ما الذي كان لنا في لقاء ترامب ـ بوتين في سياق إسرائيل وهضبة الجولان حسب التصريحات العلنية؟ أولًا، كلاهما تحدث عن أمن إسرائيل كموضوع مركزي، بل سار ترامب بعيدًا في حديثه في المقابلة الصحافية عن «شيء ما قوي» في صالح إسرائيل. وثانيًا، تحدث بوتين عن أمن إسرائيل بمعنى «عودة إلى الوضع الذي كان في العام 1974م، أي اتفاق فصل القوات. وهذا سيؤدي إلى السلام والعلاقات الهادئة بين إسرائيل وسوريا، وسيساعد أمن إسرائيل.
هذا عمليًا هو موقف نتنياهو وموقف حكومة إسرائيل، وبوتين يقبله حرفيًا. فما الغرو أنهم في القدس قد ذابوا فرحًا؟ برأيي ليس هذا في قول بوتين، الذي يقبل به ترامب بالطبع، أي بشرى، أي شيء. يعطوننا هدية عديمة القيمة هي على أي حال موجودة لدينا، فهل طرح أحد ما للحظة واحدة في الساحة الإقليمية أو العالمية فكرة ألا ينفذ السوريون الاتفاق؟ هل كان ثمة مثل هذا التهديد المزعوم؟ هل تحتاج إسرائيل إلى أن يضمنوا لها ألا يدخل الجيش السوري المسكين إلى منطقة الفصل؟ ألا يدخل إلى منطقة تخفيف القوات عدد من الدبابات أكثر مما كان مسموحًا له حسب اتفاق الفصل؟ هل توجد لنا على الإطلاق مشكلة مع هذا الجيش الذي قام بكل «انتصاراته» في جنوب سوريا نيابة عن الروس، وهم الذين تفاوضوا مع الثوار في كل قرية وقرية؟
لا توجد لنا أي مشكلة مع الجيش السوري النظامي، مشكلتنا هي مشكلة الإرهاب المحتمل من هضبة الجولان الذي سيمارسه حزب الله، والميليشيات الشيعية وأمثالهما، بينما هو مموه، وكله برعاية إيران.
لو أن قول بوتين رافقه قول يفيد بأنه من أجل أمن إسرائيل «لن أسلم بأي فعل إرهابي وتآمري من هضبة الجولان» ـ لقلنا كفى. يمكن بالطبع أن نفسر أقوال بوتين عن «العودة إلى الوضع الذي كان في 1947م» كوضع لم يكن فيه في هضبة الجولان إلا الجيش السوري، وليس حزب الله، إيران وميليشياتها. إذن، وبطريق غير مباشر، فإن بوتين يقول إنه ليس في هضبة الجولان مكان لأي جهة عسكرية إلا الجيش السوري. ولكن لنفترض شيئًا كهذا، فمن هي الجهة التي ستفحص هذا وتتأكد ضمان خلو هضبة الجولان من خلايا إرهاب وتآمر إيراني؟ الروس بالطبع سيضمنون لنا بأن الجيش السوري وحده هو الذي سيكون في هضبة الجولان، ولا ذرة لإيران فيها، ولكن من سيفحص ويؤكد ذلك بشكل دائم، على مدى الزمن؟ عندما كان الحديث يدور عن اتفاق الفصل في هضبة الجولان في 1974م، تقرر جسم خاص مهمته فحص التزام الجيش السوري والجيش الإسرائيلي بالاتفاق. فمن سيفحص الآن؟ فما من جيش سوري، بل عشرات القرى في هضبة الجولان، وخلايا الإرهاب التي ستتمترس هناك. هضبة الجولان السورية من شأنها أن تصبح ساحة إرهاب، وإيران التآمرية، النشطة، ستحرص على ذلك. ولرغبتها بعدم توريط حزب الله في أعمال من لبنان، ستكون لها مصلحة خاصة للعمل من هضبة الجولان السورية.
نحن الآن بالساحة السورية في فترة تصميمية للحدود؛ ففي هذه الأيام يجري تصميم حدود سوريا مع الأردن على طوله باستثناء منطقة جنوب ـ جنوب هضبة الجولان السورية، حيث لا تزال قوة من داعش. أما الحدود بين إسرائيل ـ سوريا (حين يكون مثابة اعتراف من القوى العظمى بحكم اأامر الواقع بأن هضبة الجولان هي أرض دولة إسرائيل) فتوشك على أن تصمم قريبًا. وإذا لم نتمكن في أثناء تصميمه القريب من خلق وضع يكون فيه حظر من القوى العظمى على التواجد في هضبة الجولان لكل جهة ترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بإيران، فسيكون من الصعب جدًا تغيير الوضع في المستقبل.
معاريف 19/7/2018