إسطنبول ـ «القدس العربي»: على الرغم من أهمية المفاجآت الكثيرة التي حملتها أول حكومة تركية بموجب النظام الرئاسي الجديد التي أعلنها الرئيس رجب طيب أردوغان، مساء الاثنين، إلا أن الكواليس والحسابات التي رافقت إعلان هذه الحكومة، كشفت عن مؤشرات ورسائل أهم عن حسابات أردوغان للمرحلة المقبلة.
منصب نائب أو نواب الرئيس كان أكثر ما شغل الشارع التركي والنظام السياسي بشكل خاص، وبعد أسابيع من التكهنات والتوقعات والتسريبات، اكتفى أردوغان بتعيين نائب واحد فقط له، لم يرد اسمه إطلاقاً في أي من هذه التسريبات وبمعايير بعيدة جداً عن كل التوقعات السابقة.
نائب رئيس غير قيادي
من حيث العدد، كان من شبه المؤكد سابقاً أن أردوغان سيعين 2 أو 3 على الأقل في منصب نائب رئيس، وحتى أردوغان قال بنفسه سابقاً إنه سيعين نواب للرئيس بينهم امرأة، لكن ومع الإعلان الرسمي اكتفى أردوغان بتعيين نائب واحد فقط، في خطوة رأى فيها محللون محاولة من أردوغان لعدم تشتيت المهام في الطاقم المقرب منه وتماشياً مع رغبته في تقليل البيروقراطية في النظام الجديد، واعتبرها آخرون رغبة في عدم ظهور شخصيات جديدة ومنحها فرصة للصعود السياسي مقابل أردوغان.
وبتعيينه «فؤاد أوقطاي» نائباً للرئيس، نسف أردوغان كل التكهنات السابقة التي تحدثت عن إمكانية تعيين رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم الذي رشح لاحقاً لرئاسة البرلمان، أو حليفه زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشيلي، أو الاقتصادي محمد شيمشيك، وغيرها من الأسماء التي طرحت بقوة في الإعلام التركي طوال الأسابيع الماضية. وأوقطاي الذي بدأ بالإنابة عن أردوغان رسمياً، الثلاثاء، عقب سفر الأخير في أول جولة خارجية إلى أذربيجان وقبرص التركية، شخصية غير قيادية ولا تمتلك شعبية ولا يتمتع بمعرفة في الشارع التركي كون اسمه لم يكن يطرح في الإعلام طوال السنوات الماضية على الرغم من توليه العديد المناصب في الدولة، وهو ما فسر من قبل الكثير من المحللين السياسيين على أنها رغبة من أردوغان في تعيين شخصية لا تمتلك حضورا شعبيا أو شخصية قيادية لديها أطماع سياسية يمكن أن تتحول إلى منافس له لاحقاً.
وشبه البعض شخصية نائب الرئيس الجديد بالدور الذي قام به رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم الذي وعلى الرغم من توليه منصب رفيع إلا أنه نفذ رؤية أردوغان في كل الملفات بعيداً عن رغباته وطموحاته الشخصية، ودون وجود أي أطماع له في تجاوز الأخير.
ولد أوقطاي عام 1964 في ولاية يوزغات، درس إدارة الأعمال وأنهى الماجستير في هندسة التصنيع وإدارة الأعمال في إحدى الجامعات الأمريكية، قبل أن يحصل على الدكتوراه من الجامعة ذاتها لكن في مجال هندسة الصناعات وبات متخصصًا في مجال صناعة السيارات والطيران، وعقب سنوات من العمل الأكاديمي والإدارة في القطاع الخاص، انتقل للعمل في إدارة هيئة الكوارث التابعة للحكومة التركية، وصولاً للعمل كمستشار لرئيس الوزراء منذ عام 2016 وحتى تعيينه نائباً للرئيس.
والثلاثاء، حدد مرسوم رئاسي حمل رقم «1» حول الإدارة الرئاسية في النظام الجديد ونشرته الجريدة الرسمية مهام نائب الرئيس، وجاء في المرسوم أنه في حالة فراغ منصب الرئاسة بتركيا لأي سبب يتولى أكبر نواب الرئيس سنًا المنصب بالوكالة لحين انتخاب رئيس جديد للبلاد.
تعيينات الجيش
وفي خطوة مفاجئة أيضاً، عين أردوغان رئيس أركان الجيش خلوصي أكار في منصب وزير الدفاع في الحكومة الجديدة، ليكون بذلك أول وزير دفاع من المؤسسة العسكرية منذ أكثر من 40 عاماً، وذلك لاعتبارات عديدة متعلقة بمبادئ السلامة والثقة والحذر في التعامل مع التغييرات في المؤسسة العسكرية التي يتعامل معها أردوغان بحذر شديد منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في الخامس عشر من يونيو/تموز 2016. وعقب محاولة الانقلاب تعززت ثقة أردوغان بقائد الجيش بشكل كبير، وتتحدث وسائل إعلام تركية عن أن العلاقة بين أردوغان وأكار متقدمة جداً وأن الرئيس يثق بقائد الجيش الذي أدار عملية تطهير أنصار غولن من القوات المسلحة بشكل كبير، وهو ما جعل المراقبون يستبعدون لجوء أردوغان إلى تغييره.
لكن وبموجب التعديلات الجديدة والتي ألحقت رئاسة أركان الجيش التركي بمكتب الرئاسة ومنح صلاحيات أوسع لوزير الدفاع على حساب رئاسة الأركان فإن أردوغان فضل نقل أكار إلى الوزارة التي ستكون مكلفة بشكل كبير في دعم مشاريع الصناعات الدفاعية المحلية ومواجهة الضغوط الغربية على تركيا في هذا الإطار، وهي النقطة التي تعتبر من أبرز أولويات أردوغان في المرحلة المقبلة.
وما سهل على أردوغان هذا القرار، هو ثقته السابقة والقوية بقائد القوات البرية الفريق أول «ياشار غولر»، الذي عينه على الفور عبر مرسوم رئاسي رئيساً للأركان، وذلك عقب أقل من عام على تعيينه في قيادة القوات البرية وظهور تسريبات منذ ذلك الوقت بأن أردوغان يرغب في تعيينه رئيساً للأركان.
كما عين أردوغان بموجب الصلاحيات الجديدة التي منحه إياها النظام الرئاسي الفريق أول، أوميت دوندار، الرئيس الثاني للأركان العامة، قائدًا للقوات البرية، والفريق متين غوراق، رئيس أركان القوات البرية، رئيسًا ثانيًا للأركان العامة، وهي تعيينات قالت وسائل الإعلام إنها محسوبة بدقة من أردوغان الذي يتعامل بحذر شديد مع الجيش منذ محاولة الانقلاب الفاشلة.
وفي مرسوم رئاسي آخر صدر، الثلاثاء، قرر أردوغان إلحاق رئاستي أركان الجيش والاستخبارات برئاسة الجمهورية بشكل مباشر، وهي خطوة متوقعة وجرى الإعلان عنها سابقاً ضمن تركيبة النظام السياسي الجديد.
الوزارات الهامة
على الرغم من توجه الرئيس التركي المعلن سابقاً بأن تكون حكومته الجديدة جميعها من خارج البرلمان الذي منع أعضاؤه بموجب النظام الجديد من تولي الوزارات قبل الاستقالة وتأكيده بأنه سيختار حكومة من الخبراء «التكنوقراط» إلا أنه اضطر إلى اجتذاب 4 نواب من البرلمان لشغل أبرز 4 وزارات في الحكومة الجديدة.
حيث حافظ وزراء الداخلية «سليمان صويلو» والخارجية «مولود جاووش أوغلو» والعدل «عبد الحميد غول» على مناصبهم في الحكومة الجديدة، في حين جرى تعيين وزير الطاقة السابق بيرات البيرق وزيراً للمالية والخزانة، حيث سيضطر أربعتهم إلى الاستقالة من البرلمان وهو خيار لم يكن يفضله أردوغان لولا اضطراره على خسارة 4 مقاعد في البرلمان الذي لا يمتلك فيه العدالة والتنمية الأغلبية بمفرده.
وبينما كانت تنتظر الأسواق المالية الحكومة الجديدة بتفاؤل كبير وسط توقعات بحصول تحسن لافت لليرة التركية مقابل الدولار، حدثت ردت فعل سلبية مفاجئة هوت بالعملة التركية 2٪ قبل أن تعود للاستقرار تدريجياً، وذلك في ظل جدل كبير حول مدى قدرة وزير الخزانة والمالية وصهر أردوغان برات البيرق على إدارة الملف في الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
وعلى الرغم من غيابهم المفاجئ عن التشكيلة الجديدة للحكم في تركيا حتى الآن، توقعت مصادر تركية أن تشهد الأيام المقبلة تعيينات هامة ستشمل الناطق باسم الرئاسة إبراهيم قالين، وكبير الاقتصاديين الأتراك والوزير السابق محمد شيمشيك.