المعنى الجنائزي في الشعرية العراقية الحديثة

على هامش «ثورات الربيع العربي» حصل ما يشبه الفرز المؤثث لمشهد شعْرنة الحدث السياسي في سياق عام، تجلّى ذلك في تجارب إبداعية عدّة مناهضة للراهن الموبوء، على امتداد الخارطة العربية، ما يهمنّا ههنا تلكم النموذجية التي سجّلتها أقلام عراقية شابة ومخضرمة، انكفأت على أضرب تقصّي الإنسانيّ والمعزول، تبعا لدينامكية حركة وليدة يمكن معالجة الخطاب الذي وسمت به في كواليس تجربة الصعلكة الجديدة، أو موجة الميليشيا الثقافية التي تُعنى بمقاربة كمّ الفوضى وزخم الخراب الناجم عن حروب طاحنة باسم الإيديولوجية والدين. من ثم بروز هذا الخطاب الذي يحاول إنتاجا مغايرا وفلكلوريا لمعنى الوجود، ويجدد ديدن تدوير أسئلة الموت والهوية، على نحو يورّط الذات بأبعاد المعاناة، وليس يرقى بها إلاّ إبداعيا، إنها بهذا تعد كتابة انقلابية لم تولد من عدم.

فعل التصعلك

نجد النص المرتكز إلى فعل التّصعلك، جاء ليوقد هشيم الروح المهدورة، بما اللعبة الإبداعية كلية، إستثناء وبصمة دامغة بأدبيات التداخل والتلاقح واللاشكل والعبور الأجناسي الحرّ والانفتاح الأعمى المدغدغ بثقافة الميليشيا المهمومة بتفاصيل طور بناء هوية وجودية صرفة، على أنقاض جيل الهزيمة والانكسار الذي تؤرقه ظرفية توسل ملامح الخلاص الأخير.

سيرة الأشلاء

إن هذه الحركة الشعرية الجديدة، وإن زاولت على الذائقة نوعا من الارتماء بين أحضان المفقود، ممثلا في نبرة التغنّي بالأمجاد السّليبة، واستغراقا لمحطات تاريخية منتقاة، تعكس عناوين المواساة المفترض اقتطافها أو اقتناصها من الصفحات الأكثر إشراقا في الصيرورة البشرية عموما، ما تلبث الذات من خلالها تحيد عن مثلب الاستنساخ والاجترار الذي قد يختنق به معنى الجدة والمغايرة في مناسبات جمة، ما يملي مغامرة إخضاع اللغة لغربلة قبلية تفيد برزخية الانفلات وتترجم عمق ومرارة التجربة في انسلالها من ذاكرة مثقوبة، تفتح آفاق المواكبة والتماهي مع روح العصر.
نقرأ لعبد الحسين الحيدري في نص « قشّ جوهري»:
«في الهبوب الأخير من الحزن أجّلتُ
دمعي
تخاصمت والشذرات العتاق .. تعاليتُ
شمسا بضلعي
وما بين حقويه … ضلعيه …
ــ لا أتذكر ــ هل كان حرفي
بريئا؟».

هوية كونية

قد تغطّي دوال الجماعة الضالة، على المرام الإنساني المراد عولمته عبر هذه الحركة في طقوس انشدادها للمشهد الجنائزي، وطرقها سيرة استنطاق الأشلاء، حدّ نفخ الروح فيها، ومنحها ولادات ثانية وأنسنتها، توغّلا في العوالم الموازية لنصوص الواقع الذبيحة فيه هوية العربي بل والزائفة ملامحها، على نحو باعث على الشماتة والغثيان. وهو انطلاق باتجاه العالمية المحتفية بصوت الانكسار، تساير ضمنها الكينونة تيارات المضاد لبلوغ مراتب معينة من الخلاص والكماليات في نسبيتها بالطبع، حتى وإن امتطى معجم سرديتها الشعرية، صهوة التصالح مع الموت والتحلي بنعوت الفروسية في السير المهيب صوب فخاخه.

يقول كاظم خنجر
في نص «جثث»:

« كانوا يخلطون الجثث، وعندما نخرج إلى الساحة العامة في الصباح، كنا نتيه مثل بصرٍ ضعيف، ونقارب بين الرأس وجثته، وندرك في أعماقنا أننا نمنح الرؤوس لجثثٍ لا تعرفها. الآن يرتّبون الجثث، يوحّدون أزياءها، يضعون الرأس على الظهر. أما نحن فما عدنا نخرج، لأن الجثث المرتّبة وصلت إلى ساحات المنازل. نقيس نبتة الموت على الجثث المتروكة فوق الإسفلت، ببقعة الدهن السائح تحتها، إلاّ أننا لا يمكننا ذلك مع الجثث المتروكة على التراب.».
إن مثل هذه الكتابة التي تضع الحرف في قفص الاتهام، لا تكترث بغير القش وقشريات الحياة وهي تبدو كفاكهة للغواية محرّمة، دونها المجازر وتسويد الفراغات بالجريمة السياسية إذ تطارد المستضعفين بدرجة أولى في أدقّ أمورهم وأجلّها، ممهدة لهم أسباب ما يشبه العيش في اللحظات الهاربة.
ومن أجواء قصيدة «وحدها التوابيت لملمت ما بقي منا» لأحمد ضياء، نقرأ هذا الطقس:
« أنا وإخوتي
عيوننا تتنافسُ على القبر
في معجم القتلى
تستوعبُ الصهاريج خانات الجثث
تحسبُ حيازتها للشظية
تدركُ انغماسها في جوف الخجل.».

جدلية الإرهاب والدين

غالبا ما تنبش كهذه شعريات في نقاط التماس بين المقدس والمدنس، مغلّفة بوعي يحول دون الخلط بين المنظومة المفاهيمية التي توجّه المعنيين، وإذا كانت الصعلكة السابقة لفجر بزوغ الاسلام كدين جديد، منحت القدر الكافي من الجذر الحنيفي، فإن هذه الحركة الوليدة تورّط التزمت والغلو وتدين مبررات ومسوّغات اعتناقهما بشدة، وهو أحد الوجوه المكرسة لانتصارها لوسطية واعتدال وعالمية الإسلام، تشرع الأفئدة بالكامل على أنطلوجيا القبح إذ تجره نوبات الاستسلام للبهيمية الآدمية ،ومن ثم الزيغ عن نواميس السليقة والفطرة السليمة، وترغّب في التطرف عقيدة وسلوكيات، هدّامة منتجة لكل هذا الموت والخراب.

نقرأ لمازن المعموري:

«كنتُ أقفُ أمامَ فرنِ الكعكِ صباحاً حتى الليل، أنزعُ جلدي وأحميه على النارِ, ثم أقشطُ حراشفه المزرقّة , وأجمعها في كيسٍ أسود كي لا يراها أحدٌ غيري في البيتِ, أضعُ كلّ خليةٍ منها بجانبِ الأخرى حسبَ ألوانها, فما يسودُّ منها بقي يقاومُ النار طويلا, أما الخلايا الزرقاءَ فقد لونها الهجيرُ على مهل حين دخلتُ آخر مرةٍ الى غرفتي, وجدتُ شخصاً يقشّرُ جلدَ النافذةِ ليفتحَ ثقباً فيها كان هناك خلفَ النافذةِ أربعةَ أشخاصٍ ملونين يجمعون دموعاً يابسةً تستلقي على النافذة».
ومحمود عواد في نص «موت»:
«هي تختلفُ في ولادَتِها أيضاً
فكلُّ الذئابِ تولدُ من جنسِها
بينما الخَشبيةُ تلدُها حرارةُ لحمِ الإنسانِ
عذراً أيُّها النجارُ
هل تعلمُ أنَّ يدكَ
أُمّاً لأشرسِ ذئبٍ في العالمِ
أيُّها الله
متى
يأكُلكَ هذا الذئبِ ونستريح.».
إنه وجع الصورة مثلما ينتجه الاحتكاك الفعلي مع واقع الخراب، تزخر به هذه التجربة العميقة في خيوط انتمائها إلى لحمة تعبيرية في أوج اللعبة الرمزية الناقل لها شعر مترهّل بوخزات الحروب الصغيرة، معلنة دورتها الفلكية إذ تضيء من خلالها الذاّت المغرقة في خطاب الواحدية للكل، والعكس بالعكس تماما. متاهة إبداعية تنشد اختزال معنى الشهادة على خطوط التماس بين الإيديولوجي والعقدي، تغرس القصيدة في بعد طوباوي قصي، يحجب الأفق الإنسانيبالكامل ، إلاّ عن تغامز تاريخي يكرر نفسه ويفصح عن أنين الطين في الوجوه والأسماء العابرة.
يقول علي تاج الدين في قصيدة «موال»:

«وأنا أخلق فصولا بلا كلاب
خلاياي تقفز فوق السماء
والموت يختبئ في ظلي
تفسّخي
أول من تذوق لون الأشلاء
وقدرك يتبجّح بالسلاحف
دمائي تعيد ترتيب الرمال
وأنت تسكر بالفراغ.».

ويقول وسام علي في نص « شمس منتصف الليل» :
«يعتلي أحدنا الآخر،
يصبغنا التراب بأثر الكلب الذي قضى ليلته وحيدا،
الحائط بنافذة تحمل إحباط العالم والسقف يحتفظ بصدأ شتاء يشبه قحبة نحيلة،
لا باب يحرسنا ولا جدار ولا أحد يهتم ببذاءتنا الجميلة،
فيا ابن الكلب العطش،
اختبئ تحت ثديي الأيسر حيث قلبي،
فلا ماء يبقى في تموز الراكض بعري لامع،
ولا ظل لك غير عانتي السمينة
فادفع لسانك ثمن هذه الظهيرة.
فتاة بعمر الغرفة التي قصفت منذ عشرون سنة،
فتاة تنام في كواليس طفولتها.».

وفي قصيدة « نخلة ميتة» يقول حسن تحسين:
«إلى متى..
يعلن الكذب شباكه المقفل
وتسقى العناوين بنقاط محذوفة؟
وتفتت الشمس
شارب السماء
إلى متى تفرح صدورنا
وتقّبل يد لاطميها
إلى متى نبعث من سماد آخر؟».

٭ شاعر وكاتب مغربي

المعنى الجنائزي في الشعرية العراقية الحديثة

أحمد الشيخاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية