درعا – «القدس العربي»: مع تنفيذ آخر بنود الاتفاق الروسي – التركي وعمليات تفريغ وتهجير جرت على عجل في كل القنيطرة جنوبا، وكفريا والفوعة شمالا، شهدت خريطة النفوذ السورية تغيرا كبيرا في موازين القوى، أفرزت توسعا للنظام السوري في محافظة القنيطرة بالقرب من حدود الكيان الصهيوني في هضبة الجولان المحتل، وتهجير أهالي وميليشيات بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين من ادلب إلى محافظة اللاذقية، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة من مراحل الهندسة الديموغرافية في سوريا، لا سيما فيما يخص المعارضة التي قادت نفسها بفعل شرذمتها إلى هذا المصير المحاصر.
وبدأت منذ ظهر امس عمليات إخراج المدنيين الرافضين للتسوية من قرية أم باطنة في ريف القنيطرة التي دخل إليها نحو 26 حافلة أقلت قرابة 900 شخص بينهم مقاتلو هيئة تحرير الشام وعناصر الجبهة الجنوبية مع عائلاتهم، في أولى مراحل التهجير إلى الشمال السوري، في وقت أعلنت فيه وكالة النظام السوري الرسمية «سانا» أن وحدات عسكرية تابعة له دخلت صباح امس إلى قرية عين التينة وقرقس وسويسة جنوب القنيطرة بعد ثلاث سنوات من انسحابها منها، ليصبح بذلك النظام على بعد 5 كلم عن خط فصل الاشتباك في وسط القنيطرة، كما سيطر النظام السوري على بلدات «أم باطنة – نبع الصخر – مربعات – رسم الخوالد – المطيحات – ممتنة» عقب عمليات إخراج المعارضين منها حسب المصدر.
انحلال المعارضة
توسع تنظيم «الدولة» على 12 قرية وبلدة على مشارف حوض اليرموك من الجهة الشمالية، جاءت بعد انسحاب مقاتلي المعارضة خلال عملية الفوضى التي شهدتها المنطقة وحالة انحلال فصائل المعارضة نتيجة تسليم مناطقها لقوات النظام، مما فسح المجال أمام خلايا تابعة لتنظيم «الدولة» خرجت من رحم «هيئة تحرير الشام» النصرة سابقا، بالاضافة إلى مقاتلي التنظيم الذين خرجوا من الحوض، من السيطرة على قرى «البكار، العبدلي، الجبيلية، المقرز، سد المقرز، المعلقة، المجاعيد، الدرعيات، أبو حجر، المشيدة، عين زبيدة، سد الجبيلية» وهي مناطق تشهد أعنف العمليات العسكرية، فيما تم طرد التنظيم من منطقتي «القصيدة والناصرين» من قبل فصائل الجيش الحر التي لم تزل متماسكة في المنطقة ومازالت تنشر في تلك المناطق بالقرب أو على مشارف حوض اليرموك.
من جهته أعلن تنظيم «الدولة» في بيان نشرته وكالة «أعماق» الجمعة، قالت فيه إن عناصرها سيطروا على 12 قرية، بعد مواجهات مع قوات النظام السوري، مشيرة إلى مقتل أكثر من 25 عنصرًا من القوات المهاجمة أثناء محاولتهم التقدم على تل عشترة وجلين في حوض اليرموك.
خريطة النفوذ
تغيرت خريطة النفوذ شمالا بإفراغ كفريا والفوعة من قبل النظام السروي للحفاظ على أهالي المنطقة، من كونهم رهائن بيد المعارضة السورية، توازيا مع تغير ديموغرافي جنوب غرب سوريا مع عمليات التهجير في المنطقة، وفرض النظام السوري سيطرته على أكثر من 90 في المئة من مساحة محافظة درعا، التي يستثنى منها حوض اليرموك، والذي تشكل مساحة سيطرته، 7.2% من مساحة محافظة درعا، فيما بلغت مساحة سيطرة النظام في محافظة القنيطرة نحو 50 في المئة، في ريف القنيطرة الأوسط، فيما لم تزل فصائل المعارضة لفترة وجيزة، تنتشر في بعض المناطق من الريف الشمالي للمحافظة.
عملية التهجير والتغير الديموغرافي جاءت بموجب الاتفاق الذي نفذته هيئة تحرير الشام، وفق اتفاق روسي – تركي، ويقضي بعودة النظام السوري إلى النقاط التي كان فيها قبل عام 2011 وخروج المعارضين الرافضين للتسوية إلى ادلب وتسوية أوضاع الراغبين بالبقاء، ودخول «اللواءين « 90 و 61» التابعين لقوات النظام إلى خطّ وقف إطلاق النار، والمنطقة المنزوعة السلاح، وفق اتفاقية العام 1974 بين النظام السوري وإسرائيل، وإعادة النازحين من أرياف دمشق ودرعا والقنيطرة التي تعرف اختصارا بـ «مثلث الموت» وحتى ريف حمص إلى بيوتهم، باستثناء أهالي الحجر الأسود بحجة أن الحي «غير صالح للسكن».
التغير والتهجير
تزامنا نفذت المقاتلات الحربية السورية والسورية قصفا مكثفا على المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة» في حوض اليرموك، وسط إصرار التنظيم على استخدام المدنيين معه كرهائن، ويحاول منعهم مغادرة المنطقة، وهو ما أشار إليه المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي قال إن القطاع الغربي من محافظة درعا يشهد عمليات قصف مدفعي وصاروخي مكثفة من قبل قوات النظام وحلفائها، خاصة على مناطق في بلدات الشجرة وتسيل وسحم الجولان والشجرة وأماكن في منطقة الشركة الليبية، حيث يحلق سرب من الطائرات في سماء المنطقة، بشكل متناوب.
ومع استمرار عمليات القصف يرتفع عدد الضربات الجوية التي طالت حوض اليرموك في القطاع الغربي، منذ فجر امس الـ 20 من تموز / يوليو إلى 140 ضربة، في حين رصد المرصد السوري أن الضربات الجوية تسببت بدمار كبير في البنى التحتية في البلدات المستهدفة، فجرى تدمير حي كامل في بلدة سحم الجولان، الأمر الذي يهدد حياة أكثر من 30 ألف مدني يتخذهم جيش خالد دروعاً بشرية، حيث يواصل المدنيون فرارهم من البلدات التي تتعرض لمحرقة روسية في المنطقة، نحو مناطق حدودية مع الجولان السوري المحتل.
المستشار في القانون الدولي رأفت مصطفى علق على عمليات التهجير المتسارعة التي جرت خلال الأيام الفائتة، بالقول إنه من الواضح تماما وبشكل جلي أن هناك أمورا تحدث في الخفاء ويظهر التنفيذ إلى العلن ابتداء من تسليم الغوطة ودوما وحوران والباصات الخضراء، إلى التفاوض على إطلاق سراح المعتقلين، مشيرا إلى أن بلدات الفوعا وكفريا موجودتين من ألف سنة بأمان واطمئنان ومرت عليهما حكومة العثمانيين وحكومة الفرنسيين وحكومة الاستقلال حتى عهد حكومة بشار، متسائلا «لماذا يهجرون في عهد بشار ؟ لماذا أدخل عليهم بشار الميليشيات الايرانية؟»
وأضاف مصطفى، الف سنة وهم في رغد العيش يصيبهم ما يصيب الشعب كله ويفرحهم ما يفرح الشعب كله، ولكن بشار الأسد ورطهم وأرسل الميليشيات الإيرانية لتدمرهم وتنال من بناتهم وأموالهم، وكانت هناك أصوات ترتفع لتخليصهم من الإيرانيين لكن النظام قمع أصواتهم وأرغمهم على ترك قراهم.
فيما ذهب القيادي في المعارضة السورية فاتح حسون إلى أنه «قد يكون لها مبررات خاصة لدى من قام بهذه الصفقة من القوى التي كانت المحيطة بكفريا والفوعة» معربا عن تخوفه عن المكان الذي سيذهب إليه هؤلاء «وإلى أي منطقة سنية سيستقرون فيها».
وأضاف حسون لـ «القدس العربي»: «صحيح أن أهل هاتين القريتين انتقلوا من مدنيين إلى مقاتلين، وقد أصبحوا خنجرا مسموما في ظهر المنطقة المحررة في الشمال السوري، لكن هذا سيعطي انطباعا تاريخيا بأن ثورتنا طائفية، وبأن التغيير الديمغرافي والتهجير القسري سـلاح استـخدمه الجميـع، وهـذا غيـر صحـيح».
وأضاف أن تهجير السنة القسري هو تهجير ممنهج من قبل النظام، أما نقل الشيعة من مكان إلى مكان فلا يعدو أن يكون حفاظا عليهم، وسينتقلون من جبهة قتال إلى جبهة قتال أخرى، فيعودون خنجرا في خاصرة جديدة.
إلى ذلك رأى البعض أن إخراج أهالي كفريا والفوعة والذهاب إلى محافظة اللاذقية، هو بهدف إحداث تغير في التركيبة السكانية في المدينة التي يقطنها أبناء الطائفة السنية.