المصنع 110 أعوام لكنه لا يزال يتفوق بشيخوخته وتراثيته على التكنولوجيا الحديثة بجودة منتوجاته وجماليتها وندرتها. المصنع الذي يواصل اعتماد أدوات في منتهى البدائية والبساطة بات متحفا ومزارا للسائحين المحليين والأجانب وتلاميذ المدارس والعامة الذين يأمونه لمشاهدة عظمة الإنسان وقدرته على الابتكار والعمل الخلاق. إن زرت الخليل مدينة سيدنا إبراهيم الذي نجاه رب العالمين من نار قومه بعدما أمرها فكانت «بردا وسلاما» ولم تزر هذا المصنع الفولكلوري فكأنك لم تزرها مثلما هو الحال إن لم تأكل من عنبها الشهي في موسمه بدءا من الأسبوع المقبل. يعمل في هذا المصنع عدد قليل من أبناء عائلة النتشة ممن ورثوا أسرار المهنة أبا عن جد فيصنعون تشكيلة واسعة من التحف الفنية والأواني الزجاجية الملونة الزاهية والخزفية المتقنة لأغراض البيت والزينة. حالفنا الحظ بزيارة المكان والاطلاع على خط الإنتاج الذي يقع في دائرة العمل اليدوي الفني وعدنا بانطباعات أزهى من ألوان الزجاج فيه.
يجلس تميم أمام فرن حراري يداعب الزجاج المنصهر، يضعه في الفرن، يخرجه ويحركه ينفث فيه وفي لحظة يصير بالونا زجاجيا ملتهبا يداعبه بيديه وبما يشبه القضيب أو القصبة الحديدة الطويلة ليصبح أخيرا تحفة زجاجية براقة منها أباريق، وفوانيس، ومزهريات وكؤوس وصحون وغيرها من الأشكال والمجسمات، وبأحجام مختلفة، بفن وإبداع حقيقي. من هنا تنتقل هذه التحفة إلى قسم الرسم، حيث يجلس مجموعة رسامين على طاولة واحدة، تنتقل تلك التحفة الزجاجية بين أيديهم، من الرسام الأول الذي يأخذ القطعة بيضاء ليضع رسما أشبه بالحدود السوداء المزخرفة، ثم يستلمها زميله ليملأ الفراغات والحدود السوداء بألوان تناسب التحفة الزجاجية ونوعها.

فرن النار 1400 درجة

وسط المصنع يقع القسم الأهم على شكل فرن مبني من الطوب الخاص الذي يحتمل الحرارة المرتفعة وهو أشبه بـ «الطابون» (فرن الخبز الفلسطيني القديم المصنوع من الطين) شكلا ومضمونا. يبدأ العمل هناك في ساعة مبكرة كل صباح بإشعال النار داخل الفرن بواسطة الزيوت المحروقة بعد استخراجها من المراكب فتبلغ حرارته 1400 درجة مئوية وهي أرخص من السولر وأكثر فاعلية. وقبل ذلك كان يستخدم الحطب مصدرا للطاقة لكن تراجع مساحات الأحراش وارتفاع كلفة الحطب دفع القائمين عليه للبحث عن مصدر طاقة بديل. وخلافا للمصانع الحديثة لا يستخدم مصنع «السلام» في الخليل الرمل في إنتاج الزجاج بل يقوم بصهر قناني المشروبات الزجاجية التي يتم اقتنائها بتكلفة مئة دولار للطن الواحد فتهشم قبل إدخالها إلى الفرن وبذلك يحقق هدفا هاما يتمثل في تدوير هذه المواد بطريقة مفيدة. بعد ايداع كسورات الزجاج سرعان ما تتحول داخل الفرن إلى سائل لزج فيقوم الحرفي المناوب بمد ماسورة معدنية طولها نحو 120 سم عبر «نافذة» صغيرة (يتم التحكم بفتحها وإغلاقها بواسطة الدوس بقدمه على سلك متصل بها) فيلتقط كمية من الزجاج الذائب يتفاوت حجمها حسب حجم الغرض المنوي إنتاجه.

النفخ بالفم

وهنا وبعد انتهاء دور اليد يأتي دور الفم في استنطاق ما هو أخرس، إذ يقوم الحرفي في هذه المرحلة بوضع الطرف الآخر من الماسورة بفمه ويشرع بالنفخ حتى تكبر القطعة اللزجة التي تتم دحرجتها في اللحظة نفسها على أرضية معدنية وبمساعدة مقص أو لاقط بدائي يتحكم بالشكل الخارجي للمنتوج خلال عملية الدحرجة تماما كما تتم صناعة الفخار. وخلال ثوان معدودة تتحول قطعة صغيرة من المادة الزجاجية اللزجة إلى مزهريات وأوان بأحجام وأشكال مختلفة على نسق واحد وكانها صممت في قالب معدني واحد كما هو الحال في المصانع العصرية.

حمم بركانية تشع حمرة وجمالا

هذه القطعة التي تخرج من الفرن ملتهبة وشديدة الحمرة وتذكر بتدفق حمم اللافا بعد البركان وهي تأخذ شكلها ولونها بثوان قليلة وتوضع على الفور بوعاء مائي في الجزء الآخر من الفرن وفيه درجة الحرارة قرابة 600 درجة بهدف التبريد التدريجي لمدة ساعة على الأقل قبل اخراجها وتغليفها تمهيدا للتسويق والتصدير. وكي لا تذوب الأدوات الحديدية المستعملة وتختلط بالمادة الزجاجية يقوم الحرفي بطليها بين الفينة والأخرى بشحم النحل. وهنا أيضا كانت المرأة سر النجاح، وأصل الحكاية ان أحد أجداد العائلة الخليلية الشيخ علي النتشة، قام في نهاية القرن التاسع عشر بالزواج من سيدة تركية فكان يسافر إلى اسطنبول لزيارة ذوي زوجته وهناك عمل في سوق الزجاجين حتى أصبح حرفيا فعاد للوطن بزوجة وحرفة نادرة معا. ويروي أحفاده لـ «القدس العربي» إنه بدأ في تصنيع الزجاج بالطريقة ذاتها لتنتقل كلمة السر المهنية إلى الأولاد والأحفاد حتى اليوم. إلى جانب صاحب المصنع فايز النتشة يقوم الابن رمزي بتصريف شؤونه عند غياب والده.

هذه قصتي

وقبل 13 عاما ورغم كونه لم يتعد الثانية والعشرين من عمره بعد، بات من وقتها خبيرا يحيط بكل صغيرة وكبيرة في الورشة بسبب تراكم التجربة التي بدأ باكتسابها مبكرا. ويوضح رمزي النتشة، ان الأواني الزجاجية لديهم تمتاز بانها أثقل من تلك المصنعة في المصانع الحديثة وبكونها أكثر مناعة وزهوا في ألوانها. رمزي الذي أنهى دراسته الجامعية في إدارة الأعمال قال انه يرغب في تعلم صناعة الخزف في اسبانيا، غير ان انشغاله بشؤون المصنع يحول دون ذلك. لافتا إلى ان الشركة تشارك في معارض دولية منها مهرجان دبي للتسوق بهدف تصريف المنتوجات.

مصنع توأم في القدس

وعن حجم الإنتاج في المصنع الذي لا مثيل له في كل فلسطين إلا مصنع خزف مشابه في القدس تديره عائلة أرمنية منذ قرن ونيف، قال ان حرفي الزجاج ينتج يوميا مئة قطعة ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها قياسا بأسعار المصانع الحديثة. وفي السنوات الأخيرة يواجه مصنع الزجاج الفلسطيني الفريد منافسة شديدة بالأسعار من قبل الشركات الصينية التي تغمر الأسواق العالمية بمنتوجاتها الرخيصة، حيث يبيعون القطعة الواحدة بحوالي دولار واحد مقابل دولارين للقطعة الفلسطينية. رمزي الذي أكد على تفوق منتوجات «السلام» من ناحية الجودة على بضائع المصانع الحديثة، شكا من ضعف السوق والطلب في فترات معينة. ويستذكر أن المصنع كاد يغلق أبوابه بعد انهيار السياحة عقب اندلاع انتفاضة القدس والأقصى عام 2000. وأضاف «قبل ذلك كان آلاف السائحين يزورننا ويبتاعون من إنتاجنا».

تدوير وحفاظ على البيئة

وعلاوة على مساهمته في حفظ البيئة عبر استجماعه لقناني الزجاج المستعملة التي ترمى في مجمعات النفايات ويقوم في تدويرها، يسهم المصنع في المجال الثقافي من خلال تصميم لوحات وصحون السيراميك التي تحفر عليها رسومات الأقصى والحرم الابراهيمي وغيرها من المعالم الدينية والثقافية التي تعلق أيقونات داخل كل منزل فلسطيني وتحمل شحنات تربوية وتوعية وتساهم في إنتاج وتعميم وعي وطني في كل أرجاء فلسطين من الخليل إلى الجليل.
علاوة على تصنيع الزجاج الملون والمعشق المستخدم في نوافذ المسجد الأقصى، تنتج شركة السلام لتصنيع الزجاج التي يمتلكها فوزي النتشة أبو رمزي(62) خزفيات تحمل صور المسجد وقبة الصخرة وأخرى لمعالم المدينة وأحيائها الدينية والتراثية، في محاولة منه لتوثيق الصلة أكثر بالمدينة المقدسة بكل معالمه.
«أما القناديل فهي حكاية أخرى، وقد صنعنا تلك القناديل لإضاءة البيوت والحواري داخل البلدة القديمة»، يقول فوزي النتشة موضحا أن عهده بصناعة الزجاج يفوق الأربعين عاما، حيث ينتج مصنعهم الزجاج بمختلف أشكاله منذ عقود كثيرة. ويشير إلى أنه وعائلته واكبوا بعملهم كل ما من شأنه أن يخدم مدينتي الخليل والقدس فباتوا يصنعون القناديل الزجاجية والخزفيات ورسم صورهما وجل كنوزهما الأثرية والتاريخية. كما يرفدون محال السياحة هناك بتلك القطع الأثرية، «فهناك ما لا يقل عن عشرين ألف قطعة زجاجية وخزفية تباع لتلك المحال في المدينة المقدسة». ويقول أبو رمزي إنه يشعر مع كل قطعة يصنعها بشيء من النضال والصمود على هذه الأرض، ويزداد هذا الشعور إذا ما كانت «المشغولات مقدسية» إذ يرى أن ذلك نوع من دعم المدينة واقتصادها الذي يحاصره الاحتلال ويعيق تطوره. وتنتج هذه التحف بدقة وبحرفية عالية، ويمتهنها تميم النتشة وعاملون آخرون داخل المصنع، وكل ذلك من أجل الخروج بعمل جيد ويمكن تسويقه محليا وعالميا. ويعرب النتشة عن فخره بتوارث تلك الصنعة التي تزداد عزا يوما بعد يوم، ويقول إنه يشعر بنشوة النصر حين يرى حيرة الزوار باختيار التحف التي تروق لهم، فكل تحفة لها جماليتها وميزتها. لكن المعيقات الإسرائيلية كعادتها، تأبى إلا الظهور في كل قصة نجاح، فهذه الصناعة تواجه معيقات في النقل والتصدير لتلك التحف الفنية للخارج، وهذا يقتطع جزءا لا بأس به من الربح حسب النتشة، فتكلفة المعابر والموانئ الإسرائيلية عالية جدا.

«السلام» في الخليل مصنع تراثي ينطق الزجاج الجليل بالنار والفم
عاد مؤسسه من اسطنبول بحرفة فولكلورية
وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية