قانون القومية هو قانون مكروه وضار ويُقسم، وبالأساس هو قانون لا لزوم له. ولكن المصادقة عليه في يوم الخميس الماضي لم تخرج الإسرائيليين عن أطوارهم. عدد منهم يوافقون على القانون، وعدد آخر مترددون، والمعارضون أدركوا بسرعة أن النضال ضد المثليين الذي ثار في أعقاب المصادقة الموازية على قانون «الأم الحاضنة»، هناك إمكانية أكبر لتجنيد احتجاج جماعي. قانون القومية يزرع السم في علاقة الدولة مع الأقليات فيها، لكن باختصار، بعد أن تمت إزالة بنوده العملية ظاهريًا، فلن يغير الحياة اليومية لمعظم الإسرائيليين بصورة ملموسة.
في الساحة الإعلامية والشكلية فإن الأمر في المقابل يتعلق بضرر كبير، بإشارات دالة تفصل بين ما قبل وما بعد. لذلك فإن بنيامين نتنياهو كان محقًا عندما اعتبر المصادقة على القانون «لحظة تأسيسية». عشرات نشطاء «نحطم الصمت» ومئات تقارير «بتسيلم» وآلاف نشطاء حركة المقاطعة «بي.دي.اس» الذين تلقي الحكومة المسؤولية عليهم عن الإساءة لسمعتها، لن يستطيعوا الإضرار بإسرائيل بهذا القدر من الشدة والحجم والمدى الطويل مثل الذي تسبب به نتنياهو ووزراؤه والكنيست عندما صادقوا على القانون. الولايات المتحدة في عهد ترامب كانوا سيسمون هذا خيانة.
هذا الضرر لم يجد تعبيره في الإدانات المعدودة التي تم إسماعها في عواصم العالم ولا سيما في أوروبا. الآن يوجد للمجتمع الدولي اهتمامات أخرى أكثر وجودية، تنبع من الاعتراف المتزايد بأنه يقف على رأس الدولة الأقوى في العالم رئيس غير مفهوم في أحسن الحالات وغير مستقر في أسوأ الحالات. في الأصل الاحتجاج الوحيد الذي يترك انطباعًا على نتنياهو بشكل خاص وعلى الإسرائيليين بشكل خاص يجب أن يأتي عمومًا من البيت الأبيض: براك اوباما أوقف هذا القانون بجسده. ترامب، يمكن الافتراض، بأنه لم يسمع به، وإذا سمع فحينها لم يفهم، وإذا فهم فحينها حقًا لم يهمه. هذه هي البشرى الكبيرة لعهده: إسرائيل يمكنها التنكيل بنفسها كما تشاء، والولايات المتحدة لن تحرك ساكنًا.
ليس في هذا ما يقلل من قوة القانون التدميرية. يوجد فيه جهاز توقيت مفهوم يؤكد أنه سيواصل تخريب سمعة إسرائيل الجيدة لسنوات كثيرة. القانون يشير إلى الطابق الأرضي لإسرائيل الجديدة. أحد بنود القانون يعطي الشعب اليهودي الحق الحصري لتقرير المصير، وائتلاف نتنياهو استغله حتى النهاية، فقد اعتبر دولة إسرائيل دولة وقحة وظلامية ومركزية العرق. هذه هي الصورة التي تظهر الآن في المرآة. حتى إذا كانت أغلبية الإسرائيليين تفضل تجاهلها، فإن كل العالم ينظر ويفهم. كنيست إسرائيل بوقاحة أعلنت للعالم عن الانسحاب من نادي الدول الغربية والليبرالية وانضمامها لكتلة الدول غير الليبرالية، القومية، مركزية العرق، التي فيها قيم المساواة وحقوق الفرد، المتضمنة في وثيقة الاستقلال، تخضع لحاجات الأمة والبلاد. في الوقت الذي تدافع فيه الدول الغربية الليبرالية بل تحارب من أجل وجودها، فإن إسرائيل أعطت الإشارات بأنها تنتقل إلى الجانب الآخر المظلم. وقد ادعى معهد أبحاث في السويد في الشهر الماضي وحتى قبل المصادقة على القانون، أن اسرائيل كفت عن أن تكون ديمقراطية ليبرالية، وهي منذ الآن ديمقراطية انتخابية، التي فيها حق الانتخاب والترشح محفوظ، لكن ليس الالتزام بحق المساواة وسلطة القانون. لقد كان هذا فقط جديرًا ورمزيًا ففي وقت المصادقة على القانون، فإن رئيس حكومة هنغاريا ذا الصلاحيات والذي يكره الأجانب، فكتور اوربان، كان موجودًا في إسرائيل كضيف مرغوب ومرحب به، بالتأكيد كان راضيًا عمن يواصلون دربه. بعد المصادقة على القانون، أصبحت إسرائيل وهنغاريا منتميتين للنادي ذاته.
الضرر الأكبر للقانون هو في أوساط يهود أمريكا؛ منظمات يهودية كثيرة بما فيها التي تملأ فمها بالماء بشكل عام، أدانت القانون الجديد بكلمات لاذعة، لكن بالنسبة للكثيرين الذين صمتوا، فإن قانون القومية هو جسم مسموم في قلوبهم. إن إخلاص يهود أمريكا لإسرائيل يستند إلى رؤيا ـ وهم أن إسرائيل هي «مدينة تلمع فوق التل»، كما وصف رونالد ريغان الولايات المتحدة، وليست دولة بلطجية تنكل بالأقليات. في الأسبوع الذي تتفاخر فيه الكنيست بحربها ضد «نحطم الصمت» فإن شرطة إسرائيل تحتجز حاخامًا محافظًا لأنه زوج زواج غير شرعي، والكنيست أعلنت عن تفوق اليهودية، وقدرة يهود الولايات المتحدة على التظاهر بأن كل شيء يسير على ما يرام أصبح أصعب على التحمل. بالنسبة لكل أولئك الذين صكوا أسنانهم ولم يتخلوا عن إسرائيل رغم خرق اتفاق حائط المبكى، فإن رفض الاعتراف بالإصلاحيين والمحافظين، والتنكر لأوباما، والإخلاص لترامب، واستمرار الاحتلال وغياب عملية سلمية ـ ولا نريد التحدث عن القوانين الأخرى غير الديمقراطية التي قامت هذه الكنيست بإجازتها في ولايتها المرعبة ـ فإن قانون القومية يمكنه أن يشكل القشة التي قصمت ظهر البعير، والمسمار الأخير في النعش.
لمؤيدي القانون ادعاءات قانونية كثيرة مختلفة، وتفسيرات قانونية ملتوية أعدت لإثبات مشروعيته. في سلوفاكيا ولاتفيا ثمة قوانين مشابهة. صرخوا، وكأن هذه الدول التي تسري اللاسامية في عروقها تحولت الآن إلى نموذج للمحاكاة. على كل الأحوال، الذرائع والتفسيرات هي من نوع «اذهب وبرهن على أنه ليس لك مثيل»، ليست الأشجار هي المهمة بل الغابة. قانون القومية يعتبر في الخارج لإظهار عضلات الأغلبية اليهودية المفترسة إزاء أقلية عربية تعاني من التمييز. إذا لم يكن القانون يؤسس نظام أبرتهايد فهو يضع كما يبدو البنية التحتية لتأسيسه مستقبلاً، وهو بالتأكيد يمنح سلاحًا ثمينًا لمن يقولون إن الابرتهايد يوجد هنا. الوطنيون الفخورون في الائتلاف منحوا أكبر كارهي إسرائيل هدية لا تقدر بثمن.
الأمر الفظيع هو أن كل هذا قام به نتنياهو ووزراؤه وناخبوه بإرادتهم، وبدون أي حاجة حقيقية ومن خلال اعتبارات ضيقة قصيرة النظر، من أجل كسب عدد من النقاط في الوطنية الزائفة في الرأي العام، ومن أجل تجاوز نفتالي بينيت بصورة التفافية، ومن أجل عرض نشطاء اليسار المعارضين للقانون على أنهم خونة. في المقابل، وبما يتعلق بهذه الخلطة البائسة، فإن نتنياهو وجماعته أساؤوا لسمعة إسرائيل الجيدة وصنفوها كدولة ضيقة الأفق. الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، هكذا سيستنبط كثيرون، ببساطة كرهت نفسها.
في التاسع من آب (العبري) يجب التذكير بأن الهيكل لم يدمر في الحقيقة بسبب كراهية عبثية مثلما اعتقد الأمويون، وليس بسبب العمل الأجنبي، وسفاح القربى وسفك الدماء، مثلما زعم المتشددون. بذور الخراب زرعت قبل سنوات كثيرة من ذلك، بين أمور أخرى، في عهد الكسندر يناي، كبير المحتلين الحشمونئيم، لقد وسعهذا حدود البلاد، وأعلن نفسه ملكًا، وأعطى لنفسه صلاحيات حكم وتشريع، وزرع الانقسام والتجزئة، ثم أشعل حربًا داخلية زرعت الكراهية التي لا مبرر لها، لقد أخطأ في فهم الواقع الاستراتيجي ونقض العهد مع مملكة روما، التي استند إليه من سبقوه. بعد مئة سنة حيث كانت المملكة مفككة وقوات الرومان كانت تقف على أبواب القدس، فإن شعب إسرائيل هو الذي دفع الثمن.
هآرتس 22/7/2018