ايلان بابيه في «عشر خرافات حول إسرائيل»: الصهيونية مثلت أقلية بين يهود العالم قبل المشروع البريطاني الاستعماري

حجم الخط
2

 

هناك سؤال هام يطرح على أي إنسان مهتم بالشأن الفلسطيني ـ الإسرائيلي بعد قراءة كتاب «عشر خرافات حول إسرائيل» للمؤرخ والأستاذ في جامعة اكستر البريطانية ايلان بابيه، والسؤال هو التالي: لماذا يعارض كتّاب عرب ويهود وأجانب يلتزمون تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، مشروع إنشاء الدولتين فيما يؤيد هذا المشروع مفكرون وسياسيون آخرون مخلصون للقضية الفلسطينية؟
إيلان بابيه وادوارد سعيد ونعوم تشومسكي ومعهم كثيرون من القادة والمناضلين الفلسطينيين (خصوصا في غزة) ينتمون إلى المجموعة الأولى، فيما استشهد عدد من كبار قادة المقاومة الفلسطينية وعلى رأسهم القائد ياسر عرفات في سبيل الخيار الثاني، الذي ما زال يعتنقه قائد السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس والمجموعة الداعمة له في فلسطين، ويؤيد موقفه في العالم عدد من السياسيين والمفكرين الفلسطينيين والعرب والأجانب.
في الصفحة (144) يدعو بابيه إلى دفن مشروع الدولتين وفتح حوار جديد بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما يناشد الجهات الفلسطينية الشعبية الفاعلة لمحاولة استقطاب المجموعات التقدمية بين يهود إسرائيل للانضمام إلى حملة مقاطعة البضائع الإسرائيلية التي تنتجها المستوطنات غير الشرعية والمؤسسات الثقافية والاجتماعية التي تمارس العنصرية ضد الفلسطينيين على اختلاف أنواعها.
وبما ان بابيه عاش فترة من حياته في إسرائيل قبل انتقاله إلى بريطانيا، فإنه يؤمن بوجود مثل هذه الجهات التقدمية بين يهود إسرائيل برغم ان صوتها مكبوت حاليا نظراً لهيمنة المتطرفين الصهاينة على الدولة والمجتمع الإسرائيليين.
ويعتبر ان مشروع حل الدولتين المطروح لمعالجة القضية الفلسطينية وهي ان دولة إسرائيل المبنية على الصهيونية المتطرفة، من جهة، والدين اليهودي، من جهة أخرى، هما شيء واحد ولا يمكن التفريق بينهما.
ويستشهد في دعم موقفه هذا بما قاله زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربن عندما اتهمته الأوساط الصهيونية البريطانية بالعداء للسامية حيث قال ان إلقاء اللوم على الديانة اليهودية بسبب تصرفات بنيامين نتنياهو ومجموعته المتطرفة التي تقود إسرائيل حالياً يشبه لوم الدين الإسلامي بسبب الممارسات الوحشية التي ترتكبها بعض المجموعات التي تسمي نفسها «إسلامية» في العالم العربي والإسلامي.
وفي اعتقاد بابيه ان مشروع الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية قد يكون اختراعاً إسرائيلياً لإبقاء الضفة الغربية تحت سيطرة الدولة الإسرائيلية ومن دون تحقيق أي اندماج سياسي واجتماعي بين الشعبين الفلسطيني واليهودي، أي انه يهدف لإقامة «شبه دولة» في أجزاء من الضفة الغربية تظل تحت هيمنة إسرائيلية.
وفي مقابل ذلك يتخلى قادة فلسطين عن المطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم بالنسبة للقدس وجوارها والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية فيها (ص 141).
وفي خلاصة الكتاب يقول في الصفحة (146) ان على شعوب منطقة الشرق الأوسط ان تقرر مصيرها بنفسها وهناك ضرورة ماسة لأن تمنع المؤسسات الدولية هذه «الاستثنائية» التي تحظى بها إسرائيل حاليا وحظيت بها الحركة الصهيونية في الماضي بحجة ان أي ضغوط على إسرائيل والصهيونية تشكل عداء للسامية، فهذا المنطق غير صحيح تاريخيا كما يحاول بابيه إثباته في الكتاب وينجح.
بعد الحرب العالمية الثانية، يستنتج المؤلف، سمحت الدول التي انتصرت في تلك الحرب للصهيونية بالتحول إلى مشروع كولنيالي استعماري في وقت كان خلاله العالم الحر يرفض الكولنيالية. والحجة كانت مواجهة العنصرية والتطرف القومي والإثني ضد اليهود، ولكن ما حدث بعد ذلك كان ان العنصرية والتطرف القومي والاثني ازدادا وانتشرا بشكل أكبر في العالم بعد نشوء إسرائيل، وهو الآن منتشر ضد الإسلام والمسلمين فيما تمنى كثيرون انتهاء العنصرية بعد مآسي محارق الحرب العالمية الثانية والحروب الأخرى في العالم.
وبالتالي، هناك حاجة ماسة للتخلي عن مبدأ استخدام الخرافات كحقائق ووقائع تاريخية.
ففي الفصل الأول، يثبت بابيه ان فلسطين لم تكن أرضاً فارغة عندما أتى المهاجرون اليهود إليها في القرنين التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بل على العكس تواجد فيها شعب منذ قرون عديدة سابقة وقد تم سلب أرض هذا الشعب عام 1948 واستعمارها وفرض الاحتلال عليها، وبالتالي، فمن حق هذا الشعب مقاومة هذا الاستعمار بالشكل الذي يريد.
وهنا يجب طرح السؤال حول كيف يمكن استطلاع الشعب الفلسطيني الذي يقيم جزء كبير منه في أرض فلسطين وجزء ضخم أيضا خارجها عما يريده؟ فهل في الإمكان إجراء استفتاء في هذا المجال عن من يرغب في دولتين متجاورتين في فلسطين أو في إنشاء الدولة الفلسطينية ـ الإسرائيلية الموحدة الواحدة التي يتعايش أبناؤها في بوتقة واحدة؟
وهذا أمر ربما من الضروري القيام به بعد اتخاذ خطوات إحصائية علمية تجاهه قبل اصدار الأحكام المبرمة حول ما هو الخيار الصحيح. فالشعب يجب ان يقرر في النهاية ماذا يريد والأمر لا يعود فقط لمفكرين ومؤرخين عرب ويهود وأجانب مهما كانت صدقيتهم وحسن نواياهم.
الخرافة الثانية التي أثبت بابيه زيفها في الفصل الثاني من الكتاب هي ان اليهود كانوا شعباً من دون أرض، وأنهم جميعا كانوا متحمسين للمجيء إلى إسرائيل. فيقول ان القيادات الغربية «المسيحية» الأوروبية كانت متحمسة لمشروع دفع هجرة اليهود إلى فلسطين لأسباب سياسية كولنيالية ربما أكثر من اليهود. فالامبريالية البريطانية رغبت في نهاية القرن التاسع عشر في دعم السلطنة العثمانية ضد من اعتبرتهم أعداء لها، وان عرب فلسطين رحبوا في البداية بالمهاجرين اليهود، قبل ان يُدركوا ان وراء قدومهم المشروع الاستعماري. كما ان القيادة البريطانية في مطلع القرن العشرين أرادت إرضاء القيادتين الأمريكية والبلشفية الروسية (التي قضت على النظام القيصري) وقدمت بريطانيا وقودها (وبينهم وعد بلفور) إلى حد ما لإرضاء هاتين القيادتين ولكي لا يعارضان مصالحها. هذا بالإضافة إلى تعاطفها مع مشروع المسيحية الصهيونية، ولرغبة لندن في ترسيخ وجودها الاستعماري في فلسطين عبر الوجود الصهيوني. (ص22).
ويرفض بابيه في مختلف فصول الكتاب الفكرة القائلة ان «دولة إسرائيل، تمثل جميع يهود العالم» ويقدم البراهين والأدلة
على ذلك. ويعتبر في الصفحة (21) من الفصل الثاني ان الصهيونية مثلت أقلية بين يهود العالم قبل المشروع البريطاني الاستعماري والدعوة البريطانية لليهود في مطلع القرن العشرين.
ويقول في الفصل الثالث ان مجموعة «البونديست» بين يهود أوروبا اعتبرت في البداية ان ثيودور هيرتزل «دجال ومحتال» ورأت أن الصهيونية تُعرِض يهود العالم لموجات من العداء للسامية (ص 28) وان دعوات هيرتزل لإنشاء دولة صهيونية هي خطوات سيئة لليهود. وقد انتظرت مثل هذه المجموعات اليهودية حتى وفاة هيرتزل قبل القبول بالدخول في مشاريع مع بريطانيا الامبريالية لإنشاء دولة يهودية في فلسطين. وكانت القيادة اليهودية العالمية بعد هيرتزل قد أصبحت بيدي حاييم وايتزمان وأعوانه الذين قدموا خدمات للامبراطورية البريطانية في الحرب الأولى وحصلوا على وعود مقابلها.
ويتهم في هذا الفصل منظمة «غوش ايمونيم» الصهيونية بانها لعبت دورا أساسياً في دعوة يهود إسرائيل للمشاركة «كواجب ديني في استعمار الضفة الغربية وغزة بعد حرب 1967» (ص 29).
ويشير إلى ان هيرتزل استخدم التوراة والانجيل لتبرير ضرورة إنشاء الدولة اليهودية، ولكنه لم يحدد فلسطين كمكان لها وان هذا الموقف تغير بعد وفاته. ويعتبر بابيه ان المسيحيين الصهاينة في أوروبا هم الذين ركزوا على ان فلسطين هي أرض الميعاد لليهود، وكانوا يرغبون في إخلاء أوروبا من اليهود (قدر المستطاع) وقد استخدموا الانجيل للاحتلال الكولنيالي لفلسطين قبل وبعد تأسيس دولة إسرائيل. وقد استخدم موشيه دايان وييغال آلون المنطق نفسه لتثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة وغزة بعد حرب 1967. (ص 32 إلى 34).
كما يشير أيضاً إلى ان اغتيال اسحق رابين عام 1995 ربطه منفذو هذه العملية بواجب وارد في التوراة. كما ربطت الوزيرة الإسرائيلية (في المرحلة الحالية) ايليت شكيبد وجوب اغتيال المقاومين الفلسطينيين بالواجب الديني الوارد في الكتب المقدسة (ص 35 و36).
وفي الفصل الرابع يوضح بابيه ان الفلسطينيين ومنذ عام 1947 كانوا على استعداد للإقامة في وطن واحد مع اليهود، إلا أن الصهاينة وداعميهم فضلوا حل تقسيم البلد كما ورد في قرار الأمم المتحدة آنذاك (ص 46).
ويرفض بابيه في الفصل الخامس النظرية القائلة ان الفلسطينيين تخلوا عن منازلهم وممتلكاتهم في عامي 1947 و1948. كما يذكر واقعة هامة في الصفحة (54) من الفصل الخامس ان الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي حاول في عام 1960 (قبل اغتياله) ممارسة ضغوط على إسرائيل لإعادة الفلسطينيين الذين اضطروا إلى ترك منازلهم وممتلكاتهم عامي 47 و48 إثر قمع ووحشية العصابات الصهيونية آنذاك الساعية إلى تهجيرهم. ويؤكد المؤلف ان استخدام القوة من الصهاينة وليس أي إشارات من دولة عربية مجاورة، دفع الفلسطينيين للهجرة القسرية برغم ان بن غوريون حاول إثبات العكس (ص55).
كما ينبه الشعوب والقيادات العربية والفلسطينية إلى ان إسرائيل قد تعتمد في المفاوضات معهم على سياسية دفعهم للقبول بخيارات خاطئة وخطيرة بحجة أنها ستُعتمد فقط مرحلياً ثم تتبدل الأمور لاحقاً، ويحدث عكس ذلك، إذ اعتمدتهما سابقاً بعد حرب 1967 وفي مفاوضات أوسلو وما تلاها وقد تعتمدهما حاليا.

Ilan Pappe: «Ten Myths About Israel»
Verso, London 2017
192 pages

ايلان بابيه في «عشر خرافات حول إسرائيل»: الصهيونية مثلت أقلية بين يهود العالم قبل المشروع البريطاني الاستعماري

سمير ناصيف

اشترك في قائمتنا البريدية