بعد توقف دام حوالي الثلاث سنوات تم الإعلان عن اتفاق دول الاتحاد الاوروبي وتركيا على بدء جولة جديدة من مفاوضات الانضمام في الخامس من شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم، حيث صرح ستيفان فول مفوض توسعة الاتحاد الاوروبي للصحافيين في بروكسل ‘بضرورة تسريع عملية التفاوض بين تركيا والاتحاد الاوروبي، من أجل تشجيع أنقرة على إجراء الإصلاحات الديمقراطية الضرورية’. وإذا كان الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي يعني بالضرورة الإيمان بالنموذج الاتحادي الاوروبي وفلسفته وأهدافه، وكذا منظومة القيم والمعايير الثقافية والحضارية لهذا الاتحاد، مع تبني نظمه وتشريعاته ومعاهداته في نظام تركيا القانوني، وما يستلزم ذلك من تطوير للبنيات الاقتصادية فيها، فإن المجهودات التي بذلتها أنقرة من أجل الاستجابة لوثيقة إطار المفاوضات، التي تم إقرارها في اجتماع لوكسمبورغ بتاريخ 2005، والتي تتضمن خمسة وثلاثين بندا تشمل جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية، لم تفلح سوى في إغلاق بند واحد فقط إلى حد الساعة، رغم مضي أزيد من ثماني سنوات على بدء المفاوضات بين تركيا والاتحاد الاوروبي، استجابة للقرار التاريخي الذي اتخذ في قمة بروكسل سنة 2004 . إن هذه المدة الطويلة من المفاوضات يؤشر الى صعوبتها وحجم العراقيل التاريخية والتشريعية والديموغرافية والدينية، التي تقف حجر عثرة أمام استكمالها، الشيء الذي حدا بتركيا في كثير من المناسبات إلى انتقاد هذا البطء الذي يراد به إفهام أنقرة أنها غير مرحب بها في ‘النادي المسيحي’، فرجب طيب اردغان سبق أن صرح في 30 تشرين الاول/أكتوبر 2012 من برلين، بأن الاتحاد الاوروبي سيخسر تركيا إذا لم يمنحها العضوية. كما أن الرئيس التركي عبد الله غل انتقد في 4 نيسان/أبريل 2013 الاتحاد الاوروبي، نظرا للإجراءات البطيئة المتعلقة بإعفاء مواطنيها من تأشيرة ولوج بلدان الاتحاد. والواقع أن تركيا باعتبارها دولة مسلمة يبلغ تعداد سكانها حوالي الثمانين مليون نسمة، إضافة للإرث التاريخي الثقيل الذي يرخي بسدوله على الضمير الجمعي الاوروبي، والذي كانت فيه تركيا على مدى التاريخ السابق أحد أبرز أعداء أوروبا، حيث ورثت من هذا التاريخ عدة مشاكل ما تزال تعرقل لحد الآن انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي. وهكذا كانت المشكلة الأرمينية والقبرصية أحد أهم القضايا التي يتحتم على الساسة في أنقرة تصفيتها، قبل أي قبول محتمل لها في الاتحاد المذكور، فالاعتراف بحصول إبادة جماعية للأرمن ما بين سنة 1915 و1917، زيادة على الاعتراف بقبرص اليونانية، التي أصبحت عضوا بالاتحاد الاوروبي في ايار/ مايو 2004 وتسوية مشكلتها، باتت من أهم العراقيل الموروثة عن الماضي الذي لازال يحكم نظرة الاوروبيين لتركيا. من جهة أخرى فإن سجل تركيا في حقوق الإنسان والحريات العامة ومدى استجابته للمعايير الاوروبية ما فتئ يثير قلق الاوروبيين، رغم سلسلة الإصلاحات التي عمل الأتراك على تطبيقها، فالتقرير السنوي للاتحاد الاوروبي حول تركيا لعام 2012 أبدى قلقا كبيرا حول وضعــية حقوق الإنسان، حيث أشار إلى التضييق الذي تمارسه تركيا على حرية التعبير والإعلام بالبلاد. كما أن المفوضية الاوروبية وعلى الرغم من ثنائها مؤخرا على الإصلاحات التي باشرتها تركيا، خصوصا على المستوى القضائي، وعلى مستوى سعيها لإيجاد حل سلمي للقضية الكردية، فإن هذه المفوضية قد انتقدت طريقة تعامل الأمن التركي مع الاحتجاجات التي عمت عدة مدن بالبلاد مؤخرا، خصوصا قمعها لاعتصام ميدان ‘تقسيم’ باسطنبول، لتبقى مشكلة الأقليات والقوميات في تركيا، خاصة المشكلة الكردية ومشكلة العلويين، الذين يمثلون حوالي ربع سكان البلاد، إضافة لأقليات أخرى من بينها الأقلية العربية، من بين الملفات التي يجب على تركيا العمل عليها بجدية إذا ما أرادت الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، الذي ما فتئ يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، من دون أن نغفل مطالبة الاتحاد الاوروبي لتركيا بالاعتراف بعالمية البطريركية الأرثوذوكسية في أسطنبول. إن موقع تركيا الجغرافي الاستراتيجي كحلقة وصل بين أوروبا وآسيا، خاصة الشرق الأوسط الغني بموارد الطاقة، وكسوق اقتصادي واعد، إضافة لدورها التاريخي منذ تأسيس الجمهورية الأولى على يد مصطفى كمال أتاتورك، كحصن متقدم لأوروبا في مواجهة مخاطر الشرق، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من حلف الشمال الأطلسي واعترافها بـ’إسرائيل’ منذ عام 1949، زيادة على المجهودات الكبيرة التي بذلها العلمانيون المتشبعون بالعقيدة الأتاتوركية لتغيير المعالم الثقافية والقيمية للبلاد، بالشكل الذي يفصلها عن عمقها الأصيل ويرمي بها في أحضان الثقافة الغربية الاوروبية، زيادة على الإمكانيات الكبيرة التي يمكن لتركيا أن تضيفها للاتحاد الاوروبي من ناحية صيرورته قوة اقتصادية وعسكرية كبرى مؤثرة في فضاء يمتد إلى حدود الشرق الأوسط ودول القوقاز وآسيا الوسطى، كل ذلك لم يشفع لتركيا لكي تنال رضى الاوروبيين، ليقبلوا بها عضوا في اتحادهم. فتركيا المسلمة بعدد ساكنتها الكبير الذي من شأنه أن يبتلع هوية الأمة الاوروبية، لا يمكن أن تصير عضوا في الاتحاد الاوروبي، على الرغم من كل المفاوضات ومهما قدمت تركيا من أجل هذا الهدف، خاصة أن أوروبا سنة 2020 ستصاب بالشيخوخة، حيث سيتخطى عدد المسنين فيها عدد الشباب، مما يعني عمليا تعويض النقص في اليد العاملة والساكنة الشابة بالعنصر التركي المسلم، الذين سيصيرون مواطنين اوروبيين كاملي الحقوق في حالة قبول عضوية دولتهم، وهذا ما يقض مضجع أوروبا، خاصة فرنسا وألمانيا أشد معارضي انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي. الملاحظة الأساسية في سياق الرغبة الجامحة لتركيا، لكي تصير عضوا في الاتحاد الاوروبي، هو أنه إذا كان هذا الإصرار من قبل النخبة العلمانية مفهوما جدا، حيث عمل هؤلاء منذ 1923 لتوجيه بوصلة تركيا نحو الغرب، فإن إصرار حزب العدالة والتنمية الموصوف بالإسلامي على هذا الانضمام، حيث تصاعدت هذه الرغبة بقوة لافتة، وتبلورت في شكل حزمة كبيرة من الإصلاحات والمبادرات، يظل أمرا غير مفهوم ويثير الكثير من التساؤلات، على الرغم من المصلحة الاقتصادية وتأثير ذلك على مفهوم المواطنة والحد من النعرات القومية والطائفية، التي يمكن أن يفسر بها هذا الإصرار. فالتنظير للعودة للعمق الاستراتيجي لتركيا قد يبدو متناقضا مع كل هذا الإلحاح من قبل حزب العدالة والتنمية، مما يضع أكثر من علامة استفهام على الوجهة والدور الحقيقي لهذا الحزب، خاصة مع انهيار سلسلة من شعاراته السلمية والتعاونية مع محيطه الأصيل، إبان ما سمي بالربيع العربي، الذي أبانت فيه أنقرة عن كثير من الانخراط في قضايا وأزمات الشرق الأوسط، التي كانت تنوي من خلال ذلك التدخل أن تحقق عدة أهداف، لعل أبرزها أن تتربع على زعامة الدول الإسلامية، مستحضرة في ذلك إرث الخلافة والماضي العثماني، وفي نفس الآن تعبيد الطريق أمام انضمامها إلى الاتحاد الاوروبي، بعد أن تتمكن من التأثير في مجريات الأمور في مجموع الدول الإسلامية، خاصة في مصر وسورية. إلا أن التطورات الدراماتيكية والعميقة للأحداث في الشرق الأوسط، خاصة التطورات الميدانية في سورية وسقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، زيادة على المشاكل الجمة للحركات الإخوانية في تونس وليبيا، زد على ذلك مسار التقارب الأمريكي-الإيراني، لم يسعفها في تحقيق هذه الأهداف، فلا هي أصبحت زعيمة للشرق الأوسط ولا هي حافظت على سياسة المحيط الإستراتيجي الذي طالما نظرت له حكومة العدالة والتنمية، ولا هي حققت شيئا على مستوى محاولات الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، الذي يبدو أنه غير راغب في دولة يمكن أن تهدد في العمق هويته الثقافية والدينية والحضارية، فـ’صاحب البطن الكبيرة، إما أن يلتهم كل شيء أو يترك كل شيء’، كما يقول المثل الأمازيغي.