الثقافة في زمن السيولة

حجم الخط
0

على غرار الحداثة السائلة، والحياة السائلة، والحب السائل، والأزمنة السائلة، والخوف السائل، والمراقبة السائلة، والشر السائل، يتطرق زيجمونت باومان ( 1925 ـ 2017) في كتابه الجديد «الثقافة السائلة» الصادر مؤخراً عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر (2018) إلى قضية الثقافة، مبيناً التغييرات التي طرأت عليها، بفضل التحولات السريعة التي حدثت في زمن السيولة وعصر اللايقين الذي نعيش فيه.
لقد استخدمت الثقافة أساساً، «باعتبارها نشاطاً يشبه فلاحة الأرض»، كأداة أساسية في خلق إنسان جديد، يكون دعامة أساسية في «بناء أمة ودولة»، بحيث يقوم المثقف بدور «فلاح البشر»، والثقافة كغيرها من ميادين الحياة الأخرى، خضعت لإعادة التشكيل من جديد، بعدما تقوضت المراكز الصلبة في هذا الوجود، وبعدما تغيرت نظرة العالم إلى الله والطبيعة وإلى الإنسان نفسه، منذ أن صاح فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900) صيحته المدوية «الله قد مات»، كان من ثمار ذلك أن أخذ الإنسان زمام المبادرة، وهو لا يعلم أن مصيره سيكون المصير نفسه الذي أراده للإله عندما غيبه، ومنذ ذلك الوقت، صارت اليقينيات معرضة للسقوط الواحدة تلو الأخرى، إذ يجري إبطالها بشكل سريع ولافت، بحيث كانت النتيجة في التحليل النهائي أن أصبحت حياة الإنسان بلا معنى في هذا الوجود، وصارت حياته بلا دليل يهتدي به وسط الأمواج المتلاطمة، وبلا مصباح يمشي به في العتمة الموجودة.
قبل أن تكون الثقافة سائلة، كانت صلبة مرتكزة على اليقينيات الصلبة، إذ عملت على «فصل الدين عن الدولة، ووضعت الدولة/ الأمة في مركز الوجود، وأكدت مركزية الإنسان في صنع هذا الوجود، وآمنت بأن الحضارة هي نتاج المادة والروح، والفعل والإنتاج».
عندما ارتبطت الثقافة بهذه اليقينيات كان غرضها الأصلي هو التغيير، تغيير حياة الإنسان إلى الأفضل، بغرس قيم الحب والتسامح والمعرفة، وترقية عقله وروحه بالتربية والتهذيب، حيث أوكلت هذه المهمة إلى صفوة المجتمع ونخبه، لذلك، كما يعبر باومان، استخدم مشروعُ التنوير الثقافةَ كأداة أساسية في تنوير وبناء الدولة الأمة، إذ استأمن الطبقة المتعلمة على هذه الأداة، وعلى القيام بهذا الدور، ومع مرور الوقت، تعرضت وظيفة الثقافة إلى التغيير والتبديل، فبدل أن تكون عاملا للتغيير صارت عاملا للحفاظ على الوضع القائم، وبدل أن تكون باعثاً وحافزاً للرقي بفكر الإنسان وقيمه، أضحت مسكنا ومهدئاً للحفاظ على الوضع الموجود، وتحولت من «ترسانة ثورة حديثة إلى مستودع لمنتوجات المواد الحافظة، صارت اسماً للوظائف المعهودة لأجهزة الحفاظ على الاستقرار والتوازن والاتجاه».
كان على المثقف أن يقف ضد التغييرات الطارئة على الثقافة، وأن يقاوم هذا التيار الجارف، حتى يؤدي رسالته على أكمل وجه، فينشر الوعي في الناس، ويعمل على رفع الحقيقة في وجه السلطة، ويفضح ألاعيب أرباب المال والسوق، وفي الوقت نفسه، يهدي الحيارى التائهين في الأزمنة السائلة، غير أنه، للأسف، أصبح ألعوبة في يد مديري السوق مزيناً لأفعالهم، مسوقاً لمشاريعهم، ناشراً لخططهم.
إن مشروع التنوير، كما يقول مؤرخو الأفكار، مر بتحولات مهمة قبل أن يرسو على مرفأ الاستهلاك الطاغي، فقد ظهرت العولمة، وتحكم السوق والنزعة الاستهلاكية، وانتشرت النزعة الفردية، وفي الوقت ذاته، بدأت الدولة تنسحب تدريجياً من أدوارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، كل تلك العوامل أدت إلى انتقال الثقافة من مرحلة الصلابة (اليقين) إلى مرحلة السيولة (اللايقين)، ما جعل الثقافة تتمركز حول الاستهلاك والسلع الجديدة، وبذلك لم تعد الثقافة تسعى إلى «خدمة بناء الأمة»، ولا إلى التنوير، وفتح الأعين، والهداية، والتهذيب، وتحقيق الكمال، ولا إلى خلق «إنسان جديد» ولا إلى إنقاذ عامة الناس من الجهل والخرافة، لأن الدولة، في واقع الأمر، انسحبت من دعم الثقافة، وصارت لا تملك سياسة ثقافية، وبالتالي، اقتصر دور الثقافة في الأخير في التلاعب بالعقول، وفي تزييف الوعي، وفي تبرير الوضع القائم.
ولعل النتيجة التي يخلص إليها باومان جديرة بالذكر، فالثقافة، كغيرها من العوالم الأخرى، التي يعاد تشكيلها باستمرار، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، حتى تتوافق مع التحولات والتغيرات المستجدة، ذلك أن العالم اليوم ليس متمركزاً حول الدولة/ الأمة، ولا حول الدين، ولا حول الشعب، بل متمركزاً حول الاستهلاك وتمجيد السلعة الجديدة، لذلك يقول باومان: «ليس لثقافة الحداثة السائلة من شعب تنيره وترتقي به، ولكن لها زبائن تغريهم»، وكما هو معروف هناك فرق بين الشعب والزبائن، وهناك فرق بين الإغراء والتنوير، فالشعب يملك ذاكرة مشتركة، وله أحلام وأشـــواق ســامــية، بينما الزبــون يسعى إلى أن يعيش اللحظة المنقطعة عن الماضي وغير المتصلة بالمستقبل، إذ يريد أن يشبع رغباته الآنية فقط، كما أن الزبون في حاجة إلى من يغريه لا إلى من ينوره ويرتقي بفكره، فالإغراء، كما هو معروف، يحد من التفكير، في حين التنوير وظيفته الأساسية ترقية العقل والنفس، وعليه «تصبح وظيفة الثقافة ليست هي إشباع الحاجات القائمة، بل خلق حاجات جديدة» فاهتمام الثقافة الرئيس في الزمن السائل، كما يخلص باومان، «هو منع الإحساس بالرضا لدى الزبائن».
وعليه، فإن الثقافة في الزمن الحديث السائل، كما يقول باومان، «قد أعيد تشكيلها حتى تتلاءم مع الحرية الفردية للاختيار والمسؤولية الفردية عن ذلك الاختيار»، ولعل الهدف من ذلك يرجع، في الأساس، إلى «الإبقاء الدائم على هذا الاختيار» حتى يصبح عادة محكمة، ويصير «ضرورة حياة وواجباً محتوماً»، لكي يتحقق الهدف النهائي من ذلك، الذي يتمثل في إيقاظ الرغبة والشراهة لدى الزبون في كل وقت.
وبما أن كل شيء خاضع للربح والاستهلاك فلا قيمة للأفكار، ولا جدوى من الإبداع الجاد، لأن ما يحدد قيمة العمل الثقافي في النهاية ليس مقدار ما قدمه من أفكار خلاقة، وليس مقدار ما أنتجه من مشاريع جديدة تخدم الإنسانية في الأوقات الصعبة، إنما تحدده «وترسمه إحصاءات المبيعات وتقديرات الزبائن والعوائد والأرباح»، ذلك أن الكتاب الجيد هو الكتاب الذي يحقق مبيعات جيدة، لأنه ببساطة قادر على تحقيق مبيعات جيدة، والمقال الجيد هو الذي ينال الإعجاب الأكبر، والأغنية الجميلة هي التي تحقق أكثر المشاهدات، لأن سمة الإستراتيجية اليوم في الاختيار والقبول قد استغنت «عن المعايير الصارمة والدقيقة»، واعتمدت على «قبول كل الأذواق بحيادية»، ويرجع ذلك، في الأساس، إلى علامة الانتماء إلى النخب الثقافية التي «تتمثل في إبداء أقصى قدرة على التسامح وأقل قدرة على الاختيار».
ومن ثم، فإن الثقافة في الزمن السائل لا تسعى إلى تربية المجتمع وتهذيبه، ولا إلى خلق إنسان جديد، ولا إلى إنقاذ عامة الناس من الجهل والخرافة والشعوذة، كل ذلك أصبح من الماضي الذي لا يعتد به، بل تسعى إلى خلق «الإنسان الزبون» الذي تغريه السلع الجديدة، ويرغب في الحصول على كل جديد واستهلاكه، ناظراً إلى تلك اللحظة على أنها لحظة نهاية التاريخ وتحقق الفردوس الأرضي، لكن هذه النهاية وذلك الفردوس سرعان ما يتبدد ويضمحل، وكأن شيئاً لم يكن، لتبدأ رحلة الزبون من جديد، باحثاً عن سلعة جديدة وإغراء آخر، حتى يحس بالرضا ويحقق الارتواء.

٭ كاتب من الجزائر

الثقافة في زمن السيولة

سعدون يخلف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية