‘السيكوسوماتيكس’ هل هو مجرد طب تكميلي أم انه طب بديل؟

حجم الخط
4

لعل أقرب ترجمة عربية لمفهوم ‘السيكوسوماتيكس’ هي علم العوامل النفسية الجسدية، وبما أنني أقوم بتدريسه، وقد قمت الأسبوع الماضي تحديداً بإلقاء محاضرة عامة حوله في جامعة تكساس A&M قطر هنا بالدوحة (الاثنين 21 تشرين الأولأكتوبر) بدعوة من ‘دائرة الفنون المتحررة’، وقد لاحظت أن كثيراً من الحضور الاوروبي والأمريكي خاصةً، متعطش لمعرفة ماهية هذا التخصص، بدليل كثافة الحضور وحجم طرح الأسئلة. وهو بالمناسبة أوسع وأعمق من الطب النفسي الذي يُعنى بالمشاعر الإنسانية إيجابية أو سلبية فقط، أما هذا العلم فهو يُعنى بتأثير المشاعر على الجوانب الجسدية والعقلية، كما سيتضح. فعلى سبيل المثال الشخص الذي يتناول غذاء صحيا فإن هذا الغذاء لا يفيد الجسم، إذا كان الشخص حاقداً أو به مرارة، أو أنه يمارس رياضة الجري مثلاً ولا يرد التحية إذا حياه أحد ولا يبتسم، فالرياضة لا تكون ناجعة وهكذا.
لو تلاحظون أن المصافحة باليد تستطيع أن تخبرك إنْ كان الشخص الذي يصافحك يودك أو لا، وحتى أحيانا يمكن أن تخبرك بدرجة الود أو عدمه. في بعض الأقطار العربية مثل السودان وسورية وبلدان الخليج، الناس يحيون بعضهم بعبارة ‘شلونك أو شلون صحتك؟’ وهي تحية علمية في المطلق وفي صلب (علم العوامل النفسية الجسدسة)، لأن لون أعضاء المرء الخارجية كالوجه والشفتين والجلد والعينين وغيرها، تحددها صحة أعضائه الداخلية كالكبد والكليتين والدم والقلب وغيرها.
وثمة مثال آخر، إذا كان هناك شخص في مقهى مثلاً، وطلب فنجان قهوة بأدب جم من المضيفة (وهي اللفظة المهذبة وليست النادلة أو الجرسونة) ومغلف بابتسامة عفوية، فإن المضيفة ستحضر له القهوة ذاتها التي تحضرها لغيره (ممن ليسوا في مستواه الراقي) غير أنه يتناول مع القهوة مشاعر المضيفة التي تمر في لمسة يدها لفنجان القهوة ومن منظور علم العوامل النفسية الجسدية، يكون تأثير القهوة أو أي شيء آخر إيجابيا عقليا وجسديا ونفسيا، أكثر من تأثير القهوة نفسها لدى شخص آخر.
حسب اعتراف الأطباء الجسديين أوالفيزيولوجيين فإن زهاء 80-85′ من أمراض الجسد البشري نفسية جسدية psychosomatically, related غير أننا نحن المعنيين بالبحث فيه وتدريسه نقول، إن العوامل الجسدية النفسية، يمكن أن تكون أحيانا عوامل أساسية للإصابة بالمرض الجسدي، ويمكن أن تكون ثانوية والعكس صحيح. طبعاً ليس من الواقع أن نقلل من أهمية العوامل الجسدية كعادات الأكل غير الصحية وقلة ممارسة التمارين الرياضية، بَيْدَ أن العوامل الجسدية النفسية كالحقد والحسد والمرارة وفقد الأعصاب، هي طاقات مدمرة من غير صخب في أغلب الأحوال. فمثلاً الأمراض الناتجة عن تدهور الدماغ، مثل الزهايمر والباركنسون ليست أسبابها فيزيولوجية فحسب، وإنما جسدية نفسية، مثل الضغوطات العائلية والوظيفية والاقتصادية والسياسية والمشاعر السلبية التي ذكرناها للتو، والتعلق بذكريات سيئة من الماضي وغيرها.
صحيح أن الأطباء البريطانيين مؤخراً توصلوا إلى عقار كيميائي يوقف تدهور الدماغ، إلا أن المطلوب بالتزامن هو عقار كيميائي جسدي نفسي كالتخلص من العوامل التي تسبب الضغوطات والمشاعر السلبية المدمرة .
الإنسان يُدار من الدماغ، وباقي أعضائه الداخلية والخارجية مجرد أدوات توصيل أو سعاة بريد، ولذلك فإن أركان علم العوامل الجسدية النفسية ثلاثة: عقل سليم + مشاعر سليمة = جسد سليم.
من منظور علم العوامل النفسية الجسدية أن الأعراض لأي مرض كالسرطان مثلاً لا تتضح للمصاب به إلا بعد التشخيص، وعليه فإن هذا العلم يؤكد على حقيقة فطرية بشرية، وهي أن الخوف من السرطان مثلاً أشد خطرأً من الإصابة فعلاً بالسرطان. فمثلاً ما يقدر بـ75′ من القرود في افريقيا مصابة بالإيدز ولأنها لا تعرف فالأعراض غير ظاهرة عليها ونجدها تقفز من شجرة إلى شجرة وتمارس مناشطها بحرية مطلقة. ولذلك أدعو دائما إلى أن يكون المرء إيجابيا في تفكيره وكلامه ومشاعره
لأن الإنسان بشكل رئيس مصمم لكي يفرز طاقتين: إيجابية بناءة، وسلبية مدمرة. وبما أنه لا بد من ذلك فعلى المرء أن يفرز طاقة إيجابية باستمرار ويتذكر أمراً مهما، ألا وهو أن الذي لديه الكثير من المال سيموت، والذي ليس لديه إلا القليل سيموت أيضاً، وربما كما تثبت كثير من الدراسات أن الذين يموتون مبكراً غالبا ما يكونون من الموسرين، وأن كثيراً من المعدمين غالباً ما يعيشون حيناً من الدهر. وسبب الإتيان بهذا المثال هو أن الكثيرين نتيجة ضعف بشري يمكن تفهمه يحسدون الأثرياء، مما ينتج عنه المشاعر السلبية كالحقد، التي يتطور بعضها إلى أفعال عنيفة.
إذن يمكن تعريف مفهوم الشخص السليم أو الصحي (نفسيا جسديا) أنه الذي يوازن بين العوامل النفسية الجسدية التي يمكن تلخيصها في الإيجابية، والعوامل الفيزيولوجية المتمثلة في عادات الأكل والحياة السليمة. الإنسان بطبعه يولد بتطبيقات هذا العلم من غير أن يدري في الغالب. فالجنين في رحم أمه يتلقى العوامل الفيزيولوجية الخاصة كالتغذية التي يحصل عليها عن طريق أمه، والأهم أنه يكتسب وهو في داخل الرحم بدءاُ من الشهر الثالث على الأرجح العوامل النفسية الجسدية إيجابية كانت أو سلبية (التنشئة الداخلية). ونأخذ مثالاً آخر الأطفال فهم إلى سن معينة يبتسمون للجميع ويلوحون للجميع ويتجاوبون معهم، غير أن المجتمع في ما بعد يغيرهم فنجد كثيراً من الناس يكتسبون من مجتمعهم الاتجاهات النابعة من مشاعر سلبية في التعامل مع الآخرين كالعنصرية.

‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية