العرض المسرحي «قصة خريف»: حكاية إيطالية يرويها مسرحيو حيفا تحاول الحلم بالحياة

حجم الخط
0

برلين ـ من ادريس الجاي: مسرحية الكاتب الايطالي الدو نيكولاس «قصة خريف» عمل من إنتاج مسرح الميدان في حيفا، والذي بعد إغلاقه تبناه مسرح بيت الكرمة الحيفوي تحت إدارة وإشراف المخرج سليم ضو. وفي إطار هذه المساعي الجادة تم تكثيف الجهود من اجل انتاج مسرحية قصة خريف ومنحها روحا حيوية عكسها المناخ السنوغرافي العام للعمل، المتمثل في بساطته وإختــــزاله للمــــؤثرات والادوات المسرحية .. مقعد خشــبي، واوراق شجر خريفية صفراء فوق الارض تكسو فضاء الحدث. إضافة إلى أداء ثلاثة ممثلين شامخين .. سلوى نقارة، مكرم خوري، ومترجم النص الى العربية المسرحي سليم ضو، هالة من الحضور الفاعل سواء من خلال اصواتهم او حركاتهم التي جسدت بكل ثقة عوالم الشيخوخة في كل تجلياتها.

خريف الحياة

فمن خلال تعامل المخرج أمير نزار الزعبي مع هذا العمل الادبي الإيطالي، فتح امامنا كوة لنطل عبرها على عالم خريف العمر وتأثيراته. فاستطاع أن يرسم فوق الخشبة صورة الخريف، الذي يرافقنا في كل فترات العمل، سواء على مستوى التصور الجمالي اوعلى مستوى إيقاع حركة العمل وأداء الممثلين، وحيث ان الخريف فصل تتباين فيه الالوان في تناقض صارخ، غير انها وعلى الرغم من بهجتها، غير مستقرة والى ذبول سريع، هكذا ترسم المسرحية من خلال بصماتها الفنية المتأنية مصورات زيتية خريفية موضوعها الهِرم وأفول شمس الحياة، مجالها الخشبة والوانها الممثلون، الذين كل ما تعاقبت مشاهد المسرحية الا واضافوا اليها مسحة جديدة تتراوح بين الحيوية والمرح والميلودراما. فهؤلاء المسنون، الذين في العقد الاخير من السبعين، تقودهم المصادفة، الفراغ والبحث عن المتنفس الى لقاء قصري في احدى منتزهات الحي.
فالمقعد الوحيد الذي يضمهم بكل خيالهم وخبالهم يعكس الثبوت والروتينية، يجلسلسون في انتظار حدث ما، حيث يختلط الامل بالياس والحقيقة بالاوهام، ومع ذلك لا يركنون الى اليأس رغم انقطاعهم عن الروابط الاسرية وضيقهم من العلاقات العائلية. قصة الخريف هــــي قصـــة باب يدخلها جل الناس، قصة انسانية تلاحق كل كائن كظـــــله، تسائلنا عن قيمة الانسان وعن علاقته بالإنتاج الــيومي ، إنها اشارات لامعة الى مبدإ «انا انتج انا موجود». فحتى وإن كانت المسرحية تقدم نفسها في كثير من المواقف بأسلوب كوميدي، الا ان هذه الكوميديا تنطوي على جانب مأساوي مسستتر، ما قيمة الانسان بعيدا عن الانتاج .. الفعل، والقيمة.
وتأتي الشخصيات .. لينو(مكرم خوري)، الموظف المتقاعد، الذي يعاني من معاملات ابناءه، وبوكا (سليم ضو) عامل مطبعة متقاعد، الذي يحاول اخفاء مشاعره وعدم البوح بالمعاملة السيئة من طرف أولاده هو الاخر، يعمل كلاهما جاهدا على عدم سماع انتقاد اتجاه عائلته ويجد مبررات لها، لكن ما ان تبرز أُمبرا (سلوى نقارة)، الحاضنة متقاعدة، العـــزباء حتى تاسرهما بحيويتها ونشاطها، فتدب فيهما الحياة واحاسس العشــق الدفين، بعد ان كانا على شفى حفرة من اليأس. انها امرأة تعانق الحياة ولو على الاقل ظاهريا، لا تشتكي تحاول إدخال الحيوية الى حياتهما، فيقعا كلاهما في حبها باشكال مختلفة، فلينو يعبر عن احساسه اتجاهها علانية، غير ان بوكا الذي كعادته لا يفصح عن مشاعره يحاول جاهدا إبعادها عن يومياتهما حسدا وغيرة من ان تنشأ بينها وبين لينوعلاقة جادة.

الاغتراب

تتجلى نغمة العزلة والاغتراب والسكون في العمل المسرحي، الذي يعبرعنه ذلك الحيز المحدد لتحركات شخصيات العمل، كجزء في حبكة نسيج مساحة مقننة للحياة، التي تزيد من تعميق الاحساس بالحصار النفسي الداخلي والاجتماعي. فذلك الاغتراب، الذي يبدو بين باكا ولينو او بينهما وبين المسنة أمبرا من جهة او بينهم جميعا و محيطهم الاجتماعي الافتراضي، حيث لا اصوات ولا اشارات لتواجد انساني او كائن حيواني يجعل العزلة اعمق من كونها وجودية فقط. بل يجعلها تحمل ابعاد الخريف الصامت، الخريف الذي يشكل ذالك الصراع بين الاجيال وبين الفرد والشيخوخة وبين الفرد والخوف العميق من العجز عن الاستقلال الذاتي والسقوط في مرض النسيان «الزهايمر» والاستغناء عن دوره في الحياة. مع ذلك يخلق الدو نيكولاي نوعا من التوازن بين الجانب الميلودرامي والتراجيدي، ففي الوقت الذي تمثل فيه المرأة (أُمبرا) الجانب الحيوي من الشيخوخة، يمثل المسنان الاخران الجانب الراكد، وهو ما يدفع بوكا الى فكرة الهروب مع لينو من الحياة الاسرية إلى القرية التي هجرها قبل ردح من الزمن. القرية ، التي تمثل في ذاكرته القرية الفاضلة، فكل اناسها طيّبون والحياة فيها في غاية السعادة.
غير ان هــــذا الحلم سرعان ما يتبخـــر بيــــوم واحد قبل التحاق لينو بدارالعجزة.
فبعد ان اشترى بوكا تذكرتي سفر واعد حقائب السفر، فاجئه ذلك الحماس المتزايد الممزوج بالاحساس والحرية والخوف من المجهول ، فاجئه وهما في طريقهما الى محطة القطار بنوبة قلبية ، مات من جرائها بوكا وبموته تبخر ذلك الفيض من الاحلام و الآمال.
نفارق عمل قصة الخريف جسديا و لا تفارقنا ذهنيا ، نفارقها و نحن محملون بثلة من الاسئلة الجوهرية عن الحياة وعن مصير الانسان، أسئلة سالها قبلنا ملك مدينة اورك كلكامش حين قال لجده أوتنابشتم: «هل سأشيخ انا الاخر». وهل ستكون شيخوختي راكدة مثل شيخوخة لينو وبوكا او حيوية مثل شيخوخة أمبرا؟

 

العرض المسرحي «قصة خريف»: حكاية إيطالية يرويها مسرحيو حيفا تحاول الحلم بالحياة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية