الانتقال إلى عالم اللاقطبية

حجم الخط
0

لا يذكر المشهد السياسي الرّاهن بحقبة انتقال العالم من نظام دولي ثنائي القطب إلى نظام تستفرد فيه الولايات المتحدة الأمريكية بالقوة المطلقة بلا منازع، إلا أننا مع ذلك نعيش نفس الضجيج الذي رافق ‘تغيّر موازين القوى من حولنا، وحمل معه اعتبارات جديدة، لا تشبه أربعين عاماً تفاعلت فيها الحروب والأيديولوجيا في الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، اليوم تشهد الولايات المتحدة الأمريكية انحساراً في قدرتها على الهيمنة، إلا أنّ ظهور عناصر جديدة إلى السطح أدى لنشوء هيكلية مستجدة، لم يعُد فيها امتلاك أهم التكنولوجيا وأقوى الأسلحة وأكثرها فتكاً في العالم هو المحدّد لاحتكار القوة، وقد أثبت الرئيس بوش الابن هذا المفهوم بنفسه، في حربين أدتا لتكلفة هائلة بالنسبة للولايات المتحدة اقتصادياً ومعنوياً ودبلوماسياً، لقد استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تخرّب مشروع جورج بوش بإعادة بناء وجه دول الشرق الأوسط من دول ديكتاتورية إلى ديمقراطيات تستنسخ الرؤية الأمريكية بضربة واحدة، لم تقم إيران بذلك اعتماداً على جيوشها النظامية ولا أنظمتها الصاروخية المباشرة، وإنما قامت بذلك اعتماداً على فهمها وخبرتها الطويلة في المنطقة، إضافةً لاستثمارها لميليشيات محليّة غير نظامية، لم تُهزم الولايات المتحدة عسكرياً بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن الفهم المطلق للقطبية الواحدة لم يعُد كما كان في السابق، ولم تَعُد واشنطن محور صناعة السياسات، كما لم يَعُد الاعتماد على استراتيجيتها مطلقاً، ونفّرت سياسة الجمهوريين الجافة حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين، منذ تم إطلاق جملة بوش الشهيرة ‘من ليس معنا فهو ضدنا’.’اليوم وقد تفاقمت تداعيات هذا التبدل العميق في العلاقات الدولية ما بعد 11 ايلول/سبتمبر2001، يبدو وكأن الولايات المتحدة نفسها لم تَعُد تؤمن بجدوى دورها في العالم، ولا يمكن فهم الأمر بناء على مفردات التركيز على الوضع الداخلي، أو الأزمة الاقتصادية، على الرغم من أهميتها البالغة، حيث لم تشهد أمريكا منذ استقلالها انفصالاً عن التأثير في المجريات السياسية الدولية، وقد تم افتراض مركزيتها في صناعة القرار والمبادرة بشكل كثيف، أدى لتأسيس مفاهيم دولية اعتماداً على الدور الأمريكي وقدرته على فرض التوازن الدولي.’
يؤسس المشهد السياسي اليوم لعهد جديد يبدو أنه ليس عالما متعدد الأقطاب وإنما هو عالم اللاقطبية، ففي عالم متعدد الأقطاب، من الممكن للدول العظمى فيه أن تكوّن رؤى متقاربة إلى حدٍّ ما لتجنّب المآلات السلبية الناجمة عن النزاعات بينها، لكنّ أفول القوة العظمى ترافق مع ارتفاع عدد المجاهيل في المعادلة الدولية، ما ادى لتجاوز دور الدول كقوى مؤثرة وغياب اليد التي تُمسك بخيوط اللاعبين وأهدافهم، كما أنّ القوة لم تعُد محصورة بالدول العظمى التقليدية، إلا أنّ اللاعبين الإقليميين وإن كانوا خارجين عن منظومة الدول المتقدمة التي تحاول فرض أجنداتها ومصالحها، باتت أيضاً تستطيع تحدّي القوى الدولية التقليدية ولعب دور جوهري في توجيه الساحة السياسية على هواها، كما تلعب المنظمات اللاحكومية’دوراً محورياً في قدرتها على التوجيه والتأثير في الرأي العام وتعامله مع المنطق والمفاهيم السياسية، التي يعتبر من الصّعب تلمّس أجندتها الفعلية أو الجهة التي تقوم بدعمها. من جهة أخرى ترتفع أهمية دور الميليشيات المسلحة أمام الجيوش النظامية، بل إنها تتحداها في الكثير من الأحيان، فمواجهات الدول لم تَعُد مواجهات للجيوش، وإنما باتت مواجهة باسلحة وأدوات لامتناظرة تُحدث ارتباكاً أكبر في استراتيجية الرّد، كما أنها تخلق كائنات شاذة لا يمكن التحكم بها بعد انتهاء دورها. على سبيل المثال دعمت الولايات المتحدة طالبان في أفغانستان لمواجهة الامتداد الشيوعي، ومن ثم خرج التنظيم من يدها ليؤسس مشروعاً خاصاً به يتناقض لحدّ بعيد مع المشروع الأمريكي. كما تسببت حدّة الاستقطاب الديني في ذلك الوقت بانتشار كبير للجهاديين الذين لم يعُد لهم مكان في العالم الجديد الذي لا يعرفون عنه شيئاً، ولا يفهمون لماذا بات آمناً فقط لأفول نجم الشيوعية، بالتالي انتقلت مشكلة دول الشرق الأوسط، وبشكل خاص الدول العربية من استراتيجية دول حليفة للولايات المتحدة تحاول التخلص من الأيديولوجيا الشيوعية وخطر هيمنة الاتحاد السوفييتي، إلى البحث وحتى الآن عن استراتيجية تمكنها من التعامل مع مشكلة الفكر الجهادي والحدّ من انتشاره، أو على الأقل رفع القدرة على إدارته، بحيث يبقى أداة تأثير فلا يخرج عن السيطرة، إلا أنّ الأفكار القومية والأيديولوجيات الحديثة تختلف عن الأيديولوجيا المستقاة من الدين، فالأولى تتبناها الدول، بينما الأخيرة يتبناها الأشخاص ومن الصعب تبديلها لارتباطها باللاملموس والأبد، وخطورة النقاش فيها من حيث أنّ أي نقاش هو كُفر.
انّ افتراض انحسار الولايات المتحدة كقوة وحيدة في العالم لا يعني بأي حال من الأحوال أنها لم تعُد أقوى دولة في العالم، إلا أنّ التوصيف الدقيق لهذا القول هو تراجع قدرتها على فرض استراتيجيتها، بسبب مفاعيل اخرى باتت تستطيع التأثير وفرض حلولها البديلة، وتواجه منطقة الشرق الأوسط الحصّة الأكبر من نتائج هذه اللحظة التاريخية، فهي تمرّ بانعطاف حادّ سيؤدي لإعادة ترتيب المنطقة وإعادة صياغة عقدها الاجتماعي والسياسي. وفي حالة الغياب الراهنة للقوة المهيمنة تتهدَّد المنطقة بانكشافها على الصراعات الإقليمية، بحيث لا تستقر أي سياسة لأي من الأجندات المتنازعة، فإيران لن تُعيد سورية للعرب، ولن تترك الاستثمار الطويل الذي وضعته في نظام الأسد أو حزب الله اللبناني. كما أنّ المملكة العربية السعودية لن تترك العراق للهيمنة الإيرانية، وستستمر بتقويض أي محاولة لإرساء دعائمها فيه كدولة تابعة. كما لن تسمح دول مجلس التعاون أيضاً لإيران بتحريف المشهد البحريني لمصلحتها ومحاولة استخدامه كنقطة ضعف في قلب الخليج العربي.
اليوم يراهن الجميع بكل ما لديهم ولا يوجد اي سقف أو حدّ أعلى للمراهنة في غياب مراقب اللعبة، وتغاضي كاميرات المراقبة عن أي عملية غشّ أو تدليس قد يقوم بها أحد الأطراف لتغيير موازين القوى لمصلحته.’
لا نستطيع القول انّ الرئيس باراك أوباما هو وحده المسؤول عن تراجع الدور الأمريكي، فلا بدّ من الاعتراف انّ هذا التراجع هو حتميّة تاريخية لا بدّ منها، فالامبراطوريات تزدهر وتهمين ثم تتراجع بعد أن تستنفد نفسها أمام قوى صاعدة جديدة، لكنّ القوة الأمريكية قد تراجعت بأسرع مما تصوره كثيرون، فمنذ نهاية الحرب الباردة وحتى اليوم مرّ حوالى العشرين عاماً فقط، وهو فترة ضئيلة مقارنة بما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية من مقومات القوة العظمى، كما أنها أفلتت كلّ خيوط اللعبة دفعة واحدة، فلو كانت تحاول اختراع استراتيجية تخلّصها من أعبائها في المنطقة فهي تغامر باستقرار بقعة واسعة من العالم قد تؤول للصوملة، أما لو كان هدف السياسة الأوباموية الجديدة هو التخلّي المطلق عن الشرق وتركه للتآكل تحت الهيمنة الإيرانية، مقابل تخليها عن برنامجها النووي فهو حساب آخر يعود للعرب وحدهم قرار مواجهته وتحدّيه.
بالنتيجة لا يمكن للعرب أن يتركوا أراضيهم لتصفية الحسابات أو لتفريغ كل الجوانب السلبية عند كل لحظة تاريخية يمرّ بها العالم، فقد تركت لنا الحرب الباردة ديكتاتوريات مغلقة، أدت لتدمير دول كاملة نتيجة لآثارها التخريبية على بنية المجتمع والناس والأفكار، كما حمل لنا عالم القطبية الواحدة حرب العراق وصعود الهيمنة الإيرانية على سورية ولبنان، فما الذي سيحمله لنا يا ترى عالم اللاقطبية؟

‘ باحثة مشاركة في مركز الشرق للبحوث- دبي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية