ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
لندن – “القدس العربي”:
في عام 2016، أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عن برنامجه الإصلاحي الطموح على الصعيد الوطني، والذي حمل العنوان العريض (رؤية 2030)، وهي خطة إصلاحية تسعى الى تنويع الاقتصاد، وتحسين الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم، والحد بشكل كبير من الاعتماد على النفط . وبعد عامين على بدء إصلاحات بن سلمان، آن الأوان لإجراء بعض التقييم لما تحقق من إنجازات في هذه المسيرة.
جاءت جردة الحساب حول الأمير السعودي في تقرير على موقع “كونفيرسيشين” الذي جاء في سياقه أنه من المثير للاهتمام أن تدير هذه الدولة الغنية بالنفط (تمتلك السعودية 16% من احتياطيات النفط العالمية. وتصدر للعالم ما يشكل 13% من واردات سوق النفط العالمي) ظهرها للسلعة التي نقلتها من مملكة صحراوية فقيرة إلى نادي الأثرياء الكبار. ولكون 87% من عائدات الدولة تأتي من النفط، قد يكون من الطبيعي أن يأخذ الإصلاح بعض الوقت ان تمت المباشرة فيه لأول مرة.
“رؤى” السبعينيات
وأضاف التقرير: في الحقيقة رؤية 2030 هي ليست الأولى في المملكة، فقد سبقتها العديد من الخطط الخمسية لتنويع الاقتصاد وتحسين الخدمات العامة وتطوير البنى التحتية للمملكة وحل مشاكل الإسكان، وكل هذا بدأ منذ سبعينيات القرن المنصرم، ومن الغرابة بمكان أنه لم تنجح اية خطة إصلاحية طوال العقود الماضية ولا تزال ذات المشاكل قائمة وبلا حلول في الأفق المنظور. لقد كان هنالك بعض التحسينات في البنية التحتية الاقتصادية، وبعض التطوير لنظام النقل ولكن لم يحدث أي تغيير كبير في اعتماد المملكة على النفط. ولم يكن معظم أعضاء النخبة الحاكمة في البلاد ملتزمين بالإصلاح، وعملوا على تأجيل معالجة المعضلات المتفاقمة في كل من الاقتصاد والأداء الحكومي والبنى التحتية.
بائع الأحلام
ويشير الموقع الى أنه حينما صعد بن سلمان والمعروف شعبياً بـ(MBS) من منصب “ولي ولي” العهد الى ولاية العهد، كانت هناك توقعات بتغييرات حقيقية وملموسة في البلاد وذلك إستناداً لما أعلنه من أهداف في رؤيته 2030، ومن ضمنها: أن يتم إدراج المملكة من ضمن أقوى 15 اقتصاداً في العالم، ورفع نسبة القطاع الخاص من الناتج المحلي الإجمالي من (40% إلى 65%)، تصنيع 50% من المعدات العسكرية التي يحتاجها الجيش محلياً. رفع نسبة الصادرات من المنتحات غير النفطية من 16% إلى 50%، زيادة معدل إيرادات الدولة غير النفطية خمسة أضعاف. وأشياء أخرى عديدة . تبدو هذه الطموحات أكبر بكثير من الطموحات الإصلاحية السابقة، ويمكن القول إنها أكثر أهمية لرفاهية المملكة على المدى الطويل مما كانت عليه من قبل. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، سرعان ما وضع بن سلمان أجندة لتحرير الاقتصاد والمجتمع. وربما كان أكبر مشروع له هو نيوم، وهو مشروع بالغ الضخامة ومن المتوقع أن تبلغ ميزانيته 500 مليار دولار، وسيستغرق ما بين 30 و50 عاماً لإكماله، ويؤمل أن يجتذب مبالغ ضخمة من الاستثمارات الأجنبية.
سيتم بناء المشروع في تبوك شمال غربي المملكة، وهي منطقة حدودية تقع بالقرب من مصر والأردن وإسرائيل، وتتمثل الفكرة في بناء مركز حديث للغاية يعتمد على التكنولوجيا الرقمية ويخدم التجارة الدولية، وتعتمد الحكومة السعودية في تمويل المشروع على خصخصة أجزاء من العديد من القطاعات التي تديرها الدولة – بما في ذلك بيع ما نسبته 5% من أكبر شركة نفط في العالم، وهي أرامكو السعودية.
من جانب آخر، يضيف الموقع: يحكى أن بن سلمان بذل جهودًا لخفض البيروقراطية والتشريعات المقيدة التي قلصت من نمو القطاع الخاص السعودي. وإجتماعياً قام بتقليص صلاحيات الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشهيرة)، ويجري تداول حول السماح للنساء بقيادة المركبات وفتح أعمالهن الخاصة دون الحصول على إذن من (ولاة الأمر) ذكور الأسرة.
بروباغاندا.. و”إفلاس المملكة”
لماذا بعد الكثير من المحاولات الفاترة في الرؤى أمسى فجأة تنويع اقتصاد المملكة النفطية حيوياً للغاية؟
لقد شهدت السنوات القليلة الماضية تطوراً كبيراً في قطاع الطاقة المتجددة، وفي حينه ساعدت ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة على تشبع السوق بالفعل، وفي إحدى المراحل، انخفضت أسعار النفط من 140 دولارًا إلى أقل من 30 دولارًا أمريكيًا للبرميل، مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة العجز في الميزانية، وتراجع الاحتياطيات المالية، حتى أن تقرير صندوق النقد الدولي حول الملاءة المالية للمملكة كان يشير إلى إحتمالية إفلاس المملكة، ان لم تقم بإعادة هيكلة اقتصادها بشكل عاجل. هناك أيضاً جانب سياسي، فعندما أصبح بن سلمان ولياً للعهد، فعل ذلك على حساب محمد بن نايف (ابن عمه)، الذي جُرد من جميع مهامه الرسمية، مما أغضب قطاعات واسعة من الجمهور والنخب الحاكمة السعودية. وبالتالي من الواضح أن هدف بن سلمان من هذه البروباغندا هو تعزيز موقفه، وبناء الشرعية من خلال فرضها بالقوة، وإرسال رسالة واضحة إلى أولئك الذين يعارضونه.
تذمر واستياء واسعان
ومع ذلك، فإن أسلوب بن سلمان الحازم الذي لا يلين، والذي يحمل سمات ومكونات الهوية السياسية الفريدة في طريقة إدارة المملكة العربية السعودية، سيصطدم في مسيرته بصخرة صلدة مكونة من عوامل رئيسية وهي:
أولاً، تصاعد التوتر مع التيار المحافظ وهو مكون رئيسي تجده في المؤسسات الدينية والقبلية القوية في المملكة. بدأ ينتقد بقوة هذه الإصلاحات.
ثانياً، ترفع سياسة التصعيد التي ينتهجها بن سلمان تجاه إيران، من إمكانية نشوب حرب بين الدولتين، وإلى جانب التكلفة البشرية المؤكدة (وهو ثمن باهظ تدفعه البلاد الآن في حملة اليمن)، فإن هذا سيصرف الاهتمام عن الإصلاح وسيستنزف الخزائن السعودية، مما سينهي المشاريع ذات التكلفة العالية مثل مشروع نيوم، ويجهز على رؤية 2030 بالتبعية.
ثالثاً، أمر بن سلمان بسلسلة من الاعتقالات تشمل اتهامات بالفساد لرجال أعمال ووزراء حكوميين وأعضاء من أسرته الملكية. كما اتهم أنه كان وراء احتجاز رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، في أواخر عام 2017، الذي أُجبر على تقديم استقالته على شاشة التلفزيون بعد وصوله الى الرياض وبالرغم من أنه بعد أربعة أشهر، بدا أن الحريري والملك السعودي سلمان على ما يرام. فإن هذه السياسة المتهورة على الصعيد الإقليمي والإعتقالات التعسفية لا تقلص من شعبية بن سلمان فحسب، بل إنها تفقده أيضاً الموثوقية، وتضع البلاد بصورة تبدو عليها غير مستقرة أمام المستثمرين الأجانب والقطاع الخاص.
ولا شك أن برنامج الإصلاح الحالي هو خطوة عملاقة إلى الأمام من أجل رفاهية المملكة في المستقبل، ولكن الكيفية التي سيتم فيها تنفيذ هذه الإصلاحات ومتى؟ هو أكثر أهمية وبمراحل من الطريقة المسرحية المُبهرة التي تم فيها الإعلان عن هذه الإصلاحات. وبالنظر إلى طريقة بن سلمان العدوانية والاستفزازية في سياساته الخارجية والداخلية، من المؤكد سيجلب هذا الأمير “التقدمي” مجموعة جديدة من التعقيدات لعرقلة الإصلاحات قريباً.
هل هذا أمر مقصود؟ أم أن التهور هو ما جبلت عليه شخصيته؟ .. الأيام المقبلة ستكشف الكثير.