لندن – «القدس العربي»: حذرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية من خطورة انهيار مصر، وتحولها إلى دولة فاشلة، بسبب «رداءة الحكم، وهشاشة الوضع الاقتصادي».
وأكدت المجلة الأمريكية في تقرير لها أن مصر أصبحت اليوم أقل قدرة كلاعب إقليمي مما كانت عليه قبل عقود؛ نظرا لسنوات من التآكل الداخلي للدولة المصرية، مشيرة إلى أن حال الجيش المصري الآن ما هو إلا انعكاس رديء للقوة التي كانت لدى مصر في عام 1973.
ولع السيسي ببوتين
وشككت المجلة في قدرة الرئيس عبد الفتاح السيسي، العسكري، الذي جاء بعد انقلاب في لعبة الابتزاز، التي يقوم بها مع أمريكا بالتقرب من روسيا واعتبرت «أن السيسي يسعى فيما يبدو إلى إحياء لعبة الحرب الباردة التي جُربت في الماضي وأثبتت نجاعتها في إشغال الولايات المتحدة وروسيا ببعضهما البعض. إضافة إلى ذلك، يبدو أنه معجب إلى درجة كبيرة بالرئيس الروسي بوتين، فكلاهما في الأصل ضابط مخابرات وكلاهما طاغية مستبد. ولكن لدينا ما يجعلنا نشك فيما إذا كانت المؤسسة العسكرية المصرية على استعداد لأن تتحول من الولاء للغرب إلى الولاء لروسيا، كما نشك فيما إذا كانت مصر ماتزال بأهميتها نفسها التي كانت عليها ذات مرة كحليف عسكري للولايات المتحدة”.
وأشارت المجلة الأمريكية إلى أنه “ليس من السهل تحويل أنظمة التشغيل العسكرية بجرة قلم، خاصة بعد عقود من اعتماد مصر على التجهيزات والتدريبات الأمريكية في جميع المجالات فيما عدا شبكة الصواريخ الدفاعية”، مؤكدة أن موسكو لا يمكنها أن تمنح القاهرة المميزات التي تحصل عليها من خلال علاقاتها بواشنطن.
اللعب بالكفلاء
وأشارت المجلة إلى الحاجة للنظر إلى الإيقاع المتسارع في علاقات التعاون ما بين مصر وروسيا خلال السنوات الأخيرة ضمن سياق أوسع بكثير من مجرد المثلث الأمريكي المصري الروسي. فمصر لا تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة بقدر ما ترغب في كسب الدعم الروسي وإضافته إلى ما تحصل عليه من دعم أمريكي. ثم، لقد سعت مصر ما بعد الثورة إلى التحول نحو سياسة خارجية أكثر استقلالاً تتمكن من خلالها من اللعب بكفلائها وضرب بعضهما بالبعض الآخر. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يحدث ذلك ما بين مصر وكفلائها السعوديين والإماراتيين. كما كانت تلك هي الخطة الأصلية لجمال عبد الناصر قبل أن يتحالف بشكل مكشوف مع الاتحاد السوفياتي ما بعد حرب السويس في عام 1956.
بمعنى آخر، لا ترغب مصر في أن تكون متواكلة على روسيا أكثر مما هي متواكلة على الولايات المتحدة. أضف إلى ذلك أن السيسي سعى إلى توسيع الارتباطات الدفاعية والتجارية مع ألمانيا وفرنسا تماماً كما فعل مع روسيا.
وفي خضم طفرة الزيارات والإعلانات الثنائية فإن من السهولة أن يقع المرء في المبالغة في تقدير حجم ما تقدمه روسيا لمصر. خذ على سبيل المثال قروض روسيا لمصر، والتي يتوجب على مصر سدادها، فهذه ليست بديلا عن المنح التي تقدمها الولايات المتحدة مساعدة لمصر، كما أن روسيا ليست في نفس المقام كالولايات المتحدة من حيث تسهيل دخول مصر إلى العواصم الأوروبية وإلى المؤسسات المالية الدولية. ما تحتاجه مصر هو الاستثمار من قبل القطاع الخاص، وتحتاج من ذلك إلى الكثير والكثير جدا – وليس هذا مما بإمكان بوتين أن يقدمه. أضف إلى ذلك أنه ليس من السهل تحويل أنظمة التشغيل العسكرية بجرة قلم وخاصة بعد عقود من اعتماد مصر على التجهيزات والتدريبات الأمريكية في جميع المجالات فيما عدا شبكة الصواريخ الدفاعية.
كما أن بوتين لم يكن داعما للسيسي بلا شروط كما يزعم بعض الناس، وفي نفس الوقت لم يرحب السيسي بكل استهلالات بوتين ومقترحاته. مازال بوتين محجماً عن استئناف جميع الرحلات الجوية التجارية إلى مصر، والتي توقفت منذ التفجير الإرهابي الكارثي في 2015 والذي حطم الطائرة الروسية بعيد إقلاعها من مطار شرم الشيخ. صحيح أن بوتين وافق مؤخرا على السماح للرحلات الجوية بالتوجه إلى القاهرة ولكنه لم يسمح بعد باستئنافها إلى المطارات المطلة على ساحل البحر الأحمر، والتي كانت المقصد الرئيسي للسياح الروس الذي كانوا يترددون على مصر بأعداد كبيرة. وأما السيسي فمازال محجماً بدوره عن الاستجابة لطلب روسي بالسماح للروس باستخدام المطارات العسكرية المصرية – ربما لأن من شأن ذلك أن يضر بعلاقاته مع المؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة.
مصر لم تعد لاعبا إقليميا
و تساءلت المجلة لكن ماذا لو انهارت العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة ومصر لأي سبب من الأسباب وسعى السيسي إلى تعويض ذلك من خلال التحالف المكشوف مع روسيا؟ سيبدو ذلك على السطح كما لو كان انسحابا آخر للولايات المتحدة من موقعها الذي كانت يوما تهيمن فيه على المنطقة. أما من الناحية العملية، فإن تأثير ذلك على المصالح الأمريكية سيكون أقل بكثير مما كان متوقعا في الماضي.
وتقول المجلة إن مصرا لم تعد لاعبا إقليميا فباستثناء ليبيا، والتي هي أكثر أهمية بالنسبة للأوروبيين منها للمصالح الأمريكية، لم تبد مصر رغبة في نشر قواتها خارج حدودها. لقد انتقلت القوة إلى الخليج نظرا للأهمية المتزايدة للنفوذ الاقتصادي، وفي الوقت ذاته تفوقت البلدان العربية الأخرى وبلدان شمال أفريقيا على مصر في مجالات مثل التنمية البشرية. وبينما يبدو أن إدارة ترامب تعتقد بأن مصر تشكل حجر الزاوية في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، إلا أنه لا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو ولا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتوقع منهما تجاوز ما رسمه كل منهما لنفسه من خطوط حمراء نزولاً عند طلب من السيسي.
تقف معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية على أرض صلبة، كما أن العلاقات الثنائية، الدافئة على المستوى الرسمي الباردة على المستوى الشعبي، لم تعد تعتمد على تشجيع الولايات المتحدة ولا على تدخلاتها. والأغلب أن مصر ستستمر في السماح للسفن الأمريكية بالعبور من خلال قناة السويس مقابل المبالغ السخية التي تدفعها البحرية الأمريكية. قد تبادر مصر بحظر حقوق التحليق والهبوط للطائرات العسكرية الأمريكية، ولكن هذه المصلحة نفسها غدت أقل قيمة مما كانت عليه ذات يوم بفضل استمرار الولايات المتحدة في تعزيز موقعها في قطر.
كما أن السلوك العربي الآخذ في التساهل تجاه إسـرائيل والانفـتاح عليها قد يفتح هو الآخر خطوطا جـديدة للطـائرات المدنيـة والعسكـرية على حـد سـواء. وأخيرا، يصعب تقدير القيمة الحقيقية لتعاون مصر مع واشنطن في مجال مكافحة الإرهاب، ولكن ما نعلمه يقيناً هو أن السياسات المصرية تساهم بشكل أو بآخر في مفاقمة مشكلة الإرهاب، ونعلم كذلك أن مصلحة القاهرة تكمن في الاستمرار في عمليات مكافحة الإرهاب بغض النظر عن مستوى العلاقات بين مصر والـولايات المتحـدة الأمـريكية.
وتخلص المجلة إلى أن مكمن الخطر بالنسبة للولايات المتحدة لا يتمثل في احتمال خسارتها لمصر وإنما في احتمال أن تنزلق هذه الدولة ذات المئة مليون نسمة لتغرق في مصير غامض أو لتصبح حتى دولة فاشلة . ما من شك في أن ذلك سيكون مآلا مؤسفا حقا، وذلك أن مصر القوية من شأنها أن تكون مصدرا مهما للاستقرار في الشرق الأوسط. إلا أن التنافس مع موسكو على ولاء مصر لن يوقف انهيار البلد.
ثم، لابد من التحذير من أنها من خلال التزلف إلى السيسي والسعي إلى استرضائه، بالرغم من سياساته الضالة؛ خشية أن يتحول إلى روسيا، فإن الولايات المتحدة إنما تزيد من احتمال تحقق مثل هذه المآلات السوداوية. لم تعد مصر جائزة استراتيجية يمكن للولايات المتحدة أو روسيا أن تكسبها، وإنما باتت تحديا يحتاج إلى المعالجة من خلال الدبلوماسية الحذرة، وربما عند الضرورة من خلال دبلوماسية الإكراه.
«مودرن دبلوماسي»: استهداف الشرائح غير الناطقة بالعربية في الشرق الأوسط!
لقاء مريب بين مجموعتي إعلام سعودي – بريطاني
منذ أمد قريب تجد القيادة السياسية في السعودية نفسها راضية عن نتائج أدائها في الصراع الدائر مع قناة الجزيرة القطرية لاستقطاب أكبر شريحة ممكنه من المشاهدين الناطقين باللغة العربية، وبالتالي وضعت السعودية الآن نصب أعينها الهيمنة على المشهد الإعلامي للشرق الأوسط من خلال استقطاب شرائح أخرى غير ناطقة بالعربية.
وقال موقع «مودرن دبلوماسي» إنه في أعقاب الاهتمام الشديد الذي أبداه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في العام الماضي من خلال وضع يده على الإعلام العائد للسعودية من خلال عمليته الشهيرة، والتي رفعت شعار محاربة الفساد وتبرير انتزاع الأصول من أصحابها والمعروفة باعتقالات الريتز، أعلنت المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق (SRMG) هذا الأسبوع عن ارتباطها مع موقع (أخبار بريطانيا المستقلة – Britain’s Independent news) وتوسعة نطاق الشرائح المستهدفة لتشمل الناطقين بالأردية والتركية والفارسية بالإضافة إلى العربية.
ومن جانب آخر، لم يقدم إعلان المجموعة أي تفاصيل عن الهيكلية التي ستعتمد في العمل، والكيفية التي ستكون عليها الهوية التجارية لمواقع الويب ذات العلامة التجارية المستقلة العائدة لـ SRMG. وقد لا يمثل ذلك مشكلة من وجهة نظر موقع (بريتن إندبندنت نيوز)، نظرًا لأن الصفقة ترقى إلى المعايير البريطانية التي تسمح بترخيص علامة تجارية لمحتوى يعود لشريك من خارج البلاد. ومن المقرر أن يتولى إنتاج القسم الأكبر من محتوى المواقع الإلكترونية الجديدة، صحافيون تابعون لـ SRMG ومقار أعمالهم ستكون في لندن وإسلام أباد واسطنبول ونيويورك، بينما ستتوقف مساهمة (الاندبندنت نيوز ) على تقديم المقالات المترجمة من موقعها باللغة الإنكليزية.
وأوضح موقع (الإندبندنت نيوز) إن المواقع التي ستكون إدارتها من خارج مقار الرياض ودبي ستقدم أخبارًا وتحليلات مستقلة عالية الجودة وستُعنى بالشؤون الدولية والأحداث المحلية.
دبلوماسية دفاتر الشيكات
وتصدر عن المجموعة السعودية للأبحاث SRMG صحيفتا (Arab News) الناطقة باللغة الأنكليزية، و(الشرق الأوسط) الناطقة باللغة العربية، وهي صحف تعمل ضمن القيود الرقابية السعودية الصارمة التي لا تسمح بالخروج عن نهج الدولة والتي هي للإعلام الشمولي الموجه أقرب منها للفكر المستقل والتحليل المحايد في قراءة الأحداث. ومنها على سبيل المثال توقف صحيفتا (الشرق الأوسط) و(الحياة) عن انتقاد روسيا ولبنان حينما طلب منهما وزير خارجية السعودية الراحل (الأمير سعود الفيصل) ذلك . كما يقول ديرسي
وفي عام 2015 ترأس الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود (عضو غير معروف في الأسرة المالكة السعودية) مجموعة SRMG وتم تعيينه مؤخرا وزيراً للثقافة في البلاد، وهو من تصدر عناوين الصحف في العام الماضي حينما دفع 450 مليون دولار أمريكي ثمناً للوحة (المخلص) التي رسمها ليوناردو دافنشي، وزعمت حينها صحيفة (وول ستريت جورنال) بأنه كان وسيطاً وأن المالك الحقيقي للوحة هو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وفي العام الماضي اشترى سلطان محمد أبو الجدايل ما نسبته 30% من أسهم (الإندبندت)، وكونه مصرفياً سعودياً لا يمتلك أي سجل في عمليات الاستحواذ فقد استرعى إهتمام وسائل الإعلام . وفي حينه صرح المدير التنفيذي لدى شركة (الأهلي كابيتال)، وهي شركة تابعة للبنك الأهلي التجاري الذي تسيطر عليه الحكومة، بأن أبو الجدايل كان يستثمر لحسابه الخاص!
وفي عام 2015، تسربت مراسلات دبلوماسية سعودية، مما سمح بتسليط الضوء على النمط المتبع في شراء السمعة الإيجابية للسعودية – وهو ما أطلق عليه في حينه (دبلوماسية دفاتر الشيكات السعودية) – من خلال تشجيع وسائل الإعلام الأوروبية والشرق أوسطية والإفريقية على إستضافة (المثقفين) السعوديين في البرامج الحوارية لمقارعة البرامج والتحليلات المعادية للمملكة.
أما بخصوص طرق التمويل لشراء السمعة فقد تباينت بين (إنقاذ) وسائل إعلام متعثرة مالياً وتبرعات من جهة، ومن جهة أخرى شراء الآلاف من الاشتراكات، ورحلات مدفوعة التكاليف بالكامل إلى المملكة. وغالبًا ما كانت الدوافع المعلنة هو مقارعة خصم المملكة اللدود، إيران.
بدأ الصراع للاستحواذ على الساحة الإعلامية العربية في عام 1996، وهو العام الذي انطلقت فيه قناة الجزيرة القطرية، بعروضها الحوارية الخارجة عن ما هو مألوف للأذن والعين العربية والتي تعودت على إعلام الأنظمة القمعية الشمولية العائدة في معظمها لنماذج الحقب النازية – الستالينية. وهذه النقلة النوعية التي قدمتها الجزيرة هي ما دفع وليد بن إبراهيم آل إبراهيم، صهر العاهل الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، إلى إطلاق قناة «العربية».
وعزز صعود قناة الجزيرة إدراك القيادة السياسية في للسعودية بأهمية التوسع من الإعلام المطبوع إلى البث المرئي، وهو الإدراك الذي لم يتم الوصول إليه في لحظة حرجة سبقت ولادة الجزيرة بست سنوات عندما غزا العراق الكويت. في حينها منعت السلطات السعودية الإعلام السعودي من الإبلاغ عن الغزو! وتم رفع هذا الحظر بعد مرور3 أيام على الغزو بعد أن اتضح بأن الشعب يحصل على أخباره من وسائل الإعلام الأجنبية، ومن بينها سي إن إن.
ومن جانب آخر تصاعد الصراع السعودي القطري للسيطرة على فضاء البث المرئي في الفترة التي سبقت نهائيات كأس العالم هذا العام في روسيا. لقد تم حظر قناتي الجزيرة و beIN في المملكة، كجزء من المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية التي تقودها السعودية والإمارات منذ 13 شهراً على قطر، وفي الوقت ذاته غضت الحكومة السعودية الطرف عن beoutQ – وهي قرصنة منظمة لحقوق بث beIN – والتي تبث عبر قمر صناعي تملكه الحكومة السعودية !
وفقط إثر تهديدها من قبل ال FIFA باتخاذ إجراء عقابي، بدأت المملكة العربية السعودية في اتخاذ إجراءات صارمة ضدها، وقالت إنها ترحب وتدعم بالإجراءات القانونية التي بدأتها ال FIFA، في الوقت نفسه، غضت فيه الطرف عن القرصنة الداخلية في تحد مبطن لحقوق البث الخاصة بشبكة beIN.
تصعيد مع قطر
إن اختيار اللغات لمواقع الإنترنت المستقلة يوحي في البداية بأن الصفقة ستعزز العلامة التجارية للمجموعة السعودية بينما الهدف الحقيقي هو تعزيز الهيمنة الإقليمية في مجال الإعلام وتصعيد للصراع مع قطر وبشكل ما إيران من خلا إطلاق موقع على الإنترنت باللغة الفارسية.
وبترك السياسة جانباً فمن غير المحتمل أن يتجاوب الإيرانيون – الذين يواجهون أزمة اقتصادية بفعل العقوبات الأمريكية القاسية – مع الموقع، فجميعهم يدركون دور السعودية في العقوبات التي تعبث بقوتهم اليومي.