العقل وثقافة الإذعان

لا تنهض قوى العقل من فراغ، وإنما على قاعدة ما يوضع رهن إشارتها من اختيارات وإبدالات متعددة، تتيح لها إمكانية التعامل مع أكثر المقومات ملاءمة لانتظاراتها، ودون أن تُجبر على تبني اختيارات متاهيَّة، لأن عائق الإجبار هو أحد الأسباب المباشرة في تجريدها من حريتها، التي تستمد مشروعيتها هي أيضا، من ذلك التطابق الكبير القائم بينها وبين اختياراتها، باعتبار أن هذا التطابق هو الذي يؤشر على ممارسة العقل لحضوره الطبيعي، في مختلف الفضاءات الحيوية، التي يكون مطالبا بارتيادها.
وإذا جاز لنا اعتبار هذا الرأي – إلى حد ما – بمثابة قانون عام و قابل لأن يُعتمد في ضبط مستويات التوازن العقلي، لدى كافة الجغرافيات الثقافية والحضارية، فإننا سنصاب بإحباط كبير فور وضعه على محك الاختبار في العالم العربي حيث ستستشف، وبقليل من التأمل، أن الاختيارات التي تضعها النخب العربية نصب اهتمامها، غالبا ما تكون مشروطة بتلك العوائق المادية أو الرمزية، المؤدية إلى إجهاضها بالكامل، إما بسبب غيابها التام ،عن أولويات ومخططات الأنظمة الوصية، أو بسبب تجاوزها لقدراتها التنظيمية والتدبيرية فضلا عن احتمال تعارضها مع الثوابت الأخلاقية، المكرسة تحت يافطة القيم السائدة، وفي غمرة هذه الاشتراطات التي نعتبرها ردعية بامتياز تُجبر الذات على التنازل عن حريتها، كما تجبر على تكييف تطلعاتها كي تتطابق مع الاختبارات الزهيدة المفروضة عليها. وكنتيجة لذلك، تظل السلطة الأولى والأخيرة، بيد سياسة الأمر الواقع الموجهة بقيمها المتقادمة والمنفصلة تماما عن أسئلة اللحظة التاريخية والحضارية. وهي حقيقة لا تخُصُّ قطاعا دون آخر، بقدر ما تشمل جميع القطاعات الاقتصادية السياسية أو الثقافية حيث تُجبر الشرائح المجتمعية على هدر طاقتها في اهتمامات هامشية، تتناقض مع آفاق انتظارها، رضوخا لقانون الإذعان الذي يحُول دون اشتغال ملكاتها الفكرية والإنتاجية، بشكل تلقائي وعملي ما يؤدي إلى تحجيب آفاقها التي هي امتداد لآفاق العقل. وتبعا لذلك سيتبين لنا وبالملموس أن المنهجية المعتمدة في اجتثاث جذور العقل تعود إلى مخلفات العهود البائدة حيث دأبت غريزة البقاء في شكلها الخام والمتخلف على الإعلان عن حضورها القاتل بعيدا عن أية رقابة تحُدَّ من بدائيتها المتوحشة، كما لو أن العنف الذي يمارسه الأقوياء على محيطهم، هو المؤشر الوحيد على مصداقية وجودهم، وكما لو أن مضطهَدي المحيط ، لا يرون أي مانع من تقبل مختلف أنماط الأذى، بوصفها قدرا ليس لهم أن يفكروا في رده، وباعتبار أنهم وُجدوا أصلا، من أجل أن يكابدوا ويعانوا، كي يضمن الاستبداد حضوره واستمراريته بينهم. وبالتالي فإن غياب شروط بناء عقلٍ نقدي، وواع بوضعية الذات تجاه تسلط المستبدين، هو ما يفاقم من تجبرهم وغطرستهم، كما أنه يشحنهم بتوجُّس مضاعف، من احتمال ظهور بوادر عقلانية قد تفضح الأعطاب المُخِلة بحيوية المشهد العام. والملاحظ أن هذه البنيات البدائية تحتفظ باستمراريتها إلى الآن، من خلال تكييفها الماكر للقوانين المدنية، كي تستجيب إلى منهاجيتها المتربصة بكل ضوء يمكن أن يشع من فانوس العقل.
تلك هي الوضعية المزرية التي تجد معها الشعوب نفسها خارج المنجز الكوني، بالمفهوم التقني والعلمي والثقافي للكلمة، والذي تتشكل بموجبه القواسم الذهنية المشتركة القائمة بين الحضارات والثقافات المستقبلية، ضمن مشروع/ إطار، والذي يحول دون تعطيل قوى الظلام، لحركية العقل، واختزال أدواره في القيام بردود أفعال شبه غريزية، تجاه ما يداهَم به من انتكاسات، إذ في ظل الافتقار إلى مشروع عمل حضاري متكامل تظل العشوائية سيدة الموقف في جميع القطاعات، ولنا في التعليم الجامعي النموذج الأكثر تعبيرا عن هذه الوضعية الحرجة، حيث لا أحد يستطيع أن يدلنا على ذلك الجُرف العميق الذي تختفي فيه مئات الآلاف من خريجي الجامعات والمعاهد العليا ،المنتمية إلى القطاع الخاص أو العام، وبمختلف اختصاصاتها العلمية التي يُفترض فيها أن تكون حاضرة بقوة في الحياة العامة والخاصة، بسبب الغياب التام لمفهوم المشاريع المجتمعية، بالمفهوم الحداثي للكلمة، عن استراتيجية التأهيل المؤسساتي، التي تعتبر بالنسبة للدول المتقدمة مختبرات حقيقية لبلورة المشاريع الثقافية والعلمية، القابلة للتنفيذ، وأيضا، بوصفها مصدرا لمراكمة الاختيارات الأساسية، التي يستمد منها العقل جاهزيته للعمل، في قلب حركية زمنية، قوامها تعدد الإبدالات الكفيلة بوضع العقل في مجرى الصيرورة، المتميزة بتنوع وتفاعل اختصاصاتها، حيث لا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر، فالحاجة مثلا إلى التغيير الاقتصادي تقتضي مواكبتها بالتغيير الصناعي والتكنولوجي والثقافي، بما يساهم عمليا في إحداث تغييرات وتعديلات جوهرية، تشمل كل المنظومات المجتمعية التي تتشكل بها هوية الشعوب.
والغريب في الأمر أن كل المؤسسات التأهيلية المنتشرة من الماء إلى الماء، والتي كان من المؤمل أن تضع حدا لتناسل وهيمنة ما نسميه بـ «اللاشيء» قد أمست طرفا مباشرا في تهيئة فرص توالده، تسلله إلى أكثر الأمكنة عزلة ونأيا بحيث يمكن القول إن هذه المؤسسات المحسوبة على القطاع المعرفي هي بمثابة سند حقيقي لتفريخ اللاشيء و ترسيم واقع اللاعقل، كي يؤمن حضوره الشرعي في المشهد العام وهو أمر ليس بالغريب على الذاكرة التاريخية التي تنبهنا إلى أن الأصل في «التوازنات الكونية» هو حضور الأضداد، وحضور المفارقات الصارخة، والتي ربما بفضلها يحتفظ الكون بتوازنه، وطبعا، على حساب الشعوب المحكوم عليها بالبقاء تحت معدل أي تقدم محتمل.
والحال أننا لا نجد – هنا والآن- سوى «اللاشيء»، أي ذلك الظاهر الهش المبطن بمضاعفه، علما بأن هذا «اللاشيء»، لا يعني بالضرورة عدم وجود «شيء»، بقدر ما يفيد وجود خواء فاقد لمقومات وجوده، ومتوفر على كفاءة عالية الانتشار والتكاثر بدليل احتلاله للأمكنة ولأزمنتها، بدليل تسلله بطريقته العجائبية إلى الأجساد والأرواح والعقول والمشاعر. ومن المؤكد أن مثل هذه الظواهر التي تحيلنا على القشور الخارجية والبراقة التي يتشكل بها الإطار العام لحقائق العقول المعاقة، تحتاج إلى مقاربات جريئة ومعمقة، مستندة على مرجعيات مستنبطة من بنياتها، وذلك بالنظر لحضورها القوي في المشهد العربي، على ضوء ما يلاحَظ هناك في الضفة الأخرى، المتميزة بتوازناتها الثقافية والحضارية المضادة، والتي تشتغل مكوناتها بمنهاجية عقلانية داخل رقعة «المشترك» الذي يعتبر بحق، مقياسا موضوعيا للتعبير عن الحضور المكتمل والوازن للذات المجتمعية، كما هو فضاء مؤهل لتجريب حدود تفاعل واندماج الأسئلة الحضارية، التي تطرحها هذه الذات في خضم حركية الإيقاع العام.
وفي صلب الواقع العربي ومحتمله، الذي يبدو في الظرفية الحالية مؤجلا، تنتصب تلك المفارقة الفاصلة بين زمن يحظى بالانصهار المتبادل بين دينامية العقل الفردي، ودينامية العقل الجماعي، وبين زمن يستمتع فيه كل عقل بتكرار معزوفاته المنفردة، ومكتفيا بالطواف حول ظله، بعيدا عن أية رقعة فكرية أو نظرية مشتركة، تكون دليله إلى فضح عبثية هذا التطواف الذي يتداعى معه كل تصور ممكن للأمكنة والأزمنة، فلا يبقى ثمة، سوى شبح اللاشيء، متربصا بكل يد تغامر برفع الحجاب عما ينبغي التفكير فيه أو صرف النظر عنه.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

العقل وثقافة الإذعان

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية