شَمَنَدَرُ شوبنهاور… إرادة الحياة وهشاشة فكرتها

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: تُعَدُّ مقولةُ «الإرادة» المحوَرَ الذي انعقدتْ حوله فلسفةُ الألماني أرتور شوبنهاور (1788-1860)، فالإرادة بالنسبة إليه «هي جوهرُ الإنسان بينما الفكرُ هو العارِضُ فيه. وهي مادّة ذاك الإنسانِ، والفكر هو شكل تلك المادّة؛ وهي حرارة الحياة الإنسانية في حين يمثّل الفكرُ النورَ الذي يتولّد منها» (شوبنهاور: ميتافيزيقا الحب)، ومن ثمَّ، سيكتفي الفكر، على حدِّ رأي هذا الفيلسوف، بوظيفة خدمةِ الإرادة، بل سيكون أداتَها الطيّعةَ. فالعبقريّة مثلا «إذا لم تكن مرتبطة بإرادة متدفِّقة فسيُواجه صاحبُها رغباته العنيفة، سيواجه نزوعَه العاطفيَّ المتحمِّسَ في اتحادِه بفِكرٍ ضعيفٍ، يعني بدماغ صغيرٍ وغير مُمتَثِلٍ داخل جمجمة سميكة، وهذه ظاهرة شائعة ومثيرة للاشمئزاز في الآن نفسه. ولا يمكنني، يقول شوبنهاور، أن أقارن مثل هذا الاختلال إلاّ بحالة نبتة الشمندر» (شوبنهاور: العالم إرادة وفكر). فما هي إذن دلالةُ تشبيهِ شوبنهاور علاقةَ الإرادةِ والفكرِ بالشَّمَنْدر؟

الشَّمَندَرِيّون

في مقالة بعنوان «شمندر شوبنهاور» يسعى المتفلسف أدريان أدولفوس إلى تنزيل تشبيه شوبنهاور للإرادة والفكر بجِذْرِ الشمندر وأوراقه منازلَ واقعيّة. فالشمندر (أو البنجر أو الباربة أو اللِّفْت) هو، عند شوبنهاور، الصورةُ التي يُسعفنا بها العالَم النباتيّ للتعبير عن الفجوة الكائنة بين الإرادة والفكر؛ فلئن كان شكلُ جِذْرِ الشمندر يرمز مجازيا إلى الإرادة فإن أوراقه النحيلة والضعيفة تُحيلُ على الفِكْرِ. وصورةُ ذلك أنّ هناك من ناحية أولى «ليبيدو» فيه إرادة مُتْرَعة بالرّغبة، يُعبِّرُ عنها شكل الجذر وذهابه إلى العمق، ومن ناحية ثانية هناك أوراق ذابلة مُحيلة إلى قدرة محدودة على تمثل العالم وفهمه. وعليه، فإنّ الغايات والدوافع (وهي هنا من عمل الفكر) القادرة على قيادة الإرادة وتأطيرها توصف لدى شوبنهاور بكونها «خرقاء» و«تافهة» كأوراق الشمندر. ولا تُحيلُ صفةُ «التفاهة» على معنى تقنيٍّ وحسب، وإنما هي تنفتح بدَلالاتها على معيش الإنسانِ. فالتافه الشوبنهاوري هو ذاك الذي لا يتمكّن من معرفة الواقع بعقلانية، فلا يقدر على ربط علاقات وجيهة بين المفاهيم من حوله، ولذلك كثيرا ما يخطئ تقدير تلك المفاهيم، ويعيش بسبب ذلك سجينَ التبسيطات والاطمئنان إلى السّراب.
يعيش الشخص السّاذج ضحالة فكرية معيّنة، وهي ضحالة يتجلّى تعبيرُها الضعيفُ في نوعية المواضيع التي تقترحها على الإرادة. وباختصار، سوف ينتفض جِذْرُ الشمندر ويُحرِّك السماءَ والأرضَ من أجل إنجاز مشروعٍ قاعدتُه الفكرية ضعيفةٌ جدا. ويمكن أن يكون هذا المستوى الفكري الضعيف نتيجةً لسوء فهم المفاهيم ولسوء تطبيقها في الآن ذاته.
غير أن تشبيه شوبنهاور يظل مُجرَّدا بعضَ الشيء ويحتاج منّا إلى شرحٍ. فمَنْ الذي يمتلك في عالمنا الغربي إرادةً قويةً مع دوافع فكريّة متواضعة؟ بإمكاننا اتخاذ مثال لن يعترض عليه أحد وأقصد به المُقاوِل. فهو شخص يمتلك إرادة قوية تتمثّل في خلقِ شيء جديد. إنه يرغب، ورغبته تلك قوية ومتحمِّسة، غير أنّ رسوخَ دوافعه وغاياته في فكره ضعيفٌ جدا، بل قُلْ: إنّ تمثّله الفكريّ لرغبته ضعيفٌ وهشٌّ. لنُمثِّلَ لذلك برَجُلٍ له رغبة كبيرة في تأسيس شركة، ولْتَكن شركةً لصناعة عطور أو هواتف ذكية أو ورق التواليت ذي الطبقات السِتِّ، أو سيارات يمكن قيادتها آليا، وحسب المفاهيم التي حدّدناها أعلاه فإنه سيبدو جليا حجمُ الإرادة الكبيرُ لدى هذا المُقاول، لأنها إرادةٌ ستصل إلى حدِّ إشراك إرادة أفراد آخرين لتحقيق غايات العمل، وهذا هو جوهر الشركة: أي إخضاع مجموعة من الأفراد الذين يقبلون أن يضعوا إراداتهم تحت تصرّف إرادة مُسَيْطِرةٍ، وهذا يعني: أنّ إرادةَ المُقاوِلِ تُسيطر على إرادة العُمّالِ وتوهمهم بأنها ستُحقّق لكلّ واحد منهم رغبتَه الشخصية. وهنا يقوم المقاول بالاستحواذِ على رغبات الآخرين لتحقيق رغباته الخاصة، والحقّ أنّ الغايات تُظهر سخافتَها وانحطاطَها من تلقاء نفسها، ويكفي في هذه النقطة أن نركن إلى حَدْسِنا لنعرف أنَّ ذاك المُقاوِلَ لم يعرِضَ غاياته على فكرِه ليرى إنْ كان عملُه لا يمثّل استغلالا للآخرين. وهو أنموذَج عن فئة من الناس تجوز تسميتُهم بالشَّمَنْدريّين.
وعلى العكس من ذلك، فإن القدرة الفكرية القوية ستسير جنباً إلى جنب مع الدوافع العليا، والأشدّ اتساعًا، والأكثر إنسانيّة، والأكثر شمولاً. وصورةُ ذلك أنّ الفنانَ، مثله مثل الشاعر وباقي المبدعين وأصحاب الفكر، لا يقع ضمن دائرة الشمندريّين، فهو يتميّز عن هؤلاء بقدرته على التأمل في العالم من وجهة نظر سامية، وعلى تعديل فوضاه بواسطة اللغة والفن، وعلى استخلاص الكامن فيه من الجمال، بل على تبيّن الحقائق المخفية صُلبَه (يكون ذلك عن طريق قوة الخيال كما يؤكد ديكارت). وبذلك، فالشمندر لا يُحيل إلى كلّ الأفراد في العالَم، إنه يُحيلَ إلى جزء صغير منهم، وهم أولئك الشمندريّون الذين ليسوا سوى قطعة واحدة منه، وهي قطعة لا نختارها غالبا ولا نُحبّذها.

مثالٌ يُحتذى به

من مفارقات راهننا أنّ الشمندريين صاروا في مجتمعنا أنموذجا يُحْتذى به، وأمثلة حية يجب تقليدها، ذلك الذي يؤكد إرادته عبر تأسيس شركة ناشئة مّا ستكون منتجاتها غير ضرورية، بل قد تكون ضارة، يتم تقديره والرفع من شـأنه على المستوى الاجتماعي. سيقال إنه «حقق حلمه» من دون أن يُؤخَذ محتوى ذلك الحلم في الحسبان. هذه الإرادية (كتيار فلسفي) المعادية للمذهب الفكري، هي ركيزة مجتمعنا الرأسمالي ذاتها. وما مقولةُ «إفعل ما تشاء» إلاّ عبارةٌ تُلقِي الضوءَ على تقديس الإرادة القوية في انفصالها عن الفكر، وبالتالي هي عبارة تُمجِّدُ الفعلَ العاجزَ عن إحداث إنجازات ذات مغزى فكريّ. وهو أمر يتجلى بوضوح من خلال تبجيلنا المالَ واعتباره غايةً في حدّ ذاته، بل اعتباره مكافأةً للإرادة العمياء التي تدعو إلى الإيمان بأنه كلما تعاظمت رغباتنا كان الإثراء أكبر… فهل صار الغَنِيُّ شمندرةً؟ هناك حظوظ كبيرة لأن يكون كذلك، حتى إن لم يكن بمقدورنا تحويل ذلك إلى قاعدة عامّة. ومع ذلك يمكن أن نؤكِّدَ هنا أنّه من النادر أنْ يحصُلَ الغِنَى نتيجةَ نشاط فكري مكثف وواسع النطاق.
لقد قادنا تحليلنا لتشبيه شوبنهاور لعلاقة الإرادة بالفكر إلى الوقوفِ على حقيقةِ أنّ مجتمعنا يُنتِج تلك النماذج من الشمندريّين، من دون وعي منه، بل إنه يجعل من الفرد الشمندريّ أساس الزراعة المُوَاطنيّة. ولئن كان الانحطاطُ الفكريُّ غير مؤبَّدٍ في طبيعة المجتمعات، فإن مواصلةَ عدم تثمين محتوى الإرادة والاكتفاء بتثمين وجودها والاحتفاء بقدرتها على الإنتاج، إنما هي أمور يمكن أن تُحفّز ذاك الانحطاطَ لأنْ يظهرَ في الواقع ويستمرَّ فيه.

شَمَنَدَرُ شوبنهاور… إرادة الحياة وهشاشة فكرتها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية