مؤتمر القمة الذي عقده الرئيس ترامب والرئيس بوتين في هلسنكي أنتج وابلاً من العناوين، السلبية في الغالب، من جانب منتقدي ترامب الدائمين في وسائل الإعلام، وكذلك من جانب مؤيديه الذين توقعوا منه أن يبدي حزما تجاه روسيا. غير أن ترامب، المحرر من رواسب الحرب الباردة، لم يبحث عن المواجهة، بل عن التعاون.
موضوع كهذا، حيث ساد توافق على الرأي بين ترامب وبوتين، كان التزامهما بأمن إسرائيل كل وأسبابه. هذا الالتزام ليس ضريبة لفظية، إذ إن كل واحد منهما يظهره بطريقته، عمليا فإن ذلك عند ترامب يتجلى بالتأييد والإسناد غير المحدودين اللذين يمنحهما لإسرائيل، وعند بوتين بالدفء والعطف اللذين يبثهما تجاه القدس، وكذلك في استعداده للسماح لها بحرية العمل في سوريا. هذا الاستعداد ليس أمرًا مفهومًا من تلقاء ذاته، وظاهرًا يتعارض والمصالح الروسية في سوريا.
في الوقت الذي ركز فيه معظم العالم على ما قاله ولم يقله ترامب لبوتين، على دور روسيا في الانتخابات للرئاسة في العام 2016، ففي الشرق الأوسط ركزت وسائل الإعلام بالذات على الدفء الذي أضفاه الزعيمان على إسرائيل. لا شك في أن الإحساس بأن روسيا والولايات المتحدة وهما تقفان مثلما في 29 تشرين الثاني 1947 في الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى جانب القضية الصهيونية، يعظم إسرائيل في نظر خصومها.
موضوع آخر ساد فيه تفاهم بين الطرفين هو مستقبل سوريا. الزعيمان مستعدان للتسليم ـ سواء بحماسة من أحدهما وإحساس باللامفر وعدم الاكتراث من الآخر ـ بانتصار بشار الأسد وبقائه في الحكم. ولكن يخيل أن الأمريكيين، سواء تحت أوباما أم تحت ترامب الآن، لم يخرجوا عن طورهم للعمل لإسقاط الأسد. فمنذ البداية لم يكن لواشنطن مصلحة اقتصادية أو سياسية في سوريا، وجاء دورها فقط بعد صعود داعش واستهدف الكفاح ضده وضد الإرهاب الذي نشره في العالم.
ثمة تفاهم غير معلن توصل إليه ترامب وبوتين، وبموجبه يواصل بشار الحكم في سوريا، ولكن إلى جانب ذلك تعمل الدولتان على الضمان بألا تصبح هذه الدولة مصدر تهديد لإسرائيل.
ولكن إلى جانب هذا، ثمةواقع على الأرض؛ ففي سوريا أنهي الأسد حملة انتصاراته، وفي نهاية الأسبوع الماضي عاد إلى منطقة القنيطرة وإلى الحدود مع إسرائيل.
ليس في هذا ظاهرًا ما يقدم أو يؤخر، إذ إن بشار ذاته، وأباه قبله، حرصا دوما على حفظ الهدوء التام على طول الحدود. غير أنه ينبغي الافتراض بأنه في أعقاب بشار سيأتي الإيرانيون إلى منطقة الحدود، وربما رجال حزب الله أيضًا.
بالفعل، يجدر بالذكر أنه رغم الكيمياء الظاهرة بين بوتين وترامب، بقيت روسيا والولايات المتحدة خصمين، تشقهما هوة، وفي معظم أجزاء العالم تتصارعان باسم مصالح متضاربة ومتنافسة. هكذا في الشرق الأوسط، وهكذا في وسط آسيا، وفي شرق أوروبا، بل وحتى على أرض الولايات المتحدة.
لهذا السبب، لا تزال روسيا تحتاج لإيران ـ لا لكي تضمن انتصارها في سوريا فقط، بل كشريك ضروري في الصراع الإقليمي والدولي مع الولايات المتحدة. وبالتالي فإلى جانب الالتزام تجاه إسرائيل، ستواصل روسيا تحقيق التعاون مع إيران، ومشكوك في أن ترغب أو تستطيع إبعادها عن سوريا.
إلى جانب الرضى في إسرائيل في ضوء الالتزام الذي أعرب عنه ترامب وبوتين لأمنها، فإن عليها أن تستعد لاستمرار الصراع ضد التواجد الإيراني في سوريا. فليست روسيا ولا الولايات المتحدة باللتين توقفان إسرائيل في هذا الصراع، ولكنهما لن تأخذا على عاتقيهما مهامة إبعاد الإيرانيين عن سوريا.
اسرائيل اليوم 22/7/2018