لندن ـ «القدس العربي»: خلع محمد صلاح قلوب أبناء وطنه في مصر، بالتغريدة «اللغز»، التي ما زلنا نُحاول تفسيرها، كبقية النقاد والمتابعين، الذين اختلفوا في فهم مغزاها الحقيقي، خاصة بعد تعقد التفسير بإقباله على خطوة تأمين مستقبله مع ناديه ليفربول بعقد طويل الأمد، وبراتب مُحسّن قيمته تُقدر بنحو 18 مليون جنيه إسترليني، وذلك في اليوم التالي للرسالة الغامضة، وكأنه يقول بوضوح شديد: ليفربول ليس المقصود بالتغيير!
هل يقصد الرئيس؟
كما نعرف جميعا، صلاح قال: «قد يظن البعض أن الأمر انتهى ولكن الأمر لم ينته بعد. يجب أن يكون هناك تغيير»، لتنقلب الدنيا رأسا على عقب، ومن تابع ردود الأفعال سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، لاحظ أن الجميع كان يُغني على ليلاه، فعلى سبيل المثال، أصدقائي الذين هم على عداء مع النظام الحاكم، اعتقدوا أن صلاح يقصد التغيير بكل شيء في مصر، والبداية برأس السلطة، لعدم تحذيره من عواقب اللقاء بالرئيس الشيشاني رمضان قديروف وحصوله على حق المواطنة في الإقليم الروسي المسلم. والشريحة الأكبر، اعتبرت المغزى من تغريدة صلاح، تغييرا جذريا في اتحاد الكرة، بعد المواقف السخيفة التي تعرض لها في الأشهر القليلة الماضية، بداية بأزمة صورته على غلاف الطائرة، الذي كان سيُكبده خسائر فادحة تصل لنحو 100 مليون جنيه بعملته المحلية، لمخالفة بنود عقده مع شركة الاتصالات الإنكليزية الشهيرة، بمنعه من الظهور في أي شركة منافسة، مرورا بعدم الانضباط والعبثية التي شهدها معسكر المنتخب في غروزني، نهاية بالمشكلة الأكبر مع قديروف بصوت العالم الراحل مصطفى محمود.
من المقصود؟
أحد أكثر الرجال المشهود لهم بالاحترام والتواضع في مقر جبلاية اتحاد كرة القدم، وهو المنسق الإعلامي أسامة اسماعيل، الذي يُحسن استقبال الصغير قبل الكبير في مكتبه الأنيق في أقصى يمين الدور الأرضي للمقر الذي سيتّحول لمتحف في الفترة المقبلة، كان أكثر جرأة من الآخرين بدون استثناء، بتأييد مُطلق لرأي صلاح، مع التعهد بإجراء التغيير في أسرع وقت ممكن، لكن نعود للسؤال: ما هو التغيير؟ لا خلاف أبدا على أنه يقصد أشخاصا مُعينين داخل اتحاد الكرة، ونُلاحظ شيئا لم يتطرق إليه كثيرون، أن الرسالة جاءت بعد رحيل المدير إيهاب لهيطة، وما أدراك من هو لهيطة، فهو «عراّب» صفقة الإقامة في فندق «لوكال»، وأيضا هو من مهد لمقابلة قديروف بالتنسيق مع أبو ريدة، لذا في الغالب هو المقصود في نصف التغريدة الأول، بمعنى أن رحيل لهيطة والجهاز الفني بأكمله، في مقدمتهم الأرجنتيني هيكتور كوبر، لم يَحل المشكلة أو يُنهي الأمر كما كتب بيده، بل المغزى من التغيير أعمق وأشمل وأبعد من ذلك بكثير، على ان يطول كل العقول «الهاوية»، التي لا تحترم ولا تفهم قيمة التعاقدات الدولية، حتى لا يعود لنقطة الصفر في المستقبل، بتصرفات وقرارات جديدة على شاكلة غلاف الطائرة وإقحامه في ألاعيب السياسة التي لا يميل إليها، بجانب هذا، وفي اعتقادي هو الأمر الأهم، العمل على تطوير جذري، لاكتشاف مواهب جديدة، من شأنها أن تساعده على تحقيق أهدافه وطموحاته الدولية في الفترة المقبلة.
أقل ما يُمكن قوله، أن المنتخب المصري كان ضمن الأسوأ في كأس العالم، إن لم يكن الأسوأ بدون منازع، ليس فقط للطريقة الدفاعية البحتة التي لعب بها كوبر، بل لقلة كفاءة وجودة أغلب اللاعبين مقارنة بخصومهم الـ31 بدون استثناء، يُمكنك عزيزي القارئ مشاهدة ملخصات لمباريات مصر في المونديال، وأول شعور سيتسلل إليك، أن كرة القدم ما أصعبها لعبة وهي بين أقدام لاعبي منتخب مصر، كأنهم يُمررون في الصحراء الغربية الشاسعة، وليسوا في أفضل ملاعب العالم. صحيح ان هناك لاعبين يُعدون على أصابع اليد الواحدة بجانب صلاح، يُمكن اعتبارهم في مستوى كرة القدم الحديثة كأحمد حجازي ومحمد النني وعمرو وردة والمحمدي، لكن البقية بدون استثناء، لاعبين بصبغة محلية على بعد سنين ضوئية من الكرة الحديثة، وهذا انعكس من خلال الأداء المتواضع الذي ظهر عليه اللاعبون المحليون، وأيضا المحترفون بالاسم في أوروبا. لا أتصور كيف كان سيستطيع فريق كوبر مجاراة الكبار إذا مر للأدوار الإقصائية، فما نُشاهده منذ بداية دور الـ16، كرة قدم بإيقاع وشكل مختلف تماما عن نسخة الفراعنة في روسيا، والحقيقة المؤسفة، أن الأمر أشبه بالمقارنة بين سيارة من التسعينات بأحدث سيارة في العالم، لذا ليس من المستبعد أبدا، أن يكون مقصد صلاح تغيير اتحاد الكرة برمته، حتى تكتمل ثورة التغيير بمجلس جديد وجهاز فني جديد أيضا، لرسم ملامح مشروع جديد، يكون الهدف منه بناء جيل جديد قادر على وضع المنتخب المصري على الخريطة العالمية، كما يطمح صلاح، لكن من ربط الأمر بالسياسة، فهو في الغالب ليس على صواب، لأن عقلية صلاح أكبر من ذلك بكثير، ويفهم ويعي جيدا أنه ليس من مصلحته الدخول في صدام مع الدولة لأسباب كثيرة نعرفها جميعا، أليس كذلك؟.
مونديال كبير له
دائما نسمع عبارة «الإرهاب لا دين له»، كذلك تنطبق مقولة «المونديال الروسي المجنون لا كبير له»، فمنذ اللقاء الافتتاحي الذي جمع البلد المنظم بالسعودية، وانتهى بخماسية للتاريخ، وضح أنه سيكون مونديالا خارج التوقعات، على غرار ما يحدث في كل مرة يختار الاتحاد الدولي إسناد شرف استضافة البطولة لأحد البلدان المُصنفة على أنها ليست من كبار كرة القدم، أو العظماء الذين يحتكرون اللعبة منذ أول مونديال أقيم في الثلاثينات في أوروغواي، لو نتذكر كأس العالم الآسيوي كوريا واليابان 2002، كان شاهدا على مفاجآت لن تُمحى من الذاكرة، فما فعله الشمشون الكوري في إيطاليا في دور الـ16، لا يختلف كثيرا عن صدمة خروج بطل العالم المنتخب الألماني من الدور الأول، آنذاك كانت المرة الأولى التي يُقام فيها المونديال في بلدان جديدة، ونجحت المغامرة، بتساو لا يُصدق في الرؤوس، وصل لحد سقوط حامل اللقب فرنسا أمام ممثل أفريقيا السنغال (في أول مشاركة مونديالية) في اللقاء الافتتاحي بهدف بابا يوبا ديوب، ورقصته الخالدة وهو يلتف حول قميصه المُلقى على الأرض، ليخرج منتخب الديوك من الدور الأول ومعه أوروغواي من المجموعة الأولى، تاركين الصدارة والوصافة للاثنين غير المُرشحين الدنمارك والسنغال.
لا ننسى أيضا، أن نسخة 2002، شهدت خروج منتخبات عريقة أخرى من الدور الأول، كالبرتغال بقيادة لويس فيغو وبولندا، احتلا المركزين الثالث والرابع في المجموعة الرابعة، التي تصدرها المنتخب الكوري الجنوبي، وخطف الأمريكان وصافتها في مفاجأة مدوية آنذاك، وكذا الأرجنتين بجيل غابرييل عمر باتيستوتا، وخوان سباستيان فيرون وهيرنانيز كريسبو وآريل أورتيغا وبقية الاسماء الرنانة، عجزوا على المرور من مجموعة كانت تضم نيجيريا والسويد وإنكلترا، وفي نهاية المطاف، خلد التاريخ أسماء كإلهان مانسيز والحاج ضيوف وهنري كمارا وآن جونغ هوان وآخرين، بجانب إمبراطورية «R» البرازيلية رونالدو وريفالدو ورونالدينيو وقبل الجميع أوليفر كان، كانوا أبرز نجوم المونديال. وحتى عندما نظمت جنوب أفريقيا البطولة، ذهبت الكأس لوجه جديد، وهو المنتخب الإسباني. والآن الوضع لا يختلف كثيًا في هذا النسخة، التي تعتبر واقعيا، تُنظم خارج أوروبا والأمريكيتين، وإن جاز التعبير في بلد لم تكن له علاقة بكرة القدم قبل كأس العالم، والدليل على ذلك، الأحداث المُثيرة لأغلب المباريات والنتائج المفاجئة. من منا كان يتوقع فوز روسيا على إسبانيا؟ وهي على الورق مباراة بين خصم فقير بالمواهب وآخر يشع بالمواهب القادرة على صنع الفارق في أي لحظة، مع ذلك، انتصرت الروح القتالية ومعها العمل والالتزام الخططي الجماعي بتعليمات المدرب، لتختفي الفوارق الفردية مع اللا روخا كما شاهدنا.
لا مكان لمنتخب النجم الواحد!
حقيقة أخرى أثبتها هذا المونديال بجانب استحالة توقع أي نتيجة، أو أحداث مباراة، كما شاهدنا في اللقاء الشوط الأمتع في البطولة بين اليابان وبلجيكا، الذي شهد 5 أهداف، مع أحداث أخذت الشكل الهيتشوكي، بتقدم الساموراي بهدفين نظيفين في أول 15 دقيقة من الشوط الثاني، ثم رد منتخب الشياطين الحمر بثلاثة أهداف، منهم هدف يُدرس، من هجمة مرتدة استغرقت تسع ثوان، منذ خروجها من يد الحارس تيبو كورتوا إلى أن أودعها ناصر الشاذلي في مرمى الحارس الياباني المغلوب على أمره إيجي كاوشيما، ففي هذه البطولة، لا مكان لمنتخب النجم الواحد، وكانت البداية بمنتخب مصر، الذي أفرط في الاعتماد على صلاح وهو يخوض آخر مباراتين بنصف قوته بعد عودته من الإصابة، نفس الأمر بالنسبة لقائد الأرجنتين ليونيل ميسي، هو كذلك، لم يجد مساندة أو معاونة حقيقية ليغزوا المنافسين كما يفعل مع برشلونة، فكانت النتيجة، هو كان في واد ومنتخبه بأكمله في واد آخر، حتى أفضل لاعب في العالم، لم ينجو من المقصلة، رغم بدايته الجيدة التي أسفرت عن هاتريك في مرمى إسبانيا، لكن أمام أوروغواي، اصطدم بجدار عازل مكون من غودين وخيمينيز يعرفان جيدا، أن المدرب البرتغالي فرناندو سانتوس، يَعول كثيرا على إرسال العرضيات لرونالدو داخل منطقة الجزاء، بنفس طريقة استخدامه في ريال مدريد، بعدما قام زيدان بتعديل مركز الدون من جناح مهاجم رقم 7 لرأس حربة صريح 9، وهذا سهل المهمة كثيرا على قلبي دفاع ثعالب أمريكا الجنوبية، وهما الثنائي المُعتاد على مراقبة رونالدو في معارك دربي مدريد بين الريال والأتليتي.
انتصار اللعب الجماعي
نُلاحظ أن الثمانية الكبار من أصحاب مدارس اللعب الجماعي، حتى منتخب البرازيل، في هذه النسخة لا يُمكن اعتباره أحد منتخبات النجم الواحد، صحيح نيمار يلعب دورا هاما، لكن حدثني عن نجم الدور الأول فيليب كوتينيو، الذي فاز بجائزة لاعب المباراة مرتين، أيضا ويليان، يقوم بعمل انتحاري في وسط الملعب، ليضع نيمار في موقف لاعب ضد لاعب في الجهة اليسرى. البرازيل مع المدرب تيتي، تلعب بشكل جماعي ولا أروع، وهذا ما ساعدهم على تفادي الهزيمة في آخر 15 مباراة (قبل مباراة بلجيكا)، عكس الانطباع الذي كان مأخوذا عن الفريق قبل 4 سنوات، عندما كان يُطلق عليه منتخب نيمار، وحين أصيب في ظهره على يد اللاعب الكولومبي خوان كاميلو زونيغا، الذي اعتزل اللعبة نهائيا يوم الخميس الماضي، بعد معاناة مع إصابة مزمنة في الركبة، انهار السيليساو تماما أمام ألمانيا وهولندا في مباراتي نصف النهائي وتحديد المركزين الثالث والرابع، وهذا بسبب مبالغة المدرب الأسبق لويس فيليبي سكولاري في الاعتماد على نيمار لإيجاد حلول في الهجوم، على عكس الوضع الآن مع تيتي، الجميع يُسجل والجميع بإمكانه التسجيل والصناعة في الوقت ذاته. نفس الأمر بالنسبة للمنتخب البلجيكي، هو الآخر يلعب بشكل جماعي ولا يعتمد على نجم بعينه، رغم كثرة الوجوه الرنانة المتمثلة في إيدن هازارد وكيفن دي بروين وروميلو لوكاكو، والدليل الهدف الجماعي العالمي في اليابان، بجانب الاستخدام المثالي لفارق الطول مع لاعبي ممثل آسيا، الذي أسفر عن هدفين بالرأس. حتى المنتخب الإنكليزي يلعب بحماس شديد، على عكس ما كان يظهر في البطولات المجمعة الأخيرة، ومن حُسن الحظ هاري كاين في أفضل لحظاته كلاعب، ويكفي أنه قبل مواجهة السويد، سجل 6 أهداف من 6 محاولات على المرمى.
الأمر ينطبق كذلك على المنتخب الروسي الذي يُعطي درسا في القتال واللعب الجماعي، وكذا فرنسا بمواهبها الشابة، وكل منتخب حقق أهدافه في البطولة، باعتماده على الحل الجماعي أكثر من الفردي، مع الاستغلال المثالي لنقاط ضعف المنافسين. هذا ما يصنع الفارق منذ بداية كأس العالم، وليس الحل الفردي، باستثناء الجريمة الكروية التي ارتكبها كيليان مبابي في الدفاع الأرجنتيني، ما عدا ذلك، المستوى متقارب بين الجميع بدون استثناء، وهذا يُعطي أملا أكبر، أن تتسع دائرة المنافسة العالمية لأكثر من ثمانية أو تسعة منتخبات هي فقط المُسيطرة والمتحكمة في كرة القدم منذ قديم الأزل، حتى لو بوجوه جديدة من أوروبا وأمريكا الجنوبية غير أسماء المنتخبات المُعتادة على حمل اللقب، وإن لم يَحدث التغيير الصحي لعالم كرة القدم في هذه النسخة كما توقعنا قبل أسبوعين، فلا بأس بما تحقق على أرض الواقع في البطولة الجارية… لعل الدوحة تشهد بعد 4 سنوات على ظهور قوى جديدة يخرج منها بطل ووصيف جُدد علينا، لكن دعونا نتفق على ان مباريات كأس العالم في روسيا 2018 لا تخلو من الإثارة ومن الصعب على أي مُحلل كرة قدم في العالم أن يتنبأ بنتيجة أو أحداث أي مباراة، فقط كل ما عليك فعله، الاستمتاع بكل لحظة في مباريات البطولة التي ننتظرها على أحر من الجمر كل أربع سنوات… مشاهدة ممتعة للجميع
من عادل منصور