سجن مفتوح

حجم الخط
0

‘ضعََُف الطالب والمطلوب’
قرآن كريم
‘يا دنيا ليه فارده لأبن العويل قلعين ؟’
مثل شعبي

سَرَى اللَّيْلٌ
ذبابة وقفت على جبهته، ثم تجولت وأخذت تنبش في الجلد قليلا، لتغرس مخالبها، وتمص الدم حتى أحست بالانتعاش، أغراها سكون النائم، بل تبلده بسبب جلده السميك، في تكرار غرس شوكتها في جلده حتى سكرت، فبدت تتقافز سعيدة بالمساحة العريضة الناعمة التي لا يشاركها أحد فيها، ثم نزلت من بين حاجبيه، ومرت على رمش عينه، وتجولت على خده واغراها انفراج شفته لتدخل ولتكتشف تلك المغارة المظلمة لعل في هذه المغارة كنزاً من العسل الشهي، والذى يصبح زادا لقبيلتنا – نحن الذباب- لمدة طويلة، مدة تجعل الأمر يستحق المغامرة، لكن الصوت الذي يخرج من هذا الكائن يجعلني قلقة ويسبب لي نوعاً من الريبة، وتساءلت الذبابة، هل هذا الصوت يخرجه هذا الكائن غضب؟ أم نوع من الموسيقى مثل التي نقوم- بها نحن معشر الذباب- لكي نستمتع بحياتنا؟، استنكرت وقالت هيء هيء، هل هذا الصوت القبيح مثل صوتنا نحن الذباب ؟، يبدو أنني جننت كي أقارن صوت الذباب الساحر، الذي لا يقارن بأي صوت في هذا الكون والذي يجعل للحياة قيمة بهذا الصوت لا ..لا يمكن، ثم توجست خيفة من هذا الصمت، نظرت إلى يديه الصيادة، وإلى عينه الماكرة، لعلها تنفرج فجأة وتضرب يده الباطشة اللعينة وتسحق الذبابة الطيبة، قرون الاستشعار نبهتها إلى أن هذا الكائن لم يثبت مرة واحدة أنه متعاطف معنا على الرغم من- أننا كائنات مكافحة ونستحق معاملة أفضل، ولكن المشكلة أننا لا نعرف لماذا يجعلوا منا أعداء؟ ويحاربوننا بكل الطرق المشروعة، وغير المشروعة، من سموم ومواد كيماوية هذه جريمة، هذا الكائن يستحق العقاب بسبب استخدام تلك الزجاجة القبيحة التي تستخدم في رشنا لتبيدنا، الشيء الفظيع أنهم يضعون صورتنا عليه وهذا جنون؟ مع أننا نحن فصيلة الذباب نعشق هذا الفصيلة الغريبة، ورددت: نحن كائنات صغيرة ولم نطلب من تلك الفصيلة سوى قليل من الدم وما الضير في ذلك؟ هذا الكائن النهم الذي يقتات على اللحوم والخضروات والأسماك ويفرز دماء غاية في النقاء، لأنه يهضم كل الكائنات الموجودة على كوكب الأرض داخل معدته الجبارة وما الذي يجري لو أخذنا نحن قبيلة الذباب قطرات قليلة من تلك الدماء. هذا الكائن أناني ومتمركز حول ذاته ويرى نفسه هو الكائن الأعلى والأكثر سمواً، وهنا كانت الذبابة تقف، على حافة الأنف، غرست مخالبها في الجلد ومررت خرطومها وبدأت تشرب في الدماء الساخنة، تلذذت بالدماء التي تخرج من هذا الكائن بالذات، أخذتها النشوة أكثر، فبدأت ترقص رقصات شيطانية، بذلت جهداً رهيبا، لكي تتعلمها من أسلافها كبار السن، ثم أخذت تتنقل برشاقة من مكانِ إلى آخر، على صفحة الوجه حتى انتبهت إلى كائن آخر. يقف على باب المحل ناظرا لصاحب المحل، فوجد الكائن الضخم نائماً يغط في نوم عميق، تلفت في حذر، ونادى بصوت خفيض، يا أستاذ .. يا أستاذ.
الذبابة الذكية شعرت بالريبة، وقد عرفت من ملاحظاتها، وتدوينها لهذه الملاحظات في جانب صغير من عقلها الكبير عن الكائن وقد تيقنت، أن الكائن سيقوم بسرقة صاحب المحل، ولكن كيف تلفت نظر صاحب المحل بسرعة، قبل أن يقوم الكائن ـ الخَّطاف- بسلت سلعة خفيفة الوزن وغالية الثمن، أو يدخل ويفتح الدرج ويلتقط مبيع اليوم ويدسه، في سيالته التي تشبه الخُرج الذي يوضع على الحمار، نادت، لم يرد، بل زاد صوته جئيراً
– أنت يا بهيم، اصح يا بغل، يا جاموس، اصح يا جبّلة،
فلم تجد حيلة لتنبيه الكائن، إلا بالدخول بسرعة الصاروخ إلى داخل أذنه، وأخذت تنادي عليه بصوت عالٍ .. تنبّه الكائن الضخم الذي يغط في نوم عميق، على صوت يأتيه من مكان بعيد جدا، انتبه وهو يضرب على أذنه فوجد الزبون يهم بالدخول للمحل.
– أي خدمة ؟
– علبة سجاير،
– تفضل ..
أخذ الزبون علبة السجائر وهو ينزل درجات سلم الدكان، التفت إلى البقال وقال:
خلي بالك من نفسك أولاد الحرام لم يتركوا لأولاد الحلال حاجة .. قوم اقفل وريَّح جسمك.
احتار البقال بين وجهه البريء الطهراني، وصوته الدفيء الحاني، وروحه الطيبة التي لا تؤتى، إلا لدرويش ترك الدنيا ورمى مخلة، على كتفة بها كسر عيش جاف، طالبا للحب الألهي، ناكراً دنيا شرموطة تحفل بكل ما هو زائف، وسلسلة الخطوات العملية، الذي تؤدي في النهاية لتقّدمه لسرقتي لولا النباهة الذي أتمتع بها وقرون الاستشعار الحساسة والتي تجعلني أشعر بكل دبة نمل في الدكان، أخذ يتأمل بهدوء في الوضع، ثم غفا مرة أخرى على الكرسي واخذ يصدر صوتاً رتيباً ومنتظماً كأنه تحت سطوة نوتة موسيقية، ومايسترو صارم، هذا الوضع بالنسبة للذبابة فرصة لكي تلعب مرة أخرى على الوجه، الذبابة بطبيعتها مخاطرة وتعتمد، في مخاطرتها على سرعتها وطبيعة جسمها المرنة، التي تجعلها تتحرك، في كل اتجاه، إضافة لقرون استشعارها الرهيبة التي لم تؤتى إلا لقليل من الكائنات، وهذا ما جعلها تعتز بجنسها، قررت أن تغامر وتدخل هذا الكهف اللعين، طريقة لتوقف هذا الصوت المزعج، تقترب من باب الكهف ثم تتراجع، وأخيراً انزلقت داخل الكهف، والصوت يزداد ازعاجاً فوضعت أجنحتها في مقابل أذنها لكي تصد الهدير، الذي يصيبها بالوحشة والخوف تقدمت في داخل الكهف حتى وجدت قناة تضيق شيئاًً فشيئاً، أخذت تسير حتى ضاقت القناة جداً وبدأت تجد صعوبة شديدة في التنفس، قهرت وعرفت أن قدرتها على اجتياز مراحل أكثر فيها هلاك لها، فعادت بسرعة شيطانية، ولأن المكان مظلم والصوت يعطل حواسها، فبدأت ترتبك وتضرب في الحلق، تدخل أماكن شديدة الحساسية، ثم تعود مرة أخرى تندفع في طريقً واسع، ثم تفاجئ بكون هذا الطريق مسدوداً، أصابها مس من الجنون اندفعت وكأنها كرةً بلياردو تتخبط، على حواف المصد الخشبي، وبالمصادفة البحتة وبدون أدنى عمل من قدراتها الداخلية، وجدت نفسها خارج أتون هذا الكهف الجهنمي، مذعورة تخرج من الدكان إلى حيث مبيتها اليومي، وصلت هناك جوار الحائط القديم، البعيد عن الكائنات الكريهة وجدت قبيلتها مكومة كومة ضخمة في ركن من أركانه، شعرت بالغبن وأن هذا المصير لا يليق بجنس متفوق وغنى غناء فادحاً مثل الذباب، اندست وسط الذباب وشعرت بالدفء، وأخذت تحلم حلمها الأبدي. كيف لهذه القبيلة أن توضع في مكانها الصحيح ؟ مكان يليق بفرادتها ومثابرتها، نامت وهي تحلم بجنة من الزهور والرياحين، تتنقل برشاقة من زهرة إلى أخرى تسحب بخرطومها الرحيق وتتلذذ، وهي مطمئنة دون قلق من وجود كائن بشريّ، ينغص علينا حياتنا نحن قبيلة الذباب
نفض البقال ‘وهذه صفته الذي ستلاحقه باقي عمرة’ كسله وقرر، أن لا جدوى من البقاء، في المحل أكثر من ذلك، فهذه البلدة تنام مثل الفراخ بدري، ولا يستحق مكسب علبة سجائر، أو دفتر مغربي أو اوتمان من ولد لاسع أو ضارب بانجو، وكثير ما ياخد الطلبات ويسير دون أن يدفع ثم إن أولاد القحبة يحرقون 50 جنيهاً في الليلة ويأتون إليّّ ليفاصلوا في علبة سجائر أو يطلبوا أي سلع بالأجل لطبيعتهم الشريرة، ويرون في استغلال أو استغفال أي إنسان نوعاً من الجدعنة والرجولة، ويجب كتابتها في سيرهم العطرة.
سحب المفتاح والقفل وخرج من المحل، نظر حوله لم يجد أحداً، شد الباب الصاج المزعج وشبك فيه القفل، وتك ..
أتقفل المحل وعكس المتصور بدلا من أن يدخل الآن البيت ويستغرق في نوم عميقً يطلبه جسد منهك، ولكن كانت الغفوة المفاجئة قد جعلته يفوق وينتعش قليلا، جلس على المصطبة ومدّد قدماً وأنصت للسكون الموحش، في الشارع الخالي ثم ابتسم ………….

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية