رأيي، لتفعيل منظومة «مقلاع داود». ثمن الإخفاق أمس كان متدنيًا ولكن مشكوك في أن يكون هكذا أراد مبرمجو ومفعلو المنظومة أن يحيوا التدشين الناري التنفيذي الأول لهم.
من الأمور الشائعة أن ليس لتحقيقات سلاح الجو مثيل، فهي معمقة وموضوعية ولا تترك حجرًا على حجر، كل من يشارك فيها يفتح أخطاءه، بصراحة تامة، انطلاقًا من الفهم بأنه لا سبيل آخر للوصول إلى التقصي التام والمطلق للحقيقة عما حدث، وهذا كي تُستخلص الدروس لتحسين المستقبل، انطلاقًا من الفهم بأن للناس حياة، في النهاية.
يجدر بسلاح الجو أن يحافظ على هذه التقاليد في التحقيق الذي سيجريه حول إطلاق صاروخي اعتراض من «مقلاع داود» أمس نحو صواريخ أطلقت من سوريا. والتحقيق الجذري والمعمق وحده، بمشاركة الصناعات الأمنية، يمكنه أن يتعرف بالضبط على الإخفاق في الحدث، وفي المرحلة المبكرة هذه واضح أن هذا إخفاق ذو مغزى يستدعي استخلاص الدروس التكنولوجية والعملياتية.
في صالح المنظومة (ومستخدميها) يقال إن التحدي الذي تلقته أمس كان من أعقد التحديات في عالم الصواريخ والمقذوفات الصاروخية. فصاروخ اس اس 21 («توتشكا») هو صاروخ متطور، صورة طيرانه تختلف عن الصواريخ الأخرى. ويحتمل أن يكون هذا هو السبب في أن الرادارات اعتقدت في البداية أن الصواريخ ستضرب أهدافًا في إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى التفعيل التلقائي لصافرات الإنذار في الشمال.
سيفحص مبرمجو ومفعلو الرادار بالتأكيد هل كان ممكنًا الوصول إلى نتائج أفضل في وقت أقصر في المستقبل، منعًا لإطلاق عابث وتضليل مستقبلي للمنظومة، ولكن هذا هو الجزء السهل في الحدث. فالتحقيق سيعنى أساسًا بالقرار القيادي لأن تطلق لأول مرة صواريخ اعتراض «مقلاع داود» وحقيقة أن الاعتراض فشل. ليست المشكلة في التبذير الظاهر للمقدرات (مليون دولار كلفة كل صاروخ اعتراض) بل في الإخفاق نفسه؛ للقدرات الاعتراضية لمنظومات الدفاع الفاعلة دور مهم آخر: يفترض أن تردع العدو من مجرد فكرة إطلاق الصواريخ، لعلمه أن فرص تلك الصواريخ بالإصابة وإلحاق الضرر قليلة.
«مقلاع داود» يفترض أن يكون الرد الأساس ضد صواريخ حزب الله. الجانب الإيجابي في الإخفاق، أمس، هو أنه لم يلحق أي ضرر؛ فقد سقطت الصواريخ في الأراضي السورية، ولم يصب بأذى أي هدف في إسرائيل. الجانب السلبي هو أن المنظومة، التي أعلن عنها تنفيذية، في نيسان الماضي، ليست ناضجة على ما يبدو: مطلوب أن تدخل فيها تحسينات وترتيبات قبل أن تتمكن من القيام بمهامها في منطقة مفعمة بالتهديدات الباليستية التي يمكن أن تتحقق في كل لحظة تقريبًا.
في هوامش التحقيق، خيرًا تفعل القيادة العليا إذا ما تأكدت بأنه لم تكن في منظومة الدفاع الجوي حماسة زائدة لتفعيل منظومة «مقلاع داود»، فالسعي إلى الاشتباك العملياتي هو ميزة مباركة، ولكنها ميزة ترافقها مخاطر. لشدة الحظ فإن ثمن الإخفاق، أمس، كان متدنيًا، ولكن مشكوك في أن يكون هكذا أراد مبرمجو ومفعلو المنظومة أن يحيوا التدشين الناري التنفيذي الأول لهم.
إن الانشغال في إخفاق «مقلاع داود» صرف الانتباه بشكل طبيعي عما يجري في سوريا. ومع ذلك، فالجيش السوري أطلق الصوايخ كجزء من استكمال سيطرته على هضبة الجولان. ولم يبق له الآن غير منطقة مثلث الحدود الذي تسيطر عليه منظمة متفرعة عن داعش، والتي سيسيطر عليها بالتأكيد في غضون وقت قصير.
من ناحية إسرائيل، ثمة في هذا فضائل ونواقص؛ في الجانب الإيجابي سيكون هناك عنوان واحد في الطرف السوري، وهو الحكم في دمشق. أما الجانب السلبي، فمن شأن الإيرانيين أن يرافقوا السوريين. هذه المسألة كانت، أمس، في بؤرة اللقاءات التي عقدها قادة المنظومة السياسية ـ الأمنية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان الروسي، اللذين وصلا إلى البلاد بالتوازي مع هجوم مهم آخر نسب لسلاح الجو. وهذه المرة أيضًا ضد مساعي تثبيت الوجود العسكري الإيراني في سوريا.
وأعرب الضيوف الروس عن احتجاجهم على المساعدة التي منحتها إسرائيل لإنقاذ رجال «الخوذات البيضاء»، خصوم الرئيس الأسد. في إسرائيل سمعوا، وانتقلوا إلى الأمام. وليس هذا هو ما يثقل على العلاقات مع موسكو، إنما يزداد الثقل حين توضع على الطاولة تحديات أكثر تعقيدا.
يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 24/7/2018