المجر بين كارل شميت وجورج سوروس : أيديولوجيا المجتمع المفتوح

حجم الخط
0

تتخذ المناكفة بين رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان والملياردير الأمريكي من أصول مجرية جورج سوروس أبعاداً طريفة وكاشفة لكثير من جذور الصراع السياسي والأيديولوجي في عالمنا المعاصر. وهو الصراع الذي يراه البعض تناقضاً ببن الشعبوية والليبرالية. رغم ذلك توجد عناصر تشابه بين الرجلين، فكلاهما يملكان ذات الخلفية السياسية المعادية للشيوعية، وينسبان نفسيهما معنوياً لتراث الثورة المجرية ضد الهيمنة السوفيتية في الخمسينيات، ولعبا دوراً مهماً في تحقيق التغيير السياسي والاقتصادي، الذي حوّل المجر من بلد اشتراكي إلى دولة مزدهرة إلى حد ما ضمن الاتحاد الأوروبي. فضلاً عن هذا فقد سبق لأوربان الشاب في الثمانينيات أن طلب منحة من مؤسسة يملكها سوروس لتمويل أبحاثه عن «الديموقراطية الشعبية».
إلا أن أوربان يشن في السنين الأخيرة حملة «صليبية» للدفاع عن الهوية الثقافية والدينية للمجر في وجه نشاطات المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني التي يمولها سوروس، وصلت أوجها مع التضييق على «جامعة أوروبا الوسطى» التي تعتبر أهم «إنجازات» سوروس في البلاد، ومع حزمة القوانين التي صدرت مؤخراً حول سياسية اللجوء، التي سُمّيت بشكل كيدي «Stop Soros» (ايقاف سوروس). ما يُرجع إلى الإذهان تيمتين شديدتي الحضور في مثل هذا النوع من المواقف: التيمة الشهيرة لمعاداة السامية، والتي كانت سائدة بقوة في النصف الأول من القرن الماضي، حيث تقف القيم المسيحية في وجه رأس المال اليهودي؛ وتيمة الصراع بين «المجتمع العضوي» و«المجتمع المفتوح».
ربما تمتلك هاتان التيمتان بعض الأهمية من الناحية الأيديولوجية، ولكن التدقيق في حيثيات الصراع قد يظهر لنا أبعاداً أكثر تركيبا للمسألة.

جنة عشاق شميت

لا يمكن مماثلة الحكومة المجرية الحالية بشكل مبسط بغيرها من الحكومات والأحزاب «الشعبوية» في العالم، فهي تملك وضوحاً أيديولوجياً عالي المستوى، وخطاباً شديد التحديد والثقة. يرى أوروبان ومنظرو حزبه «فيديس» تعارضاً أساسياً بين الديموقراطية والليبرالية، فالأخيرة لديها أولويات يجب فرضها حتى لو تعارضت مع «الإرادة الشعبية»، تظهر بشكل خاص في القضايا الأكثر سخونة: الهوية القومية، اللاجئين، الإجهاض، حقوق المثليين..الخ، ما يؤدي إلى تفكيك «الجماعة العضوية» التي تقوم عليها الأمة وسياستها.
الليبرالية تعطي الأولوية للحقوقي على حساب السياسي، وترفع مجموعة من المبادئ العامة، وعلى رأسها الحريات الفردية، فوق الإرادة العامة للجماعة. فتضيّع التمييز الأساسي بين العدو والصديق الذي يشكل ماهية السياسي. قد يبدو هذا سرداً تقليدياً مبسطاً لأفكار الفيلسوف والفقيه القانوني الألماني الشهير كارل شميت، الذي كان في فترة من الفترات عضواً في الحزب النازي، إلا أنه في الواقع سرد للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها الدستور المجري الحالي.
في سعيه لإقامة «ديموقراطية غير ليبرالية» نجح أوربان ومحازبوه عام 2011 بإقرار أحد أكثر دساتير العالم إثارة للجدل، ينتصر للسياسي على حساب القانوني، ويعيد هندسة الأمة والمجتمع ليصبحا أكثر «عضوية»: المجر هي «المجر» فقط دون أية إضافة، وليست «جمهورية المجر» كما كان اسمها سابقاً، فهذا قد يكبل روح الأمة بتحديدات قانونية معاصرة. وعلى طريقة الدساتير العربية تم تحديد دين الدولة وهويتها القومية، ما يستبعد أية أقلية أو وجهات نظر أخرى في تحديد الذات الوطنية. قُلصت سلطات المحكمة الدستورية العليا وحرية القول والصحافة ومعظم الحريات الاجتماعية، وتم التركيز على احترام «ثقافة المجر». السيادة خارج القانون ولكنها مرتبطة به ومهيمنة عليه، في تجلٍّ دستوي لأفكار شميت يصعب إيجاد مثيل له.
أوربان معادٍ أيضاً لـ«رأس المال الدولي الكبير» ولـ»البنوك وجشع الشركات المتعدية الجنسية» و«بيروقراطيي بروكسل» الذين يريدون تدمير هيكل المجتمعات الأوروبية المسيحية، بما يقربه من خطابات بقية الشعبويين في أوروبا، ومن الدعاية النازية في الثلاثينيات من القرن الماضي، إلا أن منطقه الدستوري واتساقه الفكري يميزه عن الشعبويين، وعمله ضمن الإطار الأوروبي، قانونياً وسياسياً واقتصادياً، يشكل أحد أهم أسس تمايزه عن النازيين.

سيد «المجتمع المفتوح»

لـ»المحسن الكبير» جورج سورس، كما يُلقب أحياناً، تاريخ طويل كمضارب مالي وأحد أهم مهندسي السياسات النيوليبرالية في العالم، إلا أن اختزاله بهذا الجانب يظلمه كثيراً. فهو، دون أية سخرية، منظّر مهم لمبدأ «المجتمع المفتوح» الذي نجده لدى هنري برغسون وإشعيا برلين وكارل بوبر. من المفيد هنا إيراد ما ذكره الجغرافي البريطاني ديفيد هارفي بأن بوبر كان لفترة عضواً في جمعية «مونت بيليران» التي أسسها الفيلسوف النمساوي فريدرك فون هايك عام 1947، وتم فيها وضع الأساس النظري لليبرالية الجديدة.
لا يمكن اعتبار سوروس إذاً مجرد شرير إمبريالي أو متآمر يهودي على قيم الشعوب، فهو على ما يبدو يؤمن بقوة بما يفعله، وينفق بشكل معلن وبسخاء نادر على إمبراطورية ضخمة من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والتعليمية، بهدف دعم طوبى المجتمع العالمي المفتوح، الذي يتميز بحرياته الفردية وتعدديته الثقافية والانتقال الحر للأفكار والتكنولوجيات والأفراد عبر الحدود السياسية والثقافية. ومن الواضح أنه يخصص قسماً مهماً من نشاطه للمجر مسقط رأسه، إلى جانب إلى إسهاماته المهمة في تنظيم المعارضة ضد ترامب في أمريكا.
إلا أن الليبرالية الجديدة التي يدعمها سوروس تعاني كثيراً من المشاكل والتناقضات الداخلية، وإذا أزحنا النقد الشميتي لليبرالية عموماً جانباً، فإن أيديولوجيا المجتمع المفتوح تفشل في كثير من الأحيان بتحقيق ما تعد به.
الرخاء الاقتصادي وتحسن الأرقام التنموية تطيح به الأزمات الاقتصادية الدورية المتكررة وانفجار الفقاعات المالية، أما إسقاط الحدود وتحجيم الدولة الوطنية فقد أدى لحالة من عدم الاستقرار وفقدان الأمن المجتمعي، والأهم أنه يفرغ الديمــــوقراطــــية نفسها من مضمونها، فلا ديموقراطية دون متحــــد وطني محدد بحدود واضحة، يخلق هيئة ناخبة تتمتـــع بحقوق المواطنة وقادرة على فرض إرادتها الســــياسية.
الحريات الفردية تنتهي مع طغيان سياسات الهوية والهوس بالاختزال الثقافي لمنظورات الفردانية، وهو أمر يفرضه مبدأ التعددية الثقافية النيوليبرالي. أما فرض «مكافحة التمييز» بوصفه الوسيلة الوحيدة لتحقيق العدالة الاجتماعية فيخفي وراءه واقع التفاوت الاجتماعي والطبقي الذي يزداد حده، دعك من أن حرية التعبير باتت قيمة مرذولة في عصر «الصواب السياسي».
تقدس النيوليبرالية كل أشكال الحرية الفردية، ما عدا حرية الأفراد العاملين في التنظيم النقابي وإنشاء هيئات مقاومة لتسلط رأس المال على العمل، وقد قامت السياسات النيوليرالية تاريخيا على أساس تدمير النقابات وإخضاع أشكال التضامن السياسي للفئات الأفقر، باستخدام جهاز الدولة التي من المفترض أن تكون «لا تدخلية». ما يمكننا من تحديد الليبرالية الجديدة سياسياً بوصفها صيغة الهيمنة الأمثل للطبقات السائدة.
لهذه الأسباب قد يمكننا أن نتفهم أسباب النقمة «الشعبوية» على سوروس وفردوسه النيوليبرالي.

هل هم أعداء حقاً؟

قلنا إن نيوليبرالية سوروس هي صيغة سياسية لهيمنة الطبقات السائدة، وهو ما يبدو أن أوروبان يحاول حماية بلاده من تأثيراته، ولكنه بهندسته الاجتماعية لـ«الجماعة العضوية» يخلق فضاءً لهيمنة الفئات العليا في المجر، المستفيدة بشدة من العولمة والاتحاد الأوروبي، على بقية المواطنين، باسم الأمة وقيمها وثقافتها.
ظاهرة نشوء مجتمعات مغلقة متحوصلة على ذاتها في سياق العولمة مدروسة ومعروفة منذ أيام «الأغلبية الأخلاقية» التي قام عليها اليمين المسيحي الأمريكي، المكونة أساساً من فئات عاملة محافظة تم إفقارها، وكانت مع ذلك القاعدة الانتخابية للرئيس الأمريكي رونالد ريغن، عرّاب السياسات النيوليبرالية في الولايات المتحدة. إنها محاولة لضبط آثار العولمة عن طريق التمسك بالهوية والدين والقومية: إعمل بجد في النهار، أو أصبر على بطالتك، وصل بخشوع ليلاً لعل الله ينقذك من الشياطين التي تجتاح عالمك.
التمييز بين الصديق والعدو لم ينته في العالم المعولم، فهو أسلوب ممتاز للســـــيطرة الأفراد وإنتاج «لاهوت سياسي» يضمن القبــول الشعبي لأصعب السياسات الاقتصادية والاجتماعية، العدو هو النخب الليبرالية فقط، من ناشطين نسويين ومثليــين ومناهضين للعنصرية، وليس المنظومة العالمية التي تنتج هذه النخب وتُفقر البقية. على المستوى الثقافي لا يختلف أوروبان بالجوهر عن سوروس، فـ»المجتمع العضوي» يشترك مع «التعددية الثقافية» بمبدأ الجماعاتية الثقافوية: يتم اختزال الأفراد بمجموعة من الرموز الثقافية وتنميطهم بها، وتصبح هذه الرموز الصيغة الأساسية للضبط الاجتماعي، مبررةً انكشاف الأفراد أمام الهيمنة الطبقية مادامت هوياتهم مصانة.
عدا عن ذلك يقيد الدستور المجري الحريات العامة ومنها حرية الإضراب وتشكيل النقابات والتقاضي العمالي أمام المحاكم، وهو بذلك ينفذ عنصراً أساسياً من أي اجندة نيوليبرالية. هل سيتمكن أوروبان إذاً من إيقاف سوروس، أم أن ما سيحصل هو العكس؟ قد لا تكون الإجابة مهمة للدرجة التي نتصورها.

٭ كاتب سوري

المجر بين كارل شميت وجورج سوروس : أيديولوجيا المجتمع المفتوح

محمد سامي الكيال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية