ماذا وراء لجوء السعودية لصحيفة بريطانية ناقدة لها لإطلاق مواقع بالتركية والإيرانية؟

حجم الخط
0

لندن ـ “القدس العربي”:

قال موقع “مودرن ديبلوماسي” إنه منذ أمد قريب تحاول القيادة السياسية في السعودية إرضاء نفسها بنتائج أدائها في الصراع الدائر مع قناة الجزيرة القطرية لاستقطاب أكبر شريحة ممكنه من المشاهدين الناطقين باللغة العربية، وبالتالي وضعت السعودية الآن نصب أعينها الهيمنة على المشهد الإعلامي للشرق الأوسط من خلال استقطاب شرائح أخرى غير ناطقة بالعربية.

وقال إنه في أعقاب الاهتمام الشديد الذي أبداه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في العام الماضي من خلال وضع يده على الإعلام العائد للسعودية من خلال عمليته الشهيرة، والتي رفعت شعار محاربة الفساد وتبرير انتزاع الأصول من أصحابها والمعروفة باعتقالات الريتز، أعلنت المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق (SRMG) هذا الأسبوع عن ارتباطها مع موقع صحيفة “الاندبندنت” البريطانية وتوسعة نطاق الشرائح المستهدفة لتشمل الناطقين بالأردية والتركية والفارسية بالإضافة إلى العربية.

ومن جانب آخر، لم يقدم إعلان المجموعة أي تفاصيل عن الهيكلية التي ستعتمد في العمل، والكيفية التي ستكون عليها الهوية التجارية لمواقع الويب ذات العلامة التجارية المستقلة العائدة لـ”المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق”، وقد لا يمثل ذلك مشكلة من وجهة نظر موقع (بريتن إندبندنت نيوز)، نظرًا لأن الصفقة ترقى إلى المعايير البريطانية التي تسمح بترخيص علامة تجارية لمحتوى يعود لشريك من خارج البلاد.ومن المقرر أن يتولى إنتاج القسم الأكبر من محتوى المواقع الإلكترونية الجديدة، صحافيون تابعون للشركة السعودية ومقار أعمالهم ستكون في لندن وإسلام أباد واسطنبول ونيويورك، بينما ستتوقف مساهمة “الاندبندنت” على تقديم المقالات المترجمة من موقعها باللغة الإنكليزية.

اللافت أن صحيفة “الاندبندنت” المملوكة من أكثر الصحف البريطانية انتقادا للسعودية وولي عهدها، وهي مملوكة لالكسندر ليبديف رجل الأعمال الروسي وعميل المخابرات السوفياتية ( كاي جي بي) السابق، ويديرها ابنه ايفغني ليبديف، المقيم في بريطانيا، الذي أوقف طبعتها الورقية و أبقى فقط على نسختها الالكترونية.

 وقد أوضحت شركة “الإندبندنت” أن المواقع التي ستكون إدارتها من خارج مقار الرياض ودبي ستقدم أخبارًا وتحليلات مستقلة عالية الجودة وستُعنى بالشؤون الدولية والأحداث المحلية.

وتصدر عن المجموعة السعودية للأبحاثصحيفتا (Arab News) الناطقة باللغة الأنكليزية، و”الشرق الأوسط” الناطقة باللغة العربية، وهي صحف تعمل ضمن القيود الرقابية السعودية الصارمة التي لا تسمح بالخروج عن نهج الدولة والتي هي للإعلام الشمولي الموجه أقرب منها للفكر المستقل والتحليل المحايد في قراءة الأحداث. ومنها على سبيل المثال توقف صحيفتا (الشرق الأوسط) و(الحياة) عن انتقاد روسيا ولبنان حينما طلب منهما وزير خارجية السعودية الراحل (الأمير سعود الفيصل) ذلك، كما يقول معد التقرير جاميس ديرسي.

ديبلوماسية دفاتر الشيكات

وفي عام 2015 ترأس الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود (عضو غير معروف في الأسرة المالكة السعودية) مجموعة SRMG وتم تعيينه مؤخرا وزيراً للثقافة في البلاد، وهو من تصدر عناوين الصحف في العام الماضي حينما دفع 450 مليون دولار أمريكي ثمناً للوحة (المخلص) التي رسمها ليوناردو دافنشي، وزعمت حينها صحيفة (وول ستريت جورنال) بأنه كان وسيطاً وأن المالك الحقيقي للوحة هو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وفي العام الماضي اشترى سلطان محمد أبو الجدايل ما نسبته 30% من أسهم (الإندبندت)، وكونه مصرفياً سعودياً لا يمتلك أي سجل في عمليات الاستحواذ فقد استرعى اهتمام وسائل الإعلام . وفي حينه صرح المدير التنفيذي لدى شركة (الأهلي كابيتال)، وهي شركة تابعة للبنك الأهلي التجاري الذي تسيطر عليه الحكومة، بأن أبو الجدايل كان يستثمر لحسابه الخاص! وفي عام 2015، تسربت مراسلات دبلوماسية سعودية، مما سمح بتسليط الضوء على النمط المتبع في شراء السمعة الإيجابية للمملكة – وهو ما أطلق عليه في حينه (ديبلوماسية دفاتر الشيكات السعودية) – من خلال تشجيع وسائل الإعلام الأوروبية والشرق أوسطية والإفريقية على استضافة (المثقفين) السعوديين في البرامج الحوارية لمقارعة البرامج والتحليلات المعادية للمملكة.

أما بخصوص طرق التمويل لشراء السمعة فقد تباينت بين (إنقاذ) وسائل إعلام متعثرة مالياً وتبرعات من جهة، ومن جهة أخرى شراء الآلاف من الاشتراكات، ورحلات مدفوعة التكاليف بالكامل إلى المملكة. وغالبًا ما كانت الدوافع المعلنة هو مقارعة خصم المملكة اللدود، إيران.

السيطرة على فضاء البث

   بدأ الصراع للاستحواذ على الساحة الإعلامية العربية في عام 1996، وهو العام الذي انطلقت فيه قناة الجزيرة القطرية، بعروضها الحوارية الخارجة عن ما هو مألوف للأذن والعين العربية والتي تعودت على إعلام الأنظمة القمعية الشمولية العائدة في معظمها لنماذج الحقب النازية – الستالينية. وهذه النقلة النوعية التي قدمتها الجزيرة هي ما دفع وليد بن إبراهيم آل إبراهيم، صهر العاهل الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، إلى إطلاق قناة “العربية”.

وعزز صعود قناة الجزيرة إدراك القيادة السياسية في المملكة بأهمية التوسع من الإعلام المطبوع إلى البث المرئي، وهو الإدراك الذي لم يتم الوصول إليه في لحظة حرجة سبقت ولادة الجزيرة بست سنوات عندما غزا العراق الكويت. في حينها منعت السلطات السعودية الإعلام السعودي من الإبلاغ عن الغزو! وتم رفع هذا الحظر بعد مرور3 أيام على الغزو بعد أن اتضح بأن الشعب يحصل على أخباره من وسائل الإعلام الأجنبية، ومن بينها سي إن إن.

 ومن جانب آخر تصاعد الصراع السعودي القطري للسيطرة على فضاء البث المرئي في الفترة التي سبقت نهائيات كأس العالم هذا العام في روسيا. لقد تم حظر قناتي الجزيرة و beIN في المملكة، كجزء من المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية التي تقودها السعودية والإمارات منذ 13 شهراً على قطر، وفي  الوقت ذاته غضت الحكومة السعودية الطرف عن beoutQ – وهي قرصنة منظمة لحقوق بث beIN – والتي تبث عبر قمر صناعي تملكه الحكومة السعودية !

وفقط إثر تهديدها من قبل الـ”فيفا” باتخاذ إجراء عقابي، بدأت المملكة العربية السعودية في اتخاذ إجراءات صارمة ضدها، وقالت إنها ترحب وتدعم بالإجراءات القانونية التي بدأتها ال FIFA، في الوقت نفسه، غضت فيه الطرف عن القرصنة الداخلية في تحد مبطن لحقوق البث الخاصة بشبكة beIN.

تصعيد مع قطر

إن اختيار اللغات لمواقع الإنترنت المستقلة يوحي في البداية بأن الصفقة ستعزز العلامة التجارية للمجموعة السعوديةبينما الهدف الحقيقي هو تعزيز الهيمنة الإقليمية في مجال الإعلام وتصعيد للصراع مع قطر وبشكل ما إيران من خلال إطلاق موقع على الإنترنت باللغة الفارسية.

وبترك السياسة جانباً فمن غير المحتمل أن يتجاوب الإيرانيون – الذين يواجهون أزمة اقتصادية بفعل العقوبات الأمريكية القاسية – مع الموقع، فجميعهم يدركون دور السعودية في العقوبات التي تعبث بقوتهم اليومي.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية