لطالما شبه النقاد جوي بوسكي برونيه شار نظرا لما كان يتمتع به من الشجاعة والمحبة. أراد جوي بوسكي أن يضع في كتاباته «كل حياته وكل شخصه» ليقدم مثالا، ليس درسًا في الرواقية، بل درسًا في الحياة. فمن خلال معاناته وجرحه سيُعرَف كواحد من كبار كتاب الأدب الفرنسي المعاصر وشعرائه.
عاش جوي بوسكي في غرفةٍ محاطة بالكتب، تزينها ستائر حمراء سميكة، وعدد قليل من الشموع عند سفح السرير الذي كان يحمل جروحه، ولوحات لماكس إرنست، وأنبوب من الأفيون، وضجيج القلم على الورق. شكلت هذه العناصر جوهر الحياة المادية لجوي بوسكي، الشاعر الذي تغير مصيره بعد إصابته برصاصة تلقاها في فايلي عام 1918. حطمت هذه الرصاصة جسده وأيقظت روح الشعر فيه وجعلت المعاناة تنام طويلا على سريره. لقد حاول الشاعر طيلة اثنين وثلاثين عامًا أن يحجب ظل مصيره الصعب من خلال الكتابة الشعرية، فكان كل النثر الذي كتبه يحمل في طياته شعرا مختلطا بمزاجه الغامض. لعل من الجمل الشهيرة التي تعكس فلسفة جوي بوسكي الشعرية هي عندما قال: «لا أحد يدخل غرفتي دون أن يتقدمه شعاع من حياتي الداخلية». هكذا جعل جوي بوسكي جسده مكانا للتأمل والكتابة، فعدم القدرة عن الحركة دفعه إلى الكتابة للتخلص من هذا الجمود. فالكتابة الشعرية تجسد معاناته وروح غرفته. ولعل من أشهر أعماله الشعرية التي عكست بكل صدق عمق الألم الذي سكنه بسبب الرصاصة، نذكر منها: «خطيبةُ الريح»، «ألم الطفولة»، «أخي الظل»، «معرفة المساء»، «مؤلف الليل». كما كتب جوي بوسكي العديد من الروايات أبرزها: «موعد مساء شتوي»، «إيريس والدخان الصغير»، «رسائل إلى فتاة شابة» وغيرها. ونشرت العشرات من المؤلفات بعد وفاته إذ ترك العديد من المخطوطات والنصوص والمراسلات كإرث أدبي وجب على القارئ الفرنسي والغربي الاطلاع عليه.
عاش جوي بوسكي حياته بالمراسلة بعد أن حُكم عليه بالجمود بقية حياته نتيجة الرصاصة التي أصابته. فقد خلق صداقات عديدة مع مجموعة من الشعراء والكتاب، ليحل الحوار بالمراسلة محل الجسم المعاق. كان منزله في كاركاسون مزارا لجيل كامل من الكتاب والشعراء بما في ذلك إيلوار، أراغون، كاسو، وييل وبولان. بطريقة ما، اخترع جوي بوسكي وجودًا خارج العالم وأيامًا لا تشبه الأيام العادية التي عاشها جيله، ولكن على حساب حركات عنف شعرية لم يسبق لها مثيل. ففي كتاب «ترجمة من الصمت» لخص جوي بوسكي معاناته قائلا: «وحيدا، مستلقيا على سريري، وصلت إلى هذه المرتفعات كما لو أنني حفرتُ السماء. منغلقٌ في غرفتي، منغلقٌ في جسدي، أشِّعُ في هذا الضوء بلا حِراكٍ. الشر كالخير له سمائه فيّ. وأنا أعلم أن هذا الرضا الحسي لا معنى له أبدا. في كل يوم، أكتشفُ بأنني تعرضت للإصابة، وأنني جُرِحتُ، ويجب أن أتعرض لهذه الإصابة لأنني علمتُ أن جميع الرجال جُرِحوا مثلي.» هذه الكلمات تعبر عن مدى تقبل الكاتب لحالته ومحاولته التعايش معها، لأنه ليس الوحيد الذي تعرض للإصابة في الحرب، بل غالبية الجنود الذين كانوا في كتيبته واصفا إياهم بـ «الرجال».
وجد النقاد والباحثون في الأدب الفرنسي ما بعد الحرب العالمية صعوبة في حصر تنوع أعمال جوي بوسكي. فقد تنوعت كتاباته بين الشعر والأنطولوجيا والرواية والقصة والمراسلة. لقد جعل الشاعر حياته نقطة الانطلاق والنهاية واصفا معاناته بالسكون. ليس هذا وحسب، بل إنه جعل من الجرح سببا للعيش والتعايش معه، لذا نجده يؤكد على أنه ولد ليعكس هذا الجرح العميق. جوي بوسكي الشاعر، المليء بالمغامرة، الذي أحبط المصير رغباته في استكشاف الأرض، سعى بصبر وبكل طرق التواصل الأخرى، لتأكيدٍ آخر لنفسه. رغم حرمانه من جسده، لم يتحدث بوسكي عن حالته الخاصة ولكن عن الحالة البشرية: «أدركت أن طبيعة الأشياء جعلتني قانونًا يطمح إلى الموت، ليس لأنني أنا، لكن لأنني رجل. بدلا من التفكير في مرآة اضمحلاله، اختار بوسكي اعتبار نفسه الشخص الذي يموت حتى الموت مثل كل الرجال. وبعبارة أخرى، يريد من إنسانيته أن تلتهم شخصيته. وتصبح إصابته تلك الحياة نفسها: «أنا حياة قبل أن أكون رجلاً، حياة يجب أن أمزقها من هذا الأفق».
هذه الفلسفة الأدبية تأخذنا إلى حدود اللغة وإلى حافة العقل التي ينفرد بها الشاعر. إذا كان قد تم تجريده من جثته فإنه خلق لغة جديدة وغامضة. فقد اشتهر بعلمه للمساء أكثر من معرفته للذات، وسعى إلى خلق لغة يمكن أن تجعل حياته تطول في الوجود، من شأنها أن تجعله يتجاوز الظروف لإلغاء المسافة بين الرجال وبين الأعمار. فالشعر هو وسيلة للوصول إلى هذه الحالة من النعمة. إنه نسيان يمكن أن يصبح فيه نفسه، وبالتالي ينضم إلى الحياة الحقيقية، أي اللغة. ومع ذلك فهي ليست مسألة إنكار الذات بل هي خلق علاقة أخرى مع العالم من خلال فعل الكتابة. في لحظات معينة كان يقول بفرح: «أعيش من نفسي وأنا أعيش في نفسي. في الوقت الذي أنا فيه، أنا العالم من حولي، لكن دون أن أكون على علم به». يتجسد هذا التصور في نصوصه من خلال لوحة تدور حول هذه العلاقة الداخلية مع الذات. فغالبية نصوصه عبارة عن سير ذاتية، كما لو كان الشاعر يحاول أن يجعل من نفسه مركز كل التفاعلات. بالإضافة إلى ذلك، حاول جوي بوسكي بشكل متكرر استرجاع ذكرياته قبل وقوع الكارثة، كما لو كان لتمييز الفجوة بين الوجود قبل الإصابة والوجود في حالة اللاحركة، لذا عادة ما يجعل من نفسه شخصية من شخصيات قصصه.
تميل كتابة جوي بوسكي إلى الظلال حيث يعتبر الليل وحده زمنا نفسيا. ويجعل من الأرق والآلام التي يعانيها بسبب جسده موضعات رئيسية في نصوصه. فالكتابة عنده هي بالأساس انعكاس للساعات الأخيرة من الغسق، حيث يكتب مذكراته. ففي كتاب «ترجمة من الصمت» يقول: «أكتب في دفتر الملاحظات الأسود في منتصف الليل، بعد رحيل أعز أصدقائي». فالستائر الموجودة على نافذته، ونومه المتقطع، وعدم حركته، تمنعه من إدراك مرور اليوم والليل، وإغراقه في وقت رمادي غير قابل للإصلاح: «تتألق المصابيح في النوافذ، وتغفو الرياح في صمت الطيور». يجد جوي بوسكي نفسه وحيدا في الظلام. تصبح الكتابة إيقاعا مجنونا ينحصر فيه الظل والضوء على الأكتاف. يعتقد أن نصوصه ليست سوداء بما فيه الكفاية فيترجم هذه الرغبة المجنونة لتقبل الليل، للنجاح في العيش فيه. إن قصة تجربته الداخلية تذكرنا بفنسنت لا سودير الذي كان عنوانه الأول من المراسلات هو العنوان الذي يحيل على سيلفيا ماساياس. خلال ساعات النسيان يتربص الشاعر في موكب من الصور: يجمع بين الألم والتمتع، والافتقار، والنشوة. وهكذا كان يكتب بوسكي بلون الحب : «في الليل اللامبالاة في حياتي تخلق جنة الفردوس».
يتجلى بحث بوسكي عن الظلام من خلال استهلاكه للأفيون. فهو في الوقت نفسه السم والعلاج، يمكنه من تهدئة آلامه في حين أنه يبرز عدم ارتياحه. الأفيون يسمح لبوسكي تلوين المناظر العقلية، وتحرير نفسه مؤقتا من المكان والزمان حتى لو كان الثمن الواجب دفعه لا يزال ثقيلا. إن استهلاك الأفيون حاضر في أشعار بوسكي إلى جانب طعم الخمر، فتأثير المخدرات يجعل من قصائده أعمالا سريالية تساعده على تجاوز المشاكل المادية والحرمان النفسي، رغم أن الأفيون يزيد من تفاقم سوء حالته. ومع ذلك، يستخدم بوسكي المخدرات كأداة لاستكشاف قاراته الداخلية. فشبكة الصور التي يرسمها الأفيون ليست غريبة على مخاوفه. إن عدم وضوح الحدود بين العالم المادي والميتافيزيقا يسمح لبوسكي بالوصول إلى مساحة جديدة من الخلق تضيء فيها الأشباح التي تستقر بداخله وفي غرفته.
كتب بوسكي عن الحب على الرغم من إصابته. وراء كل الوجوه الأنثوية التي تطارد مراسلات بوسكي ورواياته، تكمن الرغبة المطلقة في الكتابة: «لقد قيل لي في الأوساط الأدبية أن الشعر أنقذني من اليأس». إن الكتابة ليست مجرد رغبة، بل تتحول إلى عملية إشباع. فمن خلال المفردات يحاول بوسكي التفكير في الحب عبر مجموعة من الصور التي تعكس تصوره لهذا الموضوع. فالشاعر يستثمر كثيرا في اللغة حتى تصبح قادرة على إشباع رغباته وتعويض عجزه عن طريق التأمل وامتلاك الجمال. تنشأ الحمم المتوهجة من قلمه دون حرق المرأة التي يكتبها.
كاتب الليل، تمنى جوي بوسكي أن يحرر نفسه من الواقع. فقد وجه كل كلماته نحو السحر الليلي، وشعر الكهن الذي مكنه من كشف جرحه. لا يقدم جوي بوسكي صورًا مزعجة فقط، وأحيانًا في حدود عدم الانسجام، ولكنه يقترح ما وراء الاجتماع بين الخيال والنص والقارئ، من خلال إعادة تشكيل الفضاء الداخلي وتوسيع حدود الشعر.
٭ كاتب وباحث مغربي
عثمان بوطسان