الطقس حار في مدينة البصرة، فظهر أمس سجلت فيها (46) درجة مئوية، وما زالت ذروة الصيف أمامها. أحيانا ترتفع الحرارة إلى (50) درجة وربما أكثر، وكذلك الرطوبة بدأت في الارتفاع، وفي الوقت نفسه تخلق عناصر الطبيعة واقعًا يغلي لا يمكن التعايش معه.
الأعصاب تغلي، وبشكل خاص عندما تنقطع الكهرباء في أوقات غير متوقعة. المكيفات والثلاجات تتوقف عن العمل، والأولاد لا يذهبون إلى المدارس بسبب العطلة، آباء كثيرون يظلون في البيت لأنه لا عمل لهم، والغضب الذي تراكم خلال السنة ينفجر نحو الخارج كحمم ملتهبة.
قبل أكثر من أسبوع تجري كل يوم تظاهرات صاخبة في شوارع مدينة البصرة وفي المدن المجاورة في المحافظة الأكثر ثراء في العراق. المئات أصيبوا في المواجهات مع قوات الامن ومع رجال الحراسة لشركات النفط، (9) أشخاص قتلوا، ولا يبدو في هذه الاثناء أن الحرارة الشديدة تنجح في إبقاء المتظاهرين في منازلهم.
نحو (70) في المئة من إجمالي النفط العراقي يتم استخراجه من محافظات الجنوب، وبالأساس حول مدينة البصرة. ويبدو لم يكن من الضروري وجود سبب لغضب المليوني مواطن من سكان المحافظة والمدينة.
مليارات الدولارات التي تسحبها الشركات الدولية في كل سنة من حقول النفط الغنية كان يجب أن تملأ جيوبهم وتوفر لهم خدمات حضرية من الدرجة الأولى، وأن تمكنهم من العيش حتى بدون مكان عمل منظم، وأن يتمتعوا من ثمار الاحتلال الأمريكي الذي حرر المحافظة الشيعية من السيطرة الفظيعة لصدام حسين قبل (15) سنة. ولكن تبين لهؤلاء المواطنين أن كثيرين منهم شاركوا في السابق في التمرد ضد صدام حسين، وقبل أربع سنوات أيضًا تجندوا للحرب ضد داعش، ثم تبين لهم أن النفط ليس لهم في الحقيقة.
صحيح أن مداخيل النفط تحصل عليها الحكومة العراقية، ولكن أماكن العمل المطلوبة في شركات التنقيب الأجنبية يحتلها نحو (50) ألف عامل أجنبي في منطقة البصرة وحدها، حيث يتوقع أن تصل رواتبهم إلى أكثر من (3) آلاف دولار شهريًا، وهؤلاء ليسوا الرابحين الوحيدين من النفط العراقي، فحسب تقارير في وسائل الإعلام العراقية «الشركاء الأساسيون في الأرباح هم رؤساء القبائل الذين يتوفر النفط في أراضيهم».
اعتادت الحكومة العراقية في السابق على الدفع لرؤساء القبائل هؤلاء كنوع من التعويض عن استخدام الأرض، وتلزم شركات النفط بذلك. لكن رؤساء القبائل أدركوا بسرعة أنه يجدر بهم التوجه مباشرة إلى شركات النفط ومطالبتها بالتعويض. الشركات التي لم تدفع تلقت التهديدات، وقد تم إحراق سيارات عمالها، والعصابات التي عملت وتعمل تحت إمرة رؤساء القبائل لم تتردد في قتل العمال من أجل نقل رسالة عندما لم تكف التهديدات.
التقدير غير المؤكد هو أن شركات النفط دفعت أكثر من (10)0 مليون دولار لرؤساء القبائل مقابل «الاستخدام»، وهذه الدفعات آخذة في التزايد. هذا الرزق الوفير أثار بطبيعة الحال نزاعات بين القبائل وعداء عنيفًا بين العصابات التي حولت البصرة إلى أحد الأماكن الأقل أمنًا في الدولة، وليس بسبب عدو خارجي.
أربع جامعات تعمل في البصرة، لكن ما من أماكن عمل لخريجيها، لا في شركات النفط ولا في المكاتب الحكومية التي جمدت قبول عمال أجانب كجزء من جهود تقليص ديون الحكومة الكبيرة. هكذا، فإن المهندسين الذين كان يمكنهم العمل في شركات النفط يعملون سائقين، أو يقومون بفتح أكشاك ومطاعم صغيرة لكسب الرزق. حسب أقوال المواطنين «من يرد مكان عمل فعليه الانضمام إلى مليشيا من المليشيات المسلحة التي تعمل كجيش خاص لأحزاب سياسية دينية أو الانضمام كعضو في أحد هذه الأحزاب».
العراق الموجود على رأس قائمة الدول الفاسدة في العالم، كان يمكن توفير احتياجاته واحتياجات دول أخرى لولا ذهاب مليارات الدولارات إلى جيوب خاصة. مثلاً، الحكومات استثمرت نحو (40) مليار دولار لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء والماء منذ العام 2004م، لكن هذا كان استثمارًا على الورق فقط. السكان في البصرة، مثلاً، يجب عليهم شراء المياه الصالحة للشرب من صهاريج تحصل على سعر كبير عن كل لتر ماء. والشرارة التي أشعلت التظاهرات الحالية كانت متعلقة بالمياه: شجار بين شاب من سكان قرية في شمال البصرة وصاحب صهريج للمياه حصل على ثمن مرتفع حسب رأي الشاب. الشجار المحلي تطور إلى عداء بين القبائل ومنها نزل إلى الشوارع.
المشكلة الأخرى هي أنه بعد شهرين من الانتخابات العامة، ما من حكومة تؤدي دورها في العراق. مؤخرًا فقط انتهى الفرز اليدوي لأصوات الناخبين في عدد من المحافظات بعد ادعاءات قوية بالتزوير، والآن تجري مفاوضات متشددة بين الكتل السياسية والطوائف الدينية والعرقية من أجل تشكيل حكومة متفق عليها.
الكتلة التي فازت بأغلبية الاصوات ـ لكن ليس بأغلبية مطلوبة لتشكيل الحكومة ـ هي التي يترأسها الانفصالي الشيعي مقتدى الصدر الذي يصف نفسه راعيًا للفقراء. الصدر أشعل في بداية هذه السنة تظاهرات كبيرة أمام المكاتب الحكومية، وترأس أيضًا التظاهرات التي جرت في صيف 2015م وقبل ذلك في صيف 2010م.
الصدر يؤيد ترشح حيدر العبادي رئيس الحكومة الحالي لمنصب رئيس الحكومة القادمة، ولكنه يطلب منه الاستقالة من حزب الدعوة من أجل أن يسحب من الحزب الذي فيه أيضًا رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، احتكار السلطة. ثمة أجندة خاصة للأكراد والأقلية السنة، واستعدادهم للانضمام لأحدى الكتل الشيعية ـ بهذا يمنحونها القوة لتشكيل الحكومة ـ مشروط بتوزيع الحقائب الوزارية ومنافع من شأن الحصول عليها أن يمس بقدرة الحكومة الجديدة على البقاء أو الأداء عندما يتم تشكيلها. العبادي وعد في هذا الأسبوع بتخصيص (3.5) مليار دولار لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء والمياه في محافظة البصرة، وخلق آلاف أماكن العمل، لكن السكان الذين لا يثقون بالنظام لا تكفيهم الوعود، فهم يشكّون وبحق في أن هذه المخصصات ستصب في جيوب أصحاب المصالح والمقربين الذين لم يهتموا باحتياجات المحافظة.
لا يوجد لدى العبادي في هذه الأثناء حل سحري يمكن أن يرضي سكان الجنوب، وهو يقوم بتشغيل الجيش والشرطة، ويقطع خطوط الهواتف والإنترنت، ويفرض حظر التجول على البصرة في الليل ويعتقل آلاف المواطنين من أجل محاولة تهدئة المدينة وتمكين شركات النفط من مواصلة عملها. كالعادة من يؤيدونه يتهمون أيضًا جهات أجنبية مثل السعودية وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بإشعال التظاهرات، لكن لا يبدو أن المتظاهرين يصدقون هذه التفسيرات. هم يستندون بالتحديد إلى اًقوال المفتي الديني الكبير في العراق علي السيستاني الذي ينتقد الحكومة على ضعفها وعدائها للمواطنين ويطالب بحل فوري ومناسب.
يصعب الحديث عن تهديد استقرار النظام الذي يتعرض له بسبب هذه التظاهرات، فلا يوجد في الحقيقة نظام يمكن ضعضعته في هذه الأثناء. الوسيلة الوحيدة هي ضخ ملايين الدولارات بشكل مباشر للبصرة ولسكانها من أجل تهدئة الأزمة الاقتصادية الصعبة على الأقل، إلا أن دين العراق الخارجي يبلغ أكثر من (112) مليار دولار، منها مليار دولار لإيران، التي قطعت هذا الشهر تزويد العراق بالكهرباء بسبب عدم الإيفاء باتفاق الدفع الذي وقعت عليه في السنة الماضية بعد أن قطعت في حينه التيار الإيراني بسبب دين يبلغ ملياري دولار. إذن بقي أن ننتظر شهر أيلول الذي تبدأ فيه درجات الحرارة بالانخفاض من أجل أن ينخفض معها مستوى الغضب.
هآرتس 17/7/2018