الاشتعال في الجنوب يتزايد

حجم الخط
0

جولة اللكمات الحالية على حدود قطاع غزة لا تبدو في الوقت الحالي رصاصة البداية لمعركة أخرى بين إسرائيل وحماس، ولكن تبدو كمحاولة إسرائيلية لفرض قوانين لعب أخرى في الجنوب بموازاة المفاوضات غير المباشرة التي تجري بين الطرفين بوساطة مصر. في مساء السبت، أعلنت حماس والجهاد الإسلامي عن وقف لإطلاق النار، لكن ليس واضحًا حتى الآن كم من الوقت سيصمد.
حقيقة أنه حتى الآن سجل عدد مصابين قليل نسبيًا بسبب هجمات سلاح الجو الإسرائيلي في القطاع، وحماس في إطلاق صواريخها تركز على الدائرة الأولى (بلدات غلاف غزة) ما يدل على أن إسرائيل وحماس ما زالتا تفرضان على أنفسهما قيودًا، وأنهما في هذه الأثناء تمنعان التدهور إلى معركة واسعة. استمرار التدهور متعلق أيضًا بعدد المصابين الذين يزيدون الضغط على القيادات المنافسة من أجل المصادقة على خطوات أكثر هجومية، مثلما حدث هذا أمس عندما أصيب أربعة مواطنين بسبب سقوط صاروخ في سدروت، وقام الجيش الإسرائيلي بقصف مبنى في مخيم الشاطئ للاجئين في شمال القطاع، وهو القصف الذي قتل فيه طفلان.
أحداث أمس هي جزء من التصعيد الذي بدأ في نهاية شهر آذار الماضي، حول مظاهرات نهاية الأسبوع التي قادتها حماس على طول الحدود. منذ ذلك الحين لم يحدث توقف كبير في المواجهات بين الطرفين. في الأشهر الأخيرة حلت الطائرات الورقية والبالونات الحارقة محل التظاهرات في منطقة الجدار كوسيلة احتكاك رئيسية يستخدمها الفلسطينيون ضد الجيش الإسرائيلي. لقد تراكم إحباط كبير في إسرائيل إزاء عدم القدرة على وقف الحرائق، التي يقترب معدلها من (20) حالة في اليوم في الأسابيع الأخيرة، ومع أن الطائرات الحارقة لم تسبب أضرارًا في الأرواح، ولكنها أضرت في الشعور بالأمن لسكان غلاف غزة، وفي الوقت نفسه هزت صورة حكومة نتنياهو كمن تعالج بقوة تهديدات الإرهاب.
عندما حاول الجيش الإسرائيلي وقف الحرائق بواسطة هجمات عقابية من الجو على مواقع لحماس، ردت الأخيرة بنار كثيفة لقذائف الهاون والصواريخ، وهذه ظاهرة تكررت أربع مرات منذ نهاية شهر أيار. حماس شذت بذلك على مقاربتها السابقة: خلال أربع سنوات تقريبًا منذ انتهاء عملية الجرف الصامد امتنعت حماس بشكل عام عن إطلاق الصواريخ. وفي أحيان وعندما تقتضي الحاجة إلى تنفيس الضغط في القطاع، كانت تتغاضى عن إطلاق النار من قبل فصائل فلسطينية أصغر منها. ولكن حماس الآن تتحمل المسؤولية عن هذا الإطلاق، هذه هي «معادلة الردع» الجديدة التي تحاول إسرائيل كسرها الآن عن طريق هجوم كثيف في اليوم الأخير.
المبرر لذلك وفره ما حدث قرب الجدار أمس، فقد أصيب نائب قائد كتيبة المدرعات في الجيش الإسرائيلي بجراح متوسطة نتيجة شظايا قنبلة يدوية ألقيت نحوه. الجيش الإسرائيلي الذي استعد للتصعيد منذ بضعة أسابيع، هاجم فجرًا عددًا من المواقع التي استخدمتها خلايا أعدت الطائرات الورقية الحارقة وقامت بتوزيعها. والأهم من ذلك هو أن سلاح الجو قصف أيضًا نفقين هجوميين قرب الحدود في الجانب الفلسطيني. هذا جزء من جهد متواصل يهدف إلى تجريد حماس من وسائلها القتالية قبيل مواجهة محتملة في المستقبل. في الأشهر التسعة الأخيرة تم كشف وقصف (11) نفقًا على جانبي الحدود، بموازاة إقامة العائق ضد الأنفاق الذي سيستكمل في السنة القادمة.
بعد بضع ساعات من ذلك، وبعد رد حماس بإطلاق كثيف للقذائف والصواريخ، هاجم سلاح الجو الإسرائيلي مرة أخرى (40) هدفًا تقريبًا في القطاع، أبرزها قيادة كتائب للمنظمة التي دمرت تمامًا في بيت لاهيا شمال القطاع. ولكن حماس أخلت كما يبدو قياداتها في ساعات الليل بعد بدء الهجمات الأولى، ولم يسفر هذا القصف عن مصابين، وحتى ساعات المساء تم إطلاق أكثر من (100) قذيفة هاون وصاروخ على الأراضي الإسرائيلية. معظم الصواريخ التي كانت تهدد مناطق مأهولة تم اعتراضها من قبل القبة الحديدية.
لكن هنا أيضًا ظهرت درجة من ضبط النفس مثلما الحال في إسرائيل، فقد تركز إطلاق النار في مناطق على بعد حتى (10) كم عن الحدود، لذلك أطلقت قذائف هاون وكاتيوشا بقطر (107) ملم، وليس صواريخ كبيرة بمدى أبعد. سدروت وبلدات الغلاف الأخرى تلقت رشقات كثيرة، لكن حتى الآن لم يسجل إطلاق نار على المدن الكبيرة في الجنوب: بئر السبع وأسدود وعسقلان. في ساعات الليل المتأخرة ظهر انخفاض في حجم الإطلاق من القطاع، وصادقت المنظمات الفلسطينية على التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
كل هذه الخطوات تتساوق مع ما يجري في قناة المفاوضات، فقد بدأت الاستخبارات المصرية هذا الصباح بمحادثات هاتفية مع رجال الأمن الإسرائيلي ومع شخصيات كبيرة في حماس، في محاولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. في الخلفية، ثمة عملية أوسع تطبخ منذ فترة طويلة على نار هادئة. حماس بحاجة إلى ضخ الأموال وتسهيل حرية الحركة في القطاع، وإسرائيل مستعدة مبدئيًا لمناقشة ذلك، لكنها تربط ذلك بحل موضوع الجثث والمفقودين.
حماس من ناحيتها تأمل على الأقل إطلاق سراح العشرات من محرري صفقة شاليط الذين أعادت إسرائيل اعتقالهم في 2014م في الضفة الغربية. غياب التقدم في هذه المسألة هو العائق الأساسي الذي يمنع الاتفاق على تسهيلات هامة في القطاع.
في هذه الأثناء، يبدو أن المفاوضات حول اتفاق أوسع عالقة، وحماس مضغوطة بما يكفي بسبب الوضع في القطاع من أجل مواصلة إطلاق الطائرات الورقية والصواريخ، حتى لو عرف زعماؤها أن هذا الأمر يمكن أن يورطهم في حرب جديدة، فيها يمكن أن يكون الضرر للقطاع أثقل مما حدث هناك في عملية «الجرف الصامد». رغم التشابه بين الهجومين، يبدو أننا لم نصل بعد إلى بداية العملية القادمة. إذا انهار وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه الفلسطينيون أمس، فمن المعقول أن الجيش الإسرائيلي سيحاول استعراض قدراته: هجوم مركز معظمه من الجو، على أمل الإثبات لحماس بأن الخسائر ستكون كبيرة إذا لم يتم تطبيق الاتفاق. في الخلفية يسمع رئيس الحكومة والوزراء وهم يطلقون تصريحات هجومية، التي إذا لم تؤثر على حماس فربما على الأقل ستخلق انطباعًا ما في الساحة السياسية الداخلية (التصعيد الأخير، بالمناسبة، أدى إلى الغاء مسيرة تأييد لخطة حزب المعسكر الصهيوني في بلدات غلاف غزة هذا المساء).
حتى الآن ما زال من الأفضل عدم الانفعال أكثر من اللازم من البلاغة الصقورية لأعضاء الحكومة، فعندما بحثت إسرائيل عن حرب في قطاع غزة في السابق، كانت ردت بقوة أكبر. يكفي التذكير مثلاً بالطلعة الافتتاحية المختلف عليها لعملية «الرصاص المصبوب في كانون الأول 2008م. أرسلت حكومة أولمرت ـ باراك في حينه سلاح الجو لقصف حفل تخريج لشرطة حماس في غزة، وهناك فإن نحو (90) شخصًا من أعضاء المنظمة قتلوا في عملية القصف، وقدر عدد القتلى الإجمالي في القطاع في اليوم الأول للحرب بنحو (270). وهذا ما زال بعيدًا جدًا عن أحداث الأيام الأخيرة في غزة.

عاموس هرئيل
هآرتس 15/7/2018

الاشتعال في الجنوب يتزايد
حماس تزيد إطلاق الصواريخ والقذائف وتتحمل المسؤولية عن ذلك
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية