هكذا أهدى غسّان روايته: «إلى أمّ سعد، الشّعب والمدرسة»
يبدو الإهداء رنّانا وحاملا الكثير من الحرارة رغم طابعه المختزل والمكثّف ولعلّه مثير للكثير من الشّجون والذكرى بالنسبة للإنسان العربي فتكثيفه لا يحجب ما يبطنه من معان وصور. ولكنّ هذا الإهداء أيضا لا تنقصه إنشائيّة وأدبيّة فهو إطلالة على إنشائية العتبات النّصّيّة فهو يخرج عن نموذج الاهداءات السّـــائد فأغلب النصوص تهدى إلى شخوص من خـــارج النّصّ السّردي وهي في العادة شخوص لها وجود حقيقي أو ملامح رمزيّة. ولكنّ جانبا من الأعمال السّـــرديّة المغامرة يتبادل الإهداء مع شخصيّاته السّرديّة الملتبسة بين المرجعي والمتخيّل. وعلى هذا المنوال يهدي غسّان عمله إلى شخصيّته الرّئيسيّة التي تستولي على كلّ عتبات الرّواية فهي في العنوان والإهداء والمقدّمة. ولعلّ هذه العتبات تجعل القارئ متأهّبا لقراءة حكاية إمرأة مقاومة وذات حضور استثنائي.
و لعلّ هذه الرّواية تفتح السّؤال حول تخييل الرّمز الشّعبي والبطل القومي في السّرد العربي. فهذه الرّغبة الهادرة في أدب مقاوم يخلّد الأبطال والرّموز وهي التي راودت كنفاني وتراود المبدعين المهمومين والمؤمنين بنضاليّة الأدب والكلمة تحتاج تقنية خاصة فهي ليست كتابة سيريّة تسجيليّة ولا تخييلا وتوهّما صرفا.
فليس من السّهل كتابة الأبطال…وليس من السّهل ومن البسيط جرّهم من حياتهم اليوميّة ومعاركهم ومحو دموعهم ودمائهم وجعلهم منارات مضيئة في نصوص سرديّة. سيكون ذلك عملا ثقيلا لو لم نضف إليهم من الأدبيّة والشّعريّة ولعلّه يكون شبيها بتقارير المخبرين البائسين في الأقطار العربيّة.
أم سعد ليست وهما روائيّا ولا تخيّلا ولا إمرأة حلم تمنّاها غسّان وتخيّلها لتكون رمزا فلسطينيّا فهي ذات بعد مرجعيّ وهذا ما اعترف به غسان في مقدّمة روايته.
«أمّ سعد إمراة حقيقيّة أعرفها جيّدا ومازلت أراها دائما وأحادثها وأتعلّم منها وتربطني بها قرابة ما. لقد علّمتني أم سعد كثيرا، وأكاد أقول أن كل حرف جاء في السطور التالية إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلتا فلسطينيتين رغم كل شيء…»
هذه المرجعيّة هي ما أكّدها د. فضل النّقيب في تقديمه للقسم الخامس من الأعمال الكاملة وقد أضاف أنها كانت «تناديه بابن العمّ لأنّ قرابة ما تربطها بعائلته في قرية الغابسية في فلسطين. إنها تعمل يوما واحدا فقط من أيام الأسبوع في بيت غسّان أمّا بقيّة الأيّام فتعمل في بيوت أخرى».
ومن الضروري أن ننتبه هنا إلى هذا الموقف السّامي…موقف الإنسان الذي يفكّر ويتعاطف مع الطّبقات المسحوقة بشكل يجعله ينتصر لمعاناتها ويجعل خادمته شعبا ومدرسة ويعترف بأنّه يتعلّم منها…
فأمّ سعد ليست إمرأة من خيال الكاتب وكم هو مؤثّر أن نقرأ «كان الاسم الحقيقي لأم سعد هو أمّ حسين ولقد كانت في طليعة الذين ساروا في جنازة تشييع غسان كنفاني يوم 9 تموز/يوليو. و كان بين المشيّعين شابّ نحيل أسمر اسمه ناجي العليّ…»
لعلّ مرجعيّة وتاريخيّة الشّخصيّة توحي لنا بالطابع التسجيلي في أدب غسّان فكثير من سرده تسجيل لوقائع وشخصيّات عاصرها بل لنقل إعادة تصوير للواقع الفلسطيني برمّته ولكنّ هذا الطّابع يتّسم بالتّخييل وتحويل الحكايات والشّخصيّات وشحنها بمدلول رمزي وأيديولوجيّ وجعلها حيّة لا تموت…وهذا ما يحصل فهذه الحياة الجديدة الخالدة التي يعطيها الأدب للشخصيّات التي ينقلها إلى عوالمه الخياليّة هي التي تجعلنا نعود إلى هذه الشّخصيّة بعد كلّ هذه العقود من التّحوّلات ومن النّسيان ومن انقلاب العاطفة الوطنيّة وتكدّرها فتظلّ مدرسة وشعبا. أمّ سعد تدخل الرّواية بشخصيّة خياليّة فنّيّة وتغيّر اسمها رغم محافظة الكاتب على خصائصها واستنساخه علاقتها به لتصبح شبيهة بعلاقتها بالراوي. فهي أيضا تزور الراوي في بيته مرّة في الأسبوع وهي تدعوه «ابن عمّي».
فمنها ينطلق الكاتب نحو عوالم خياليّة ومن حكايتها يصيغ خطابا روائيّا تنكسر فيه خطّيّة الزمن ويتداخل ترتيب الأحداث وغير ذلك من اللمسات التي تطمس المرجعيّة المباشرة ولكنّها تحافظ على الواقع المرجعيّ بما فيه من بؤس وهزيمة ومقاومة، وبما يرسم البعد الرّمزي لشخصيّة أم سعد وهو ما رسمه لها في مدخل الرّواية «فأمّ سعد ليست إمرأة ولولا أنّها ظلّت جسدا وعقلا وكدحا في قلب الجماهير وفي محور همومها وجزء لا ينسلخ عن يوميّاتها…».
إنها تجسّد صورة الشّعب الكادح تقاوم صعوبة الحياة وتجابه واقع الاحتلال، قوية كما لا يستطيع الصخر، صبورة كما لا يطيق الصبر، تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهابا، تعيش عمرها مرات في التعب والعمل كي تنزع لقمتها النظيفة» وتقاوم العدو: «جاءت الطائرة مطلية باللون وحلقت على علو خفيض وأخذت تزخ رصاصها على الشارع وسمعت أم سعد صوتا معدنيا كالرنين يملأ الطريق وفي اللحظة التالية تقدمت نحو الاسفلت ورفعت بين أصابعها قطعة حديد ذات أربعة رؤوس مسننة». وتحرض على المقاومة «ودورتها لنلمها ونقدف بها إلى الرمل
واندفعت النساء ومن ثم اندفع الأولاد…».
وأم سعد مدرسة يتسم حديثها بالحكمة والنظرة الثاقبة فهي تبدو في دور المعلم للشعب وللكاتب نفسه وتتردد تعاليمها وحكـــمها في الرواية. تعلّم فضائل ورمزية الشجر .على لسانها دالية العنب «…شجرة عطاءة لا تحتاج إلى كثير من الماء…الماء الكثير يفسدها» والزيتون لا يحتاج إلى ماء أيضا إنه يمتص ماءه عميقا في بطن الأرض من رطوبة التراب»، وهي تنطق بما يعبر عن قراءة رمزية للقضية فتتحدث عن الخيانة «لا استطيع أن أثق برجل ترك ســيارته في عرض الطريق تسدّ الدرب وهرب»..
إنها تلعب دور صوت الحكمة وتؤدي دورا تعليميا وهو ما يعلنه الراوي: «علمتني كثيرا كيف يجترح المنفى مفرداته وكيف ينزلها في حياته…».
عودا على بدء:
يبدو تخييل أم سعد نمطا لتخييل الرمز الشعبي في الكتابة السردية وهو مزيج بين المرجع والواقع. ولا يخلو هذا التخييل من إبراز وجه المعاناة اليومية وصفحات النضال من جهة وتحويل الرّمز إلى مثال وصوت حكمة. والحقيقة أن هذه الرّواية تذكي في نفسي في هذه البسطة الموجزة سؤال تخييل البطل أو الرمز الشّعبي في السرد الفلسطيني والعربي، وتفتح العين على إشكاليّة يجدر البحث بين طيّاتها. فهذه النماذج العربيّة السّرديّة التي تكتب البطولة وتتابع الرّموز الاجتماعيّة في حاجة إلى وقفات متأنّية.
٭ كاتب تونسي
رياض خليف