مبادرات السلام الأمريكية تأتي لتحقيق السلام ولرفع مستوى مكانة الولايات المتحدة، وقد فشلت في المهمتين. فمآلها الفشل عقب الميل للاستخفاف بتعقيدات العنف في الواقع العربي والإسلامي، وبسبب الاستعباد لسيناريوهات تبسيطية، أماني قلبية وتوقعات لحلول سريعة.
لقد وقعت المبادرات ضحية للمواجهة بين أمنية الغرب في تحقيق اتفاقات تنتج راحة قصيرة المدى من جهة، وجوهر الأمن القومي القائم على أساس رؤية بعيدة المدى من جهة أخرى، وقد أحبطتها ظواهر بركانية تصمّ الواقع العربي والإسلامي العامّ منذ القرن السابع للميلاد، من مثل: الانشقاق القبلي ـ الديني ـ الفكري العنيف، وانعدام التسامح، ورفض التعايش السلمي المحلي والإقليمي، وحكم الأقلية الذي ينتهك حقوق الإنسان، والأنظمة غير المستقرة، والاتفاقات المتهالكة. ولقد فشلت المبادرات بسبب مفاهيم مغلوطة تفترض بأن النزاع العربي ـ الإسرائيلي هو «النزاع الشرق أوسطي»، والقضية الفلسطينية (جذر النزاع) هي مصدر الهزات الإقليمية والإرهاب.
هذه المفاهيم انهارت مع نشوب «الربيع العربي» الذي لم يكن مرتبطًا على الإطلاق بالنزاع العربي ـ الإسرائيلي وبالقضية الفلسطينية، اللذين وزنهما الإقليمي هامشي. ثم إن التركيز على القضية الفلسطينية ـ حين تقف الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب أمام تهديدات ومخاطر أشد وأثقل ـ مس بالردع الأمريكي وبمكانتها الإقليمية والعالمية.
لقد سعت المبادرات إلى أن تفرض على إسرائيل تنازلات بعيدة الأثر وخطيرة على الوجود، حين منحت جائزة للعنف المنهاجي، ومن ثم شجعت الإرهاب، وكانت هذه المبادرات قد أقيمت على أساس معادلة غير أخلاقية بين المعتدي العربي أو الفلسطيني من جهة والضحية الإسرائيلية.
ثم بين الإرهاب الإسلامي والدولي، الذي تأثر بالإرهاب الفلسطيني من جهة، والطراز الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب من جهة أخرى. أو بين إسرائيل، الحليفة الأكثر مصداقية للولايات المتحدة من جهة، والفلسطينيين، حلفاء أعداء الولايات المتحدة وخصومها (ألمانيا النازية، الكتلة السوفياتية، إيران، صدام حسين، بن لادن، كوريا الشمالية، كوبا وفنزويلا) من جهة أخرى.
كل مبادرات السلام ألزمت الفلسطينيين بإحاطة الولايات المتحدة وبالتطرف في المواقف، ولهذا فقد أبعدت الحل ومست بالولايات المتحدة التي أصبحت هدفًا مفضلاً للإرهاب الإسلامي رغم الضغوط الشديدة التي مارستها على إسرائيل.
حيال الفشل المنتظم للمبادرات الأمريكية (مثلاً، مشروع روجرز، ومشروع ريغان، ومبادرات كيسنجر، وبوش الأب، وكلينتون، وبوش الابن، وأوباما)، وقف الدور الحيوي وعديم البديل للولايات المتحدة في تحقيق اتفاقات السلام بين إسرائيل ومصر والأردن، إلى جانب مساهمتها في تحقيق التعاون بين إسرائيل والدول العربية المؤيدة لأمريكا في الخليج الفارسي.
يجدر بالولايات المتحدة أن تستوعب دروس مبادرات الماضي، وأن تمتنع عن عرض مبادرات مشابهة. بدلاً من ذلك، من الأفضل أن تستخدم نفوذها وقدراتها (مغيرة اللعب) لتحقيق مبادرات استراتيجية مباشرة بين إسرائيل وجيرانها، تقلص هزات الشرق الأوسط وتحقق أمنها القومي أيضًا.
إسرائيل اليوم 24/7/2018