تعتبر مهنة صناعة قوارب الصيد من المهن العريقة التي تتوارثها الأجيال في قطاع غزة، حيث يعتبر الميناء البحري والذي يقتصر عمله على نشاط الصيد فقط، من أشهر أماكن إنتاج تلك القوارب ذات الأحجام المختلفة. ولكن خلال سنوات الحصار المتواصلة بدأت المهنة تندثر رويدا رويدا نتيجة ارتفاع تكلفة إنتاج القوارب أضعافا، بعد منع إسرائيل إدخال المواد الأساسية التي تستخدم في إنتاجها بحجة أنها ثنائية الاستخدام، متهمة عناصر المقاومة الفلسطينية باستخدام هذه المواد في صناعاتها العسكرية، ومن أهمها مادة الفيبر غلاس التي تعتبر المكون الأساسي في عمل أي قارب صيد.
وعلى إحدى أرصفة صناعة قوارب الصيد داخل ميناء غزة، يجلس الحاج أبو وائل العامودي برفقة عدد من الشبان، وقد غلب عليهم الحزن نتيجة اقتصار عملهم على صيانة خفيفة لبعض القوارب المتضررة.
ويؤكد أبو وائل لـ»القدس العربي» أن مهنة صناعة قوارب الصيد التي يعمل فيها منذ أكثر من 30 عاماً تتجه نحو الانقراض، وهي مصدر رزقه الوحيد، ولكنه توقف عن العمل نتيجة غياب المواد الأساسية في صناعة القوارب، وان وجدت، تكون بمبالغ مرتفعة. وأضاف أن تكلفة صناعة قارب الصيد الكبير مكلفة في الأوقات الطبيعية، حيث تتجاوز 80 ألف دولار، وفي الوقت الحالي تتجاوز ثلاث أضعاف المبلغ الطبيعي. وعن آخر قارب صنعه يقول: أنجزت آخر قارب صيد كبير بطول 20 متراً وارتفاع 3 أمتار قبل ثماني سنوات، حيث كانت المواد والمعدات اللازمة متوفرة وبأسعار منخفضة ومناسبة.
وأشار إلى أن هناك العشرات من القوارب غير الصالحة للإبحار والعمل تصطف على رمال ميناء غزة تنتظر توفر المواد الخام اللازمة لإصلاح ما تعطل منها بفعل الممارسات الإسرائيلية، التي تلاحق الصيادين في عرض البحر وتطلق النيران والقذائف تجاه قواربهم، في حين أن المئات من الصيادين باتوا في وضع لا يحسدون عليه، بعد أن توقفوا عن العمل وأصبحوا عمالا مأجورين في قوارب صيد أخرى، لتأمين قوت يومهم، في ظل صعوبة الأوضاع المعيشية.
ويقول الصياد أبو رامي أن صناعة القوارب توقفت بشكل كامل منذ خمس سنوات نتيجة منع إسرائيل إدخال مادة الفيبر غلاس إضافة إلى المحركات والأخشاب.
وبين لـ»القدس العربي» أنه توقف عن العمل في مهنة الصيد بعد أن تعطل قارب الصيد الذي يملكه، نتيجة مرور سنوات طويلة عليه وتعرضه المباشر لأشعة الشمس القوية، والتي أحدثت تشققات كبيرة في أجزاء القارب، الذي أصبح غير صالح للإبحار نتيجة تسرب المياه إلى داخله.
ودعا أبو رامي كافة الجهات الحقوقية والإنسانية، إلى التدخل لإنقاذ حياة آلاف الصيادين الذين يعانون حصاراً خانقا، ويعيلون أسرا كبيرة بات أفرادها بلا عمل ولا مأوى، نتيجة توقفهم عن ممارسة مهنتهم.
وأكد نقيب الصيادين نزار عياش أن مهنة صناعة قوارب الصيد وخاصة ذات الأحجام الكبيرة، توقفت نتيجة غياب المواد الخام وتردي الأوضاع الاقتصادية لدى شريحة كبيرة من الصيادين الذين أصبح عددا كبيرا منهم عاطلا عن العمل بسبب الحصار.
وبين لـ»القدس العربي» أن السبب الرئيسي لتراجع تلك المهنة، غياب العديد من المواد الخام وخاصة منها مادة الفيبر غلاس والتي يستخدمها الصيادون منذ القدم، حيث بين أن هذه المادة كانت تدخل بشكل طبيعي من الجانب الإسرائيلي والمصري، لكن إسرائيل تريد أي حجة للتضييق على الشعب الفلسطيني، وبالتالي منعت المادة من الدخول منذ عام 2008 بحجج أمنية.
وأشار إلى أنه منذ انتهاء الحرب الأخيرة على غزة حتى الآن، اعتقلت البحرية الإسرائيلية عدداً كبير من الصيادين، الذين أتهمتهم بتهريب مادة الفيبر غلاس من الجانب المصري، منهم من تم الإفراج عنهم وآخرون لا يزالون قيد الاعتقال.
وأوضح أن سعر غالون الفيبر غلاس سابقاً يقدر بـ70 دولارا، أما في الوقت الحالي فارتفع إلى 300. وبسب عياش يحتاج أكثر من 65 قاربا إلى ترميم كامل، كي يتمكن أصحابها من الإبحار والعمل فيها، وأن هناك أكثر من 25 قاربا متوقفا عن العمل بشكل نهائي، وهذا يزيد من معاناة الأسر، التي تتلقى قوت يومها من هذه المهنة، والتي أصبحت من أخطر المهن في غزة نتيجة تعمد الاحتلال الإسرائيلي استهداف مراكب الصيادين بشكل يومي في عرض البحر إضافة إلى الاعتقالات المتواصلة بحقهم.
إسماعيل عبدالهادي