بريكست مرن و1.2 تريليون دولار اتفاقية تجارية مع أمريكا كيف ستجمع ماي بين الأصعبين؟

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: دفعت التداعيات السلبية الكبيرة لبريكست حاد بريطانيا إلى اعتماد نسخة معدّلة سُمّيت «بريكست مرن»، وأدى ذلك إلى حدوث زلزال في حكومة تيريزا ماي كاد أن يوصلها إلى حافة الانهيار. وبعد مضي ما يقارب عامين على المفاوضات المستمرة مع بروكسيل، ترى لندن أنه لا يمكنها دفع فاتورة الانسحاب الكامل من الاتحاد الأوروبي فضلاً عن أنها لا تريد أن تخسر الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها من خلال الحفاظ على جزء من علاقاتها التجارية مع الاتحاد. بالإضافة إلى أن تأجيج «بريكست حاد» لملفي إيرلندا الشمالية وانفصال اسكوتلندا، بات يهدد اللحمة في المملكة المتحدة.
ولم توقف الإدارة الأمريكية منذ أكثر من عام، محاولاتها المتواصلة لتحقيق «بريكست حاد» من خلال عرض اقتراح طموح لعقد اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تصل قيمتها إلى تريليون و200 مليار دولار حسب ما جاء في وسائل إعلام أمريكية.
وكان دونالد ترامب قد اشترط أكثر من مرة فك بريطانيا ارتباطها مع أوروبا بشكل كامل لعقد هذه الصفقة التي من شأنها أن تحدث تحولاً كبيراً في الاقتصاد البريطاني. ما أكده سفير الولايات المتحدة لدى لندن، وودي جونسون، الذي قال إن الرئيس ترامب يريد التوصل لاتفاق تجارة حرة ثنائي مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي «في أقرب وقت ممكن»، وإن المسؤولين الأمريكيين يعملون بالفعل على التفاصيل، مضيفاً «سيقوم الرئيس بتحقيق ذلك سريعا لأنني أعلم ان ذلك يعد أولوية بالنسبة له». والولايات المتحدة هي صاحبة أكبر اقتصاد في العالم إذ تبلغ قيمته نحو 20 تريليون و400 مليار دولار أي بنسبة 23 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبريطانيا هي خامس أكبر اقتصاد في العالم بقيمة نحو تريليوني و900 مليار دولار أي بنسبة 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ورغم أن نصف التبادل التجاري الخارجي لبريطانيا يتم مع الاتحاد الأوروبي، تعد الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري منفرد للمملكة المتحدة تليها ألمانيا وهولندا وفرنسا والصين.
وشن ترامب هجوماً عنيفاً على تيريزا ماي و»بريكست مرن»، محذراً من أن خطة رئيسة الوزراء البريطانية للخروج من الاتحاد الأوروبي قد تقوض فرص إبرام اتفاق للتجارة الحرة بين بريطانيا وأمريكا، مضيفاً أن خطة ماي قد تقتل فرص عقد الصفقة، وهدد الرئيس الأمريكي لندن بأن ذلك يعني أن الولايات المتحدة قد تضطر للتعامل مع الاتحاد الأوروبي وليس مع بريطانيا. واعتبر ترامب «بريكست مرن» بأنه مخالف تماماً لما صوّت عليه الشعب البريطاني، وأكد أنه أخبر تيريزا ماي بكيفية تنفيذ خطة الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكن ماي لم توافق عليها.
لكن بعد مضي أقل من 24 ساعة على تلك التصريحات، تراجع ترامب وأعلن دعمه لقرارات رئيسة وزراء بريطانيا بعد الاجتماعات المغلقة التي أجراها مع ماي. وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، وصف ترامب علاقات بلاده مع بريطانيا بأنها خاصة جداً. وحاول دعم موقف لندن بوجه بروكسيل، مؤكداً على ثقته بماي وخطتها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وقال إن بريطانيا حرة مستقلة تشكل نعمة كبيرة للعالم أجمع. وأكد الزعيمان في مؤتمر صحافي مشترك أنهما سيعملان على تعزيز العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وأعربت ماي عن أملها في أن التسريع في التوصل إلى اتفاق تجاري طموح مع واشنطن يساهم في تخفيف تأثيرات بريكست، مضيفةً «اتفقنا اليوم على أنه في الوقت الذي تغادر فيه المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، سنواصل السعي إلى اتفاق طموح للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة». ولفتت النظر إلى أن ترامب قبل دعوتها للقيام بزيارة رسمية أخرى لبريطانيا في وقت لاحق من هذا العام.
ويبقى سؤال رئيسي ألا وهو، هل تتمكن تيريزا ماي أن تجمع بين خيارين من الصعب تحقيقهما أي «بريكست مرن» وعقد صفقة تجارية طموحة مع الولايات المتحدة لتجني ثمار كلاهما؟ وبعد طلاقها للاتحاد الأوروبي في آذار/مارس المقبل، ستكون بريطانيا حرة في التفاوض لعقد اتفاقيات تجارية مع دول خارج التكتل الأوروبي، لكنها ستكون محكومة بأي قواعد انتقالية تتفق عليها مع بروكسيل كجزء من بريكست. ولا يتوقع الخبراء أن تستطع لندن أن تمرر ذلك دون صعوبات، كما جاء على لسان ترامب. وأكد الرئيس التنفيذي لمعهد الدراسات الأوروبية، كاريل لانو، أن عقد ترامب أي اتفاق مع لندن تحت ظل استمرار الارتباط الجمركي بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، قد يضعف موقفه داخل الولايات المتحدة، فضلاً على أن ذلك الارتباط يضعف موقف تيريزا ماي في التفاوض على أي صفقات تجارية مقبلة حتى بعد الخروج من الاتحاد، وهو السبب الرئيسي في استقالة بوريس جونسون. وتوقع المحرر الاقتصادي السابق في وكالة «رويترز» للأنباء، آلان ويتلي، أن من الصعب الوصول لاتفاق تجارة حرة بين بريطانيا وأمريكا بسبب تعقيدات بريكست، مشككاً في ذلك تحت ظل انتهاج ترامب سياسة الحرب التجارية وفرض الضرائب على واردات الصلب والألومنيوم. وربط ماتياس بوس، الباحث في الدراسات الأوروبية في جامعة هامبورغ الألمانية، إمكانية عقد صفقة للشراكة التجارية بين واشنطن ولندن، بانسحاب الأخيرة الكامل من المنطقة الجمركية الأوروبية أولاً.
ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين بالفعل أكثر من 200 مليار دولار أي 150 مليار جنيه إسترليني. وفي عام 2015، بلغت قيمة الصادرات الأمريكية من السلع والخدمات إلى بريطانيا نحو 123 مليار و500 مليون دولار، وشهدت زيادة بنسبة 4 في المئة مقارنة بعام 2014، وذلك وفقا لمكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي. وتعتبر الولايات المتحدة أكبر مصدر منفرد للاستثمار الأجنبي المباشر داخل بريطانيا. وتملك كل من بريطانيا والولايات المتحدة استثمارات متبادلة بقيمة تريليون دولار، في اقتصاد كلا البلدين. وتوفر التعاملات التجارية بين البلدين أكثر من مليون وظيفة في كلا البلدين.
ويريد مؤيدو «بريكست حاد» أن تُقطع جميع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، لتتحرر الأخيرة من القيود وتعقد صفقات وتوافقات ثنائية مع الدول الأوروبية بمعزل عن الاتحاد. بينما تحاول تيريزا ماي أن تجمع بين مؤيدي ومعارضي مغادرة الاتحاد الأوروبي، حتى تضع حداً للانقسام الحاد التي تسببه بريكست في المجتمع البريطاني. ومن خلال «بريكست مرن» تأمل لندن أن تكون لديها رؤية مستقلة بعيداً عن الرؤية الأوروبية فيما يتعلق بقطاع الخدمات لتحصل على فرص أكثر للتنافس التجاري، لأن قطاع الخدمات يعتبر القطاع الرئيسي للحكومة البريطانية. وفي المقابل اقترحت ماي أن الضرائب الجمركية على السلع الأوروبية إذا كانت أكثر من الضرائب المحددة من قبل الاتحاد الأوروبي، فإن بروكسيل من يتخذ القرار حول كيفية تحديد الفارق بين مستوى الضرائب الجمركية.

11HAD

بريكست مرن و1.2 تريليون دولار اتفاقية تجارية مع أمريكا كيف ستجمع ماي بين الأصعبين؟

محمد المذحجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية