على واشنطن تعزيز وجودها لا الانسحاب من سوريا «فورين أفيرز»: انتصارات الأسد تعني مزيداً من الفوضى

حجم الخط
1

لندن – «القدس العربي» : هل انتصر الرئيس السوري بشار الأسد في الحرب الأهلية أم أن الحرب دخلت منعطفاً جديداً خطيراً؟ تجيب مديرة التخطيط الأمني بمعهد دراسات الحرب في واشنطن جينفر كافاريلا في مقال نشره موقع «فورين أفيرز» أن الجواب نعم. فسيطرة القوات الموالية للنظام على مدينة حلب، نهاية عام 2016 وتأمين العاصمة في عام 2018 والعملية الجارية لاستعادة السيطرة على درعا التي بدأت منها الانتفاضة والقنيطرة في الجنوب والتي غيرت مسار الحرب وأضعفت المعارضة المعتدلة وجعلت الكثير من المعلقين الدوليين يتكهنون بنهاية الحرب. وتقول كافاريلا أن التقدم الذي حققه النظام وإن بدا مثيراً للإعجاب على الخريطة إلا أنه لن ينهي الحرب. فالأسد أضعف مما كان عليه نظرا لاعتماده على الرعاة الأجانب مثل إيران وروسيا وتعب الدول التي عارضته مثل الأردن. وفتح قراره تدويل الحرب الباب أمام حروب مستقبلية فيما تهدد أساليبه الوحشية والقتل الجماعي بولادة حركة تمرد جهادية عالمية ستعمل على استمرار الحرب ولسنوات قادمة. وبناء عليه فالولايات المتحدة مطالبة بالاعتراف بأن انتصار الأسد لن يقود لنصر نظيف وحكومة مستقرة قدر ما سيؤدي إلى الفوضى. ولتجنب هذا الوضع فعلى الولايات المتحدة الاستثمار في بناء أوراق نفوذ لدعم قرارات حاسمة في المستقبل مثل تقوية الحلفاء عسكرياً وتحسين طرق الحكم لديهم واستعادة ثقة السكان المتمردين وإنشاء قوة معارضة وحرمان الأسد من الشرعية الدولية التي يتطلع إليها. ولا يزال بيد الولايات المتحدة الخيارات التي يمكن من خلال تقييد الأسد وداعميه وكل ما تريده هو العزيمة لاستخدامها.

انتصارات

وتشرح كارفيلا أن الانتصارات التي حققها الأسد في المراحل الأخيرة من الحرب السورية جاءت بسبب اعتماده الشديد على داعميه الروس والإيرانيين الذين وفروا له عشرات الألوف من المقاتلين على الأرض والغطاء الجوي والدعم المالي وفي حالة روسيا الغطاء الدبلوماسي والتي كان النظام سينهار بدونها. وأدت هذه التدخلات العسكرية والدبلوماسية لاستقرار نظام الأسد ولكنها في الوقت نفسه أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط بطريقة ستقود لمزيد من عدم الاستقرار. وتقول إن إيران وروسيا ستستخدمان سوريا كنقطة انطلاق لعملياتهما الدولية، وهناك أدلة تظهر أن روسيا بدأت تستخدم قواعدها العسكرية في سوريا لدعم عملياتها في جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان. كما أن قدرة الرئيس فلاديمير بوتين على نشر القوة من سوريا تساعد في جهوده على إضعاف حلف الناتو وتقويض النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بشكل يسمح له باستغلال التباينات بين الولايات المتحدة وحلفائها. أما إيران فقد أنشأت قواعد عسكرية وميليشيات وكيلة لها في سوريا لفتح جبهة ثانية في الحرب ضد إسرائيل. ولن تتسامح إسرائيل مع هذا وقد تقوم بعملية برية في جنوب سوريا لمنعها.

إفراغ المناطق

وهناك مشكلة أخرى تظل محفزاً على الفوضى وهي سياسة الأسد إفراغ التجمعات السكانية التي وقعت تحت سيطرة المقاتلين وتؤثر بالضرورة على استقرار دول الجوار وتطيل من أمد الحرب. ويقف الأردن على حافة الإنهيار بسبب عدم قدرته على استيعاب الأعداد الكبيرة من اللاجئين وأغلق حدوده أمام 59.000 لاجئ سوري فروا من العملية الأخيرة للأسد منتصف عام 2018. وقد تجبر هذه التجمعات على العيش في ظل النظام الذي ثارت ضده بشكل يخلق مناخاً للإرهابيين كي يستغلوا الوضع. وكان تدفق اللاجئين السوريين عاملاً محفزاً للتصعيد التركي، فالاجتياح الذي قامت به القوات التركية عام 2016 في شمال سوريا كان هدفه المعلن هو وقف تقدم القوات الكردية بالإضافة لتخفيف الضغط من اللاجئين بالقوة. وتقوم تركيا بإعادة توطين اللاجئين في شمال سوريا وبإنشاء قوة وكيلة لحكمهم.
ومن هنا فالاحتفاظ بقوات وسكان معادين فان الحرب لن تتوقف. ورغم دعم أنقرة لقوات معارضة سورية إلا أنها وعلى المدى القصير تصطف وبراغماتياً مع النظام السوري المعارض لقوات سوريا الديمقراطية، الشريك الرئيس للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة. والسبب هو علاقة وحدات حماية الشعب بجماعات التمرد الكردية في داخل تركيا. وتهدد العمليات الإنتقامية التي يفكر بها أكراد سوريا وتركيا ضد الدولة التركية بنقل الحرب إلى الساحة الإقليمية. وفي الوقت الذي حاولت فيه الولايات المتحدة التفاهم مع تركيا وتخفيف التوتر إلا أنها لم تقم بالخطوات الكافية لإصلاح قوات سوريا الديمقراطية وتقوية العامل العربي فيها وتقييد الكردية منها بطريقة تسمح لتسوية شاملة. وبعد انتصاره الإنتخابي الأخير بات الرئيس رجب طيب أردوغان أكثر اعتماداً على القوميين الأتراك الذين قد يدفعونه للتصعيد. لكل هذا فانسحاب الولايات المتحدة التي تحتفظ اليوم بـ 2.000 جندي أمريكي قد يخلق فراغا يمكن أن تستغله كل القوى الداعية للحرب، الأسد وداعموه وتركيا والجماعات الجهادية مثل القاعدة وتنظيم «الدولة» وكلها تأمل بالسيطرة على المناطق التي طردت الولايات المتحدة وشريكتها قوات سوريا الديمقراطية منها تنظيم الدولة.

«القاعدة»

وبالإضافة للعبة الشطرنج الجيوسياسية التي تدار في شرق سوريا فالمنطقة تعتبر قاعدة محتملة لتنظيم الدولة والقاعدة العائدين. ومن المحتمل احتفاظ تنظيم القاعدة الذي كان ينشط في شرقي سوريا قبل ظهور تنظيم الدولة عام 2014 بشبكات له في المنطقة. أما تنظيم الدولة فقد انهكته الضربات العسكرية لكنه لم يختف أبداً. ويحتفظ بخلايا نائمة بجيوبه المنتشرة في داخل البلاد ويستخدمها لتنفيذ هجمات ضد النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية. ونفذ في 22 تموز (يونيو) هجوماً على عاصمته السابقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية الان مظهرًا قدرته على الانتقام وإحداث الأضرار.
وعليه فانتصارات الأسد لن توقف التمرد الجهادي، خاصة ان الأسد كان عاملاً مغذياً في التمرد بسبب أساليبه القاسية، من استخدام السلاح الكيميائي إلى القتل الجماعي والتجويع والتعذيب التي وإن كسر إرادة مجتمعات المعارضة لكنها قوت من عزيمة عشرات الآلاف من الجهاديين الذين سيواصلون شن حرب ضده لعقود قادمة. ومن المتوقع قيادة تنظيم القاعدة التمرد، فقوتها الأكثر كفاءة من بين جماعات المعارضة واستطاعت عملياتها الإنتحارية خرق دفاعات النظام السوري أكثر من أي جماعة أخرى وفي الوقت الذي تعزز فيه الجماعة قوتها السورية فإنها تقوم بتجنيد الجهاديين الأجانب لشن هجمات عالمية.
وتتركز القاعدة في شمال غربي سوريا وبعض المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في الجنوب ومن المتوقع احتفاظها بشبكات داخل مناطق النظام. وأظهرت الهجمات ضد النظام في محافظات حلب وحمص وحماة واللاذقية خلال عام 2017 وبدايات عام 2018 قدرة القاعدة على اختراق المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. وقد تحدث هجمات في دمشق وجنوب سوريا بعد المكاسب التي حققها النظام هذا العام. وتسمح تركيا لجماعات مرتبطة بالجهاديين بالعمل داخل المناطق الواقعة تحت سيطرتها وتتجاهل مشروع القاعدة في إدلب. ومن هنا فمستقبل يعيد فيه الأسد السيطرة على مناطق سوريا ويمنع التهديد الجهادي يظل وهماً. فقد كان الأسد مسؤولاً عن صعود الجهاديين- القاعدة وتنظيم الدولة- لإجبار الغرب على دعمه في الحرب «ضد الإرهاب» وقتل الجهة التي كانت تريد تسوية سلمية معه وهي المعارضة المعتدلة. وعليه فحملته الحالية في الجنوب السوري التي تسيطر عليها جماعات دعمتها في السابق الولايات المتحدة ستقضي على آخر منطقة للمقاومة المعتدلة وتمحو خيارات الغرب وتجميد العملية الدبلوماسية الدولية والقضاء على المعارضة المستعدة للتفاوض. وعليه فهزيمة هذه لن تكون انتصاراً للاسد بقدر ما ستفتح المجال أمام جماعات القاعدة لإعادة تعريف القتال في سوريا من انتفاضة ديمقراطية إلى جهاد عالمي.

إرادة التحرك

كيف سيكون رد الولايات المتحدة على هذا؟ الجواب أن الخيار الأفضل لها هو إنشاء جماعات معتدلة مستعدة للحفاظ على البلاد من خلال تسوية. خاصة أن انتصارات الاسد لم تؤد لدعم مجتمعات المعارضة له. ولكن غياب الإرادة والالتزام هي أهم عقبة أمام بناء قوة معارضة. وقد فشلت محاولات الولايات المتحدة السابقة لبناء قوى المعارضة لمنعهم من قتال الأسد. وعليه فجهود لإعادة بناء قوة معارضة بدون شروط على عملها ستؤدي إلى تغيير مسار الحرب. وعليها إنقاذ العناصر من الجماعات المعتدلة مثل الجيش الأول والمستعدة لقتال الأسد. وقد اضطرت هذه الجماعات للاستسلام للنظام بعد تعرضها لضغوط شديدة.
وربما اختار البعض الانتقال للمناطق الخاضة لسيطرة تركيا فيما سينضم الذين يختارون البقاء إلى الجماعات الجهادية باعتبارها الخيار الوحيد لاستمرار المقاومة، لكل هذا يجب على الولايات المتحدة منح هؤلاء بديلاً آخر. وعلى واشنطن التحرك سريعاً قبل أن يسقط الجنوب بيد النظام وداعميه. وحتى لو حدث فلديها خيارات أخرى، فيمكنها استخدام قوات سوريا الديمقراطية ضد الأسد وداعميه وإعادة بناء قدرات المعارضة مع مرور الوقت. وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية على مصادر النفط التي يجب مواصلة حرمان النظام منها. لكن حلفاء الولايات المتحدة الأكراد لديهم مشكلة وهي تطبيقهم نظاماً قمعياً يمنع المعارضة السياسية في مناطقهم. بالإضافة لقلة المصادرالمتوفرة لديهم لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم. ولو سمح لقوات سوريا الديمقراطية بمواصلة نهجها وسوء الإدارة فإنها ستغذي مشاعر معادية يمكن للقاعدة وتنظيم الدولة استغلالها. لكل هذا يجب على واشنطن تكريس مصادر تعمل على تحويل قوات سوريا الديمقراطية لحكومة فاعلة وقوة عسكرية.
ويجب أن تشرط واشنطن المساعدات لقوات سوريا الديمقراطية بالحكم الجيد وتقوم باتخاذ الخطوات المناسبة لمحاسبة الجماعة من خلال نشر مراقبي حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية وتفتيش مخيمات النازحين والسجون والسماح للسكان التقدم بشكاوى ضدهم إلى الولايات المتحدة مباشرة.
وتحتاج هذه لبناء الثقة بين السوريين عبر إصلاح قوات سوريا الديمقراطية والاستثمار في استقرار المناطق الخاضعة لتنظيم الدولة ومساعدة اللاجئين والنازحين العودة للمناطق التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية. وعلى الولايات المتحدة الإعتراف بفشل العملية الدبلوماسية الدولية والخروج منها.
وبهذه الطريقة تقوم بمنع روسيا من اختطاف العملية السلمية عبر احتقار العملية التي تشرف عليها الأمم المتحدة وتنظيم عملية في سوتشي وبناء خطوات ثقة مع جماعات المعارضة.
وتحتاج الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاقية مع تركيا لإنهاء المواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية وجعل أنقرة تقف مع الصف المعادي للنظام السوري وداعميه. وقد تشتمل الصفقة على تنازلات تسمح للقوات التي تدعمها أنقرة المساعدة في تأمين وإدارة المناطق ذات الغالبية العربية في شرق سوريا والخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. كل ما سبق تقول كارفيلا، لن ينهي الحرب السورية أو يجبر الأسد على التفاوض ولكنها خطوات تمنح أمريكا النفوذ للانخراط في سوريا بعد النصر الإسمي ضد تنظيم الدولة.

«نيويوركر»: هل أصبحت سياسة التجويع حرب المستقبل؟

كتبت جين فيرغسون الصحافية الامريكية مقالاً في مجلة «نيويوركر» عن الكارثة الإنسانية في اليمن متسائلة إن كانت المجاعات التي يصنعها البشر هي صورة عن حروب المستقبل. وبدأت مقاربتها من عنبر فقر التغذية في مستشفى السبعين في العاصمة اليمنية صنعاء والتي قالت إنه هادئ حتى عندما كان مزدحماً بالمرضى، فالآباء يتحدثون همساً والأطفال ضعاف لا يستطيعون الكلام. وفي قاعة مطلية بالزهري جلست أم اسمها سلامي أحمد متربعة على سرير واضعة ابنتها البالغة من العمر 10 أشهر في حضنها. وبدت كل أضلاع البنت بارزة من تحت جلدها فيما بدت عيناها مفتوحتين تحدق بوجه نحيل. وقالت الام إن زوجها كان يعمل إسكافياً ولكن العمل كان ضعيفاً «في بعض الأيام كان يأتي ومعه 400 ريال وفي أيام أخرى 500 ريال» وهو مبلغ يتراوح ما بين دولار إلى خمسة دولارات. مع أنه كان يأتي في بعض الأحيان بدون ريالات نظراً لعدم توفر العمل «كنا نشتري السكر والشاي وأشياء أخرى قبل الحرب أما الآن فلا شيء».

«من فقراء إلى معدمين»

وأضافت أنه «عندما اندلعت الحرب كنا فقراء اما اليوم فنحن معدمون» وفي الغرفة في آخر القاعة وقف محمد حاتم عند ابنته التي تعاني أيضاً من فقر التغذية. وبدا جسدها أصغر من عمرها. وقال حاتم «يحدث في كل مكان في اليمن» و»كانت الأسعار عالية قبل الحرب ومنذ اندلاعها ارتفعت أضعافاً مضاعفة. وفي قريته التي تبعد ساعات بالسيارة يقول إن هناك حالات عدة من سوء التغذية وقلة من القرويين لديهم القدرة المادية لدفع أجر السيارة ونقل أبنائهم إلى المستشفى.
وبالنسبة للكثير فأسعار الوقود العالية تجعل من الرحلة القصيرة بالحافلة أمراً متعذراً. وأدت الحرب التي تقودها السعودية هنا وتدعمها الولايات المتحدة لزيادة أسعار الطعام وغاز الطبخ والوقود إلا أن اختفاء فرص العمل هي التي جعلت ثمانية ملايين يمني يعيشون على حافة الجوع وحولت اليمن إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم. ورغم وصول المواد الغذائية الكافية للموانئ إلا أن البطالة الكبيرة تعني كفاح ثلثي السكان للبحث عن وسائل وتوفير الطعام لعائلاتهم. وبهذا المعنى فالجوع في اليمن هو من صناعة الإنسان ولم يتسبب به لا جفاف أو آفات زراعية. وكان العامل الأكبر فيها هو الحرب التي شنها التحالف الذي تقوده السعودية عام 2015 ضد المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران. واستطاع التحالف في البداية وقف تقدم الحوثيين إلا أن جهودهم فشلت في إخراج الحوثيين الذين لا يزالون يسيطرون على مناطق واسعة من البلاد بما فيها العاصمة صنعاء. وفرض حصار على مناطق المتمردين الذين تقوم بمراقبتهم السعودية حيث يتم تعريض كل المواد الغذائية والبضائع الأخرى المستوردة لتفتيش تقوم به الأمم المتحدة أو موافقة من دول التحالف السعودي بشكل زاد من الأسعار.
ودمرت الغارات الجوية البنى التحتية والتجارة في مناطق المتمردين. ومارس التحالف الذي يسيطر على الأجواء اليمنية عملية تعتيم كاملة ومنع الصحافيين ومراقبي حقوق الإنسان ومنذ عامين من الوصول إلى مناطق المعارضة من خلال طائرات الإغاثة التابعة للامم المتحدة.
وتقول فيرغسون أنها استطاعت في حزيران (يونيو) الوصول إلى العاصمة اليمنية عبر المناطق التابعة للتحالف حيث ارتدت الزي اليمني وغطت وجهها. وفي أثناء وجودها بالعاصمة شن التحالف الذي تقوده السعودية في 13 حزيران (يونيو) هجوماً على ميناء الحديدة الحيوي.
وكشف الهجوم عن الآثار الإنسانية البعيدة بسبب ما تركته الحرب من آثار سلبية على الإقتصاد. ويستورد اليمن أكثر من 80% من المواد الغذائية ولا يوجد أي ميناء في مناطق المتمردين لديه القدرة الاستيعابية مثل الحديدة بالإضافة لكونه هدية استراتيجية لمن يسيطر عليه.
وكان مصدر دخل للمتمردين من رسوم الرسو وتنزيل البضائع. ولو سيطر السعوديون على الميناء فسيحسن موقعهم في أي مفاوضات للتسوية. ورفضوا والحالة هذه الإستماع للمناشدات التي طالبتهم بوقف الهجوم على الميناء لما سيتركه توقف العمليات فيه من أثر على أسعار المواد الغذائية في مناطق الحوثيين.

«التجويع الجماعي»

وقال فرانك ماكنوس، مدير لجنة الإنقاذ الدولية في نيويورك «يمكنني القول إنه لو تم إغلاق الميناء لأسبوعين فسنرى الأثر في الشوارع». وطرحت جماعات حقوق الإنسان أسئلة حول قانونية الهجوم على الحديدة وكذا الحصار الذي تفرضه السعودية والغارات الجوية والتي أدت لخلق حالة من الجوع الواسع. ويقول أليكس دي وال مؤلف « التجويع الجماعي» والذي حلل فيه المجاعات التي تسبب بها البشر إن هناك حرباً اقتصادية تشن في اليمن. مضيفاً أن التركيز على الإمدادات الغذائية والتصرفات الإنسانية عادة ما تتجاوز نقطة مهمة وهي أن حرباً اقتصادية تنتج مجاعة».
وتشير فيرغسون الى أن شن حرب اقتصادية تعد في القانون الدولي منطقة رمادية أكثر من استخدام أسلوب «الجوع أو الركوع». فالقانون لا يغطي وقف النشاطات الضرورية لتوفير الطعام وكذا إغلاق المحال التجارية. ويقول دي وال «هذا هو مكمن الضعف في القانون».
وأضاف وال الذي يدير مؤسسة السلام العالمي «لا تقتل غارات التحالف المدنيين وبأعداد كبيرة فحسب ولكنها تدمر السوق وهذا يقتل أعداداً أكبر من الناس». وتشير الكاتبة إلى أن آخر المجاعات التي صنعها البشر كانت في جنوب السودان حيث استخدم الطعام كسلاح لمنع المدنيين الذين ينتمون لقبائل معينة من العودة إلى بيوتهم عبر سلاح الترويع والتجويع. وفي محور المجاعة الرئيسي تحدث السكان الجوعى عن عمليات قتل واغتصاب قام بها الجنود. وتم إجبار الالاف إلى المستنقعات وتجويع الآخرين وإغراقهم وقام المسلحون بحرق الأسواق وسرقوا الطعام وقتلوا المدنيين. وفي سوريا كانت صور الأطفال الجوعى في الغوطة الشرقية نهاية العام الماضي آخر الأدلة عن استخدام نظام بشار الأسد سلاح التجويع.
وقام النظام وبدعم من الروس والإيرانيين بمحاصرة جيوب المعارضة وتجويعها حتى تستسلم. وفي اليمن لا يوجد دليل على قيام أطراف الحرب بمنع الطعام عن المدنيين لكن الحرب تحرمهم من فرصة العمل والحصول على ما يكفي لإطعام عائلاتهم.
ولا يعاني اليمن من أزمة نقض في الطعام ولكن أزمة اقتصادية ضخمة. والحالة اليمنية تقع في قلب الجدال القانوني بشأن الحروب الإقتصادية وهي النية. ويمكن للقادة العسكريين والسياسيين الزعم أن لا نية لهم لتجويع السكان وحرمانهم من الطعام وان نقص المواد هي أثر جانبي لحرب لا يتحملون مسؤوليتها القانونية. ومع ذلك يرى محامون في مجال حقوق الإنسان ان هناك حالة يمكن تعميمها على المشاركين في الحرب الاقتصادية باليمن، فكلهم يعي الآثار الإنسانية لأفعالهم ورفضهم تعديلها.

«من الإهمال إلى التهور»

ويقول وين جورداش مدير مؤسسة «غلوبال رايتس كومليانس» «لو انتقلت من الإهمال إلى التهور وواصلت تهورك وبمعرفة آثاره الإنسانية على المدنيين فسيجد القاضي قصداً من جانبك». ويمكن ان تتسع المسؤولية لواشنطن التي قدمت في عهد باراك أوباما الدعم الأمني والوقود للتحالف الذي تقوده السعودية وباعت إدارة دونالد ترامب السلاح للسعودية والإمارات. وتقول منظمات حقوق إنسان ان النية يمكن إثباتها في بعض الغارات التي قامت بها السعودية وأنها خرقت ميثاق جنيف لأنها تمنع اليمنيين من الحصول على الطعام. واستهدف الطيران السعودي قوارب الصيد على الشواطئ الواقعة تحت سيطرة المتمردين تحت ذريعة استخدامها لتهريب السلاح للحوثيين.
وتم تدمير أكثر من مئتي قارب صيد ويعاني مجتمع الصيادين من الجوع وفقر التغذية. ودك الطيران السعودي صعدة مركز الحوثيين واستهدف الهاربين من المنطقة بالقرب من الحدود السعودية ومخيماتهم المؤقتة.
وتقول مارثا ماندي، استاذة الأنثروبولوجيا المتقاعدة من مدرسة لندن للاقتصاد إن تحليل مواقع الغارات خلال الحرب يكشف عن القصد في ضرب بعض الأهداف «لو نظر الواحد إلى المناطق التي يقولون إن الحوثيين أقوياء فيها، خاصة صعدة، عندها يمكن القول أنهم يريدون وقف الحياة الريفية وهذا يشبه سياسة الأرض المحروقة». وفي صعدة تم ضرب سوق أسبوعي مرة بعد الأخرى. وتشير الكاتبة إلى أن الحوثيين أسهموا بقيودهم على عمل المنظمات الإغاثية بالازمة الإنسانية. فشكهم بالمنظمات الغربية وحرية الحركة في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم تحرم المواطنين من المواد الإنسانية. وقال عامل إغاثة «كل يوم يضعون مطالب جديدة».
وفي بعض الاحيان يرفض الحوثيون المساعدات ويقولون إنها ليست ضرورية. وشعر السعوديون بأثر الكارثة الإنسانية على صورتهم واستعانوا بشركات العلاقات العامة الأمريكية والبريطانية لإظهار جهودهم بتوفير المواد للمناطق «المحررة» من الحوثيين. ويرى جورداش، محامي حقوق الإنسان أنه حتى لو تم توفير الدعم لمناطق في اليمن فلا يحلل هذا الأطراف من المسؤولية وخرق القانون الدولي.

على واشنطن تعزيز وجودها لا الانسحاب من سوريا «فورين أفيرز»: انتصارات الأسد تعني مزيداً من الفوضى

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية