القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: على هامش المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الحادية عشرة، والمقامة فعالياته الآن في القاهرة، أقيم المعرض الرابع لمصممي سينوغرافيا المسرح المصري، وهو محاولة لاستعراض سينوغرافيا العروض التي تمت خلال العام المسرحي، وكذلك بعض اللوحات واللقطات الأرشيفية من عروض سابقة، قد تصل إلى محاولات ازدهار المسرح المصري في ستينيات القرن الفائت. ورغم الاستعانة ببعض تصميمات واسكتشات تم عرضها خلال دورات سابقة من المعرض، إلا أن حالة الأرشفة والتوثيق تعقد بالضرورة مقارنة بين عدة أجيال من المسرحيين المصريين، وبالتالي يتطور الأمر ليصبح مقارنة بين خيال الفنان وما كان مُتاحا له من إمكانات في السابق، وخياله الآن في ظل التقدم التقني، فمن الستينيات وما قبلها نجد أعمال كل من سكينة محمد علي، وإيميل جرجس، ومن الجيل التالي والجديد نجد أسماء كل من عمرو الأشرف، فادي فوكيه، محمد جابر وأبو بكر الشريف، أحمد عبد العزيز، ومروة عودة وغيرهم، إضافة إلى تصميم سينوغرافيا عروض مسرحية، قام به طلبة السنوات النهائية ــ مشرعات التخرج ــ في كليات الفنون، وقد جاءت أعمالهم لافتة وفاقت إلى حدٍ كبير أعمال الفنانين المحترفين.
السينوغرافيا ودلالتها
السينوغرافيا في أبسط تعريف لها هي هندسة الفضاء المسرحي، من خلال التوافق بين ما هو سمعي وبصري وحركي، وبالتالي جسد الممثل وديكور وإكسسوارات وماكياج وأزياء وتشكيل وصوت وإضاءة. فهي تعمل على تحويل النص الدرامي المجرّد إلى معادل بصري مُتكامل. وهو أمر ينتمي أكثر إلى لغة التشكيل، وعلاقتها بالفضاء المكاني/خشبة المسرح أو الكادر السينمائي. فالاهتمام هنا ينصب على درامية الصورة المسرحية، حتى يتم نقل الشحنة العاطفية الكاملة، التي يحملها النص المكتوب إلى المُتلقي. وللسينوغرافيا أدوات تقنية، تتفاوت درجة استخدامها وفق طبيعة العرض المسرحي، إلا أنه لا يوجد عمل لا يخلو من بعض هذه التقنيات، مثل .. الزخرفة، التأثيث، المونتاج، التقطيع، الكولاج، الإيهام، المكساج، اللون، التبئير البصري، والتشكيل الجسدي للعنصر البشري. ولهذه التقنيات عدة وظائف، فبخلاف الوظيفة الجمالية والتشكيلية، التي تحيا في ظِل الفراغ المسرحي، تأتي الوظيفة الأهم، وهي الوظيفة الدلالية التي تتحكم في اختيار هذه التقنيات، فبينما تنقسم السينوغرافيا إلى تقليدية تحاكي الواقع، هناك أخرى تجريبية تستخدم جميع المفردات ذات الدلالة، كالأيقونات البصرية، والموروثات الشعبية والتاريخية، والرقص بأنواعه وما شابه.
خيال الفنان والتطور التقني
رغم اختلاف النصوص والعروض التي تم تنفيذها من خلالها، واستعراض لقطات/لوحات منها في المعرض، ما بين تاريخي وشعبي وتجريبي ورقص مسرحي، تأتي بعض الملاحظات، كالاختلاف ما بين التصور السينوغرافي للفنان وتنفيذه الفعلي من خلال اللقطات المأخوذة من العرض المسرحي، كتصميم ملابس الشخصيات، وتشكيل خشبة المسرح. وهذا أمر نجده في الكثير من الأعمال الفنية، حيث أن تنفيذ خيال الفنان لا يأتي دوماً حسب هواه، بل يخضع لضرورات أو إمكانات محدودة. أما اللافت الأكبر فهو مدى التباين بين تصميم فنان الجيل القديم وفنان التقنيات الحديثة، فخيال الأول جاء أكثر انطلاقاً وسعياً نحو التشكيل الجمالي، ووعياً أكثر بالنصوص التي يعمل من خلالها، بخلاف العديد من تجارب سينوغرافية حديثة ــ إلا قِلة منها ــ كان سعيها الأهم هو كيفية الإبهار التقني، أو اللعب عديم المعنى، كشاشة العرض السينمائي في خلفية الحدث المسرحي، أو توزيع الإضاءة بشكل يؤكد وجودها ــ ظهور الأداة أكثر من جدوى توظيفها ــ إضافة إلى اختلاق ديكور معقد، سواء بالنسبة لأداء وحركة الممثل من خلاله، فقط حتى يقال إنه ديكور مختلف ومتميز، وبغض النظر إن كان ذلك في صالح العرض أم لا. ورغم ذلك هناك العديد من الأعمال التي حاولت واقتربت من الجمع ما بين الحِرفية والوعي، منها على سبيل المثال عروض مثل، أحلام فترة النقاهة، إيكاروس، شقة عم نجيب، ويا غريب الدار.