الناقد اليمني أحمد ناجي النبهاني: صوت الرصاص أعلى من صوت المثقف وقيم الوفاء غابت داخل المعسكرات

حجم الخط
1

صنعاء ـ «القدس العربي» ـ من أحمد الأغبري: يبقى السؤال قائماً بحثاً عن القيم المدنية في الخطاب الثقافي في مواجهته لثقافة العنف والصراع التي باتت تتحكم في الخطابين السياسي والثقافي في اليمن، وهو ما تسبب بوصول هذا البلد إلى الاحتراب، كما تتسبب، حالياً، في تكريس تشوهات هذين الخطابين.
في الحوار مع الناقد اليمنيّ أحمد ناجي النبهاني نناقش ما صارت إليه علائق السياسي بالثقافي في هذا البلد في ظل النتائج الراهنة للحرب المستعرة في أرجائه. للنبهاني، وهو مسؤول سابق في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وأحد أصواته، عددٌ من الكتب النقدية والفكرية. هنا نص الحوار:

■ كيف تقرأ ما آلت إليه علاقة الثقافي بالثقافي في اليمن، خلال الحرب، انطلاقاً مما صارت إليه علاقة الثقافي بالسياسي؟
□ اعتقد إن هذه الحرب هي نتيجة لحالة الاختلاف الذي كان بين الثقافي والسياسي، فالسياسي عمل على إهمال البُعد الثقافي في المشكلة اليمنيّة خلال المرحلة الماضية، وبإهماله لهذا البُعد وصلتْ الأمور إلى ما وصلت إليه من حالات التعقيد والاحتراب وتمزّق وضياع الهُوية. السلطة السياسية كانت تنظر للثقافي بعين الريبة والتوجس، وفي المقابل كانت تقرّب إليها مَن لهم مصالح مادية ويقدمون لها ولاءات بلا حدود. وللأسف هي مشكلة ظلت تتكرس وصولاً إلى ما وصلت إليه البلاد من الحرب وما ينتج عن الحرب حالياً من تشوهات في العلائق عموماً. لقد استمر الواقع الفاسد في إفراز نُخبه التي تتنافى مع قيم الثقافة وكل ما هو أصيل للأسف، وهذه النُخب أصبحت، لاحقاً، نُخب حاكمة، وبالتالي أصبحت ترى أن خصومتها الحقيقية هي مع كل ما هو أصيل، ونتيجة لذلك صارت تستوعب الطارئ في الواقع، وتكرّس الهامش على حساب المتن، فكانت النتيجة ما نحن عليه اليوم من واقع ينزف ويئن من فرط الجراح.

الاقصاء والصدام

■ لقد تبين، خلال الحرب، أن ثقافة العنف والصراع هي الطاغية سواء في تفكير السياسي أو الثقافي، حيث لا نجد فرقاً واضحاً بين الخطابين في علاقة كل منهم بهذه الثقافة، وبخاصة على صعيد تكريس الإقصاء والصدام. في تقديرك ما الخلفيات التي تُسند شيوع وتكريس هذه الثقافة؟
□ شيوع ثقافة العنف والصراع ليست مشكلة يمنيّة، بل أراها مشكلة تعاني منها شعوب العالم الثالث، واليمن جزء من هذا العالم الرافض لظاهرة الاصطفاف مع الديمقراطية. حتى قبول النُخب، في هذه الشعوب، بالديمقراطية هو قبول تكتيكي في الأصل، لأنه لو كان هناك قبول أصيل لما احتاج الناس إلى الحرب، لأنهم كانوا سيحسمون خلافاتهم عبر صندوق الانتخابات. نعتقد أنه ينبغي على الناس أن يستوعبوا أننا نحتاج إلى قدرٍ من (الديمقراطية التوافقية)، وهو الدرس الذي استوعبته النُخب في تونس بشكل أفضل من غيرها. يجب أن نعي أن ما أدى لإجهاض ثورات الربيع العربي هو إهمال الغالبية لجزءٍ من خصوصية الواقع العربي الذي يقتضي قدراً من الديمقراطية التوافقية حتى يتهيأ الناس للانتقال إلى الديمقراطية بمفهومها الكبير. الذي حصل أنه تم الانقضاض على ثورات الربيع العربي التي قامت على أساس محاكمة الراهن وتكفيره وتخوينه، وبالتالي كانت الثورات المضادة التي قامت على نسق تكفيري نوعاً ما لمناهضة ثورات الربيع العربي، فقدما معاً نموذجاً واحداً. الواقع العربي يشكو، في الأصل، من سيطرة هذه الأحادية على الواقع سواء عند تلك التي رفعت راية الثورة والتغيير أو عند التي وقفت ضد الثورة وضد التغيير.
نحن نحتاج إلى قدرٍ من الديمقراطية التوافقية لكي نعبر من هذا الواقع، كما نحتاج إلى فكر خاص للتعامل مع هذه الإشكالات. أعتقد أن هذا وحده يجعلنا نقف عند عتبة الباب الأساسي للإجابة على سؤالك المتعلق بثقافة العنف والصراع، فالعنف هو في الغالب تعويض لجانب نفسي جراء العجز عن تحقيق الهدف عبر الصندوق الانتخابي، فيتم اللجوء إلى تحقيقه عبر غلبة القوة بمعانيها المختلفة، وأن تصل إلى هذا الحق بالقوة وتحاول أن تفرض سيادة العنف، وتستند لميزان القوة، فهذا معناه أن ميزان القوة الجماهيري، عن طريق الانتخابات، لا يخدمك في الأصل، ولتوفر القوة لديك تلجأ إليها لتفرد عضلاتك، فكانت النتيجة وخيمة، وهي ضياع الهُوية الوطنية في اليمن. كما تعيش مصر، اضطرابات، وتقريبا انهارت الدولة في ليبيا، ولعل التونسيون وحدهم مَن استطاعوا أن يعبروا هذا الأفق الضيق، والسبب أن قيادات ثورة الربيع العربي هناك كانت أكثر تفهماً لاستيعاب الآخر ضمن إطار الحد الأدنى، مع أنه هناك ملاحظات على هذا النموذج، لكنه يبـــقى أفضـــل النماذج من حيث القبول بالآخر في إطار الحــــد الأدنى تجاوزاً للعنف والصراع.

امتداد وظيفي

■ بعد أن حدثت الحرب في اليمن…هل مازالت علاقة السياسي بالثقافي مثلما كانت عليه قبل الحرب أم أنها تغيرت، ولصالح مَنْ؟
□ أصبح الثقافي، خلال الحرب مُبرِراً ومحلِلاً وملحَقاً بالسياسي بدرجة أكبر مما كان عليه قبل الحرب. لقد كان الثقافي يعاني، قبل الحرب، من نظرة (الريبة السياسية) عندما كان مستقلاً بقيمه الثقافية والفكرية، لكن الثقافي أصبح، الآن، جزءاً من امتدادات السياسي في المشهد الثقافي، فجماعات العنف العسكري صار لها موظفون داخل البُنية الثقافية، وأصبح الثقافي في إطار هذه العملية تابعاً لا قائداً.
وهنا تبرز مشكلة تبعية الثقافي للسياسي في الصراع الراهن على مستوى المحيط العربي، ونتيجة لهذا نجد خسائر المثقفين جراء هذه المأساة غير متوقعة بما فيها اليمن، فهنا نجد أمين عام اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين يعاني من انزلاق أربع فقرات في العمود الفقري، ولم يلتفت إليه أحد، حتى بيان لم يصدر من داخل اتحاد الأدباء يناشد السلطات، وكذلك عبدالعزيز شائف الذي أفنى ثمانية عقود في خدمة الإعلام والنضال السياسي، ها هو يمرض داخل بيته ولم نجد من يتطوع لزيارته، وكذلك أحمد قائد دهمش، وهو أحد مؤسسي قطاع الإعلام والثقافة في الدولة اليمنيّة يعاني ظرفاً صحياً بالغ الصعوبة. مشاكل هؤلاء الناس إنهم أعزاء فيتحملون كلفة باهظة من المعاناة بشرف ونبل.

■ أنت كمستقل تمثل صوتاً ضمن ظاهرة يمنيّة مطلبية حقوقية تضامنية ضد انتهاك الحقوق والحريات على مستوى اليمن. ألا تشعرون بالإحباط في خضم هذا الصراع بثقافته التي تتمدد وتحاصركم من جميع الاتجاهات؟
□ لا، بل نشعر بأمل كبير وباتساع حقوقي يتمدد يوماً بعد آخر في المجتمع. قد يعتبرك الكثير خصماً، لكن شرف القضية هنا مرتبط بانحيازك لجمال الحياة ومعاناة المجتمع ومظلومية الناس والحاجة الاجتماعية الملحة لمجتمع مدني ديمقراطي لا يُظلم فيه أحد. أعتقد أن هذه المسألة الأساسية التي يجب أن تكون موضوعنا جميعاً، وأن تكون محور نضالنا. هذا لا يعني أنه لا توجد ظواهر نبيلة داخل هذا الواقع ناتجة عن مرارة الحرب والحصار الذي يعيشه المثقف اليمني، فهناك حالة تضامن بين المثقفين اليمنيين تنمو وتتسع يوماً بعد آخر.

■ لكنها مازالت محدودة ومحصورة؟
□ لكنها تحقق نتائج. ونجحت نضالات مطلبية من أجل الافراج عن معتقلين سياسيين خرجوا من المعتقلات، نجحت نضالات من أجل أرض أتحاد الأدباء في عدن، وحققت نتائج على الرغم من وصول الفساد إلى القضاء، وقضايا أخرى. التأثير مازال بسيطاً، لكن تأثيره يتنامى بشكل لافت، وأنت ككاتب ومثقف ومتابع للحالة التضامنية التي نقودها يومياً في الدفاع عن المظلومين تجد أن مساحتها تتسع وبشكل يجبر الآخر على أن يقدم تنازلات.

■ لكن الحرب أثبتت أن المجتمع المدني الذي تشير إليه أضعف بكثير مما كان يتصوره المراقبون، بما في ذلك اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين؟
□ الحرب دمرت البلد والهُوية، ومن الجيد أن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين استطاع أن يحافظ على هُويته في هذا الواقع الممزق، في زمن انتهى فيه دور منظمات المجتمع المدني بشكل كبير. في مرحلة انتقلت فيها الشخصية الوطنية إلى مربعات المذهبية والطائفية والمناطقية. هناك أسس لهُوية حقيقية تتبلور للدفاع عن الحقوق المدنية والهُوية الحضارية للناس التواقة إلى مجتمع عادل ودولة تتسع لكل الناس. اتفق معك في أن الحرب قد عملت على تشويه كثير من الانساق والعلائق بما فيها العلاقات على مستوى الحلفاء، فغابت قيم الوفاء داخل المعسكرات. أما الصوت الثقافي الجميل فهو موجود، لكنه خفيض لأن صوت الحرب والرصاص أعلى بالتأكيد!

الناقد اليمني أحمد ناجي النبهاني: صوت الرصاص أعلى من صوت المثقف وقيم الوفاء غابت داخل المعسكرات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية