الادعاء المتكرر الذي سمع في جهاز الأمن في الأسابيع الأخيرة يقول إن حماس لا تقرأ بشكل صحيح نوايا إسرائيل. الخطوات التي تم تكرارها أمس بعد دخول وقف إطلاق النار غير الرسمي إلى حيز التنفيذ، تدل على أن إسرائيل تحاول تصحيح هذا الانطباع. الكابنت وجه الجيش إلى أن يشدد الردود ضد نشاطات الخلايا التي تطلق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة. وفي الوقت نفسه تم نشر القبة الحديدية في غوش دان وإعلن عن تجنيد الاحتياط بشكل محدود في سلاح الجو.
كل هذه الخطوات هدفت إلى إرسال رسالة لحماس تقول بأن إسرائيل لا تخشى مواجهة عسكرية، وهي مستعدة عند الحاجة إلى أن تشدد الخطوات التي قامت بها أكثر. وحتى الآن رغم التصريحات المصممة لوزراء الحكومة وحالة الطوارئ في الاستوديوهات فإن هذه ليست حربًا. الاستخبارات المصرية تواصل الوساطة بين الطرفين، وطالما أن عدد الضحايا غير مرتفع فيمكن منع اندلاع الحرب.
رسميًا إسرائيل لا تجري مفاوضات مع حماس، لكن رئيس الشباك، نداف ارغمان، له علاقة وثيقة مع رؤساء الاستخبارات المصرية. وفي موازاة ذلك يتوسط بين الطرفين مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة إلى المنطقة، نيكولاي ملادينوف. وحسب معرفتنا، فالتفاهمات التي تبلورت هي تفاهمات عامة جدًا. إسرائيل نقلت رسائل تقول بأن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل، إلى جانب وقف إطلاق الصواريخ والقذائف، إنهاء الأحداث العنيفة على طول الجدار ووقف إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة.
حماس تقول في المقابل إن الطائرات الورقية والتظاهرات تعبر عن احتجاج شعبي مشروع، التي ليس لها سيطرة عليها في الأصل. وسائل إعلام عربية قالت أول أمس إن حماس تعهدت لمصر بالتقليص التدريجي لحجم إطلاق الطائرات الورقية الحارقة. وأمس، تواصلت الحرائق في حقول وغابات غلاف غزة، وإن كان ذلك بحجم أقل مما كان في السابق.
في جلسة الكابنت في الظهيرة، جرى نقاش بين الوزير نفتالي بينيت (البيت اليهودي) ورئيس الأركان غادي آيزنكوت، فقد كرر بينيت مطالبته التي أيدها مؤخرًا أيضًا وزراء من الليكود، بضرب خلايا إطلاق الطائرات الورقية بصورة مباشرة، أما آيزنكوت فصعب الأمر عليه وقال: هل أنت مع ضرب الأطفال؟ أجاب بينيت: لا، ولكن يجب إعطاء صلاحيات للقادة بضرب هذه الخلايا إذا كان من الواضح أن الأمر يتعلق بأشخاص بالغين. رئيس الأركان أجاب بأن إلقاء القنابل من الطائرات على خلايا مطلقي الطائرات الورقية والبالونات يعارض «المواقف القيمية والعملية للجيش الإسرائيلي».
النقاش لم يتم حسمه حقًا، لكن الكابنت فعليًا وجه الجيش الإسرائيلي إلى «إيقاف الطائرات الورقية»، أي أن يزيد حدة الخطوات المتخذة كرد على الطائرات الورقية، وهذا يعني كما يبدو المزيد من الإطلاق التحذيري على الخلايا، ضرب السلسلة اللوجستية (المخازن والسيارات) التي تغذيها، وأحيانا ضرب الخلايا نفسها. أمس وردت تقارير عن مصابين فلسطينيين بنار الجيش الإسرائيلي الموجهة للخلايا، ولكن في هذه الأثناء، بدون سقوط خسائر كثيرة فإن هذه الحرب تعدّ حرب استنزاف وليس مواجهة آخذة في التصعيد. يستعد الجيش الإسرائيلي لأكثر من ذلك؛ فالبطاريات وسط البلاد استهدفت الاستعداد للتصعيد، ومقابل ذلك يتم استغلال مناورات واسعة تم تحديدها مسبقًا من أجل إظهار استعداد القوات البرية للمواجهة.
لقد تم القول للوزراء بأن حماس نقلت طلبات يائسة تقريبًا لوقف إطلاق النار في يوم السبت، وهذه الأقوال مشجعة، لكنهم في الكابنت ما زالوا يذكرون ما حدث في عملية «الجرف الصامد» في صيف 2014م. في حينه قالت الاستخبارات المرة تلو الأخرى بأن حماس معنية بوقف القتال، ولكن هذا الافتراض تبدد، وحماس صممت على مواصلة القتال لمدة (51) يومًا.
على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي يوضح بأن حماس فوجئت من قوة الهجمات في نهاية الأسبوع وتوقيتها، فمن المشكوك فيه أن ذلك كان كافيًا من أجل التوصل إلى وقف طويل لإطلاق النار. الوضع الاقتصادي والبنى التحتية المدنية في القطاع أكثر خطورة من أن تسمح لحماس بالتسليم بالوضع الراهن. أحداث الأشهر الأخيرة تدل على أن قيادة حماس في القطاع مستعدة للمخاطرة من أجل إحداث تغيير في الوضع حتى لو أن خطواتها أدت بالطرفين إلى اقتراب خطير من المعركة.
من أجل التوصل إلى اتفاق طويل المدى لوقف إطلاق النار مطلوب الاتفاق على تسهيلات إنسانية هامة في القطاع. هنا كما سبق وكتب في السابق، قد تقف مسألة جثث الجنود والمفقودين الإسرائيليين في غزة كعقبة، فإسرائيل لن تقدم التسهيلات التي تريدها حماس دون إحداث اختراق في هذه المسألة، وحماس ليست مستعدة للتباحث في ذلك دون أن تطلق إسرائيل سراح عدد من السجناء الفلسطينيين أكبر مما هي مستعدة للقيام به الآن (عقبة أخرى تتعلق بسلوك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي هو غير مستعد للمشاركة في أي مشروع جدي للبنى التحتية في قطاع غزة).
كالعادة في نظر غزة، فإن من يعض ذيل رئيس الحكومة هو الوزير بينيت. أمس عرض بينيت على الكابنت ما وصف كاقتراح مفصل لـ «علاج جذري» لحماس، استنادًا إلى سلسلة وسائل عسكرية، سياسية ومدنية. وزيران تجادلا معه، وبينيت اتهم بالانهزامية بسبب أحد عناصر خطته. التوتر في الكابنت وفي الحكومة مثلما كان الأمر عشية الجرف الصامد، مكشوف.
اليمين يتحدى نتنياهو، وهو تحت ضغط مستمر من قبل وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، من أجل العمل بقوة أكبر ضد حماس. ولكن رئيس الحكومة أيضًا على وعي للصورة الحقيقية في غزة: لا توجد حلول سهلة ولا يوجد انتصار سريع ليست فيه آلام وليس له ثمن ينتظر الجيش الإسرائيلي. في الوقت الحالي يبدو أنه يتمسك بافتراضاته الأساسية، وهذا من الأفضل لإسرائيل، فحماس ضعيفة وخائفة على مواجهة واسعة لا تضمن نتائج أفضل. قدرة نتنياهو على الصمود والامتناع عن الحرب متعلقة في المقام الأول بمسألة هل ستكون ضحايا إسرائيلية نتيجة الاحتكاك المستمر على طول الحدود.
الدراما في غزة، وانتهاء المونديال أيضًا يبعدان عن العناوين ما يجري في الجبهة الشمالية. أول أمس، بدأ جيش الأسد بهجوم مدفعي ثقيل على منظمات المتمردين في هضبة الجولان السورية على بعد بضع عشرات من الكيلومترات شرق الحدود مع إسرائيل. مواطنون إسرائيليون في هضبة الجولان قالوا إن بيوتهم اهتزت، هذه المرة بسبب قوة القصف وليس نتيجة هزة أرضية. اليوم سيناقش الرئيس ترامب والرئيس بوتين مستقبل سوريا أيضًا في لقاء القمة الذي سيعقد في هلسنكي. ولكن على الأرض، فإن النظام السوري استعد لإعادة سيطرته بالقوة على معاقل المتمردين في هضبة الجولان السورية.
هآرتس 16/7/2018