تشخيص العدو على أساس أنه عدو ليس «عنصرية»

حجم الخط
0

إحدى الأكاذيب الأكثر انتشارًا وانكشافًا هي أن دفاع إسرائيل عن نفسها في وجه النشاط العربي المعادي ـ الذي يستهدف قتل اليهود بصفتهم يهودًا ـ ليس سوى عنصرية. ويكمن أن يكون أساس الاتهام في أن الوسائل القسرية اللازمة لهذا الدفاع عن النفس تستخدم بشكل مختلف (وبالتالي، كما زعم، تمييزية) تجاه العرب الفلسطينيين مقارنة باليهود الإسرائيليين.
على المستوى المبدئي، فإن الادعاء بأن أعمال الإحباط التي تقوم بها جماعة معينة ضد محاولات جماعة كدية للمس بها أو بأعضائها، مصابة، بمجرد طبيعتها، بعداء جماعي مرفوض، هو ادعاء مدحوض فكريًا، وأخلاقيًا وعمليًا. أما على المستوى الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فهو مدحوض بأضعاف.
فبعد كل شيء، فإن مطالبة كيان تنظيمي ما بالتصرف ككيان خصم ـ له معه مواجهة عنيفة ـ بالضبط كما يتصرف تجاه أعضائه، ليس فقط مطالبة غير عقلانية على نحو ظاهر، بل مطالبة غير أخلاقية على نحو ظاهر أيضًا. فهي تنطوي في داخلها على طلب إلغاء، أو على الأقل التآكل الشديد لحق الدفاع عن النفس، الحق في الدفاع عن سلامة الكيان نفسه كمجموعة، وعلى سلامة أعضائه كأفراد.
بقدر ما هو معروف لي، ليس لنظرية الحكم الديمقراطي قول يرفض إمكانية وجود عداء تجاه الدولة الديمقراطية، حتى لو كانت عديمة في الميول العنصرية. كما أنه لا يوجد قرار يرفض إمكانية أن يكون مصدر ذاك العداء من كيان هويته العرقية تختلف عن كيان معظم مواطني الديمقراطية. فكيف يمكن إذن الادعاء بالعلة في قواعد السلوك الأخلاقي للديمقراطية حين تشخص عدوًا كعدو وتتعاطى معه هكذا؟
عندما تطرح الأسئلة على هذا النحو، فإن الأجوبة الناشئة تبدو بسيطة، تكاد تكون مفهومة من تلقاء ذاتها. ولكن، لشدة الأسف، ليس هكذا هو الحال، عند الحديث عن إسرائيل، ولا سيما بالنسبة للمواجهة مع الفلسطينيين.
في هذه المواجهة، تقف إسرائيل الديمقراطية أمام خصم مرير لا يساوم، ذي تطلع جماعي شديد للمس بها وبمواطنيها، تطلع هو عمليًا سبب وجوده. وبالمناسبة، في تصريحات زعمائه، في وثائقه الأساسية وفي سلوك نشطائه، فإن هذا الجمع الفلسطيني يعرّف نفسه، بشكل لا يقبل التفسير بوجهين، كعدو.
وبمن ثم، لا يمكن التوقع من إسرائيل أن تساوي بين الوسائل المستخدمة لإفشال الأعمال العدائية للعدو، بردعها ومعاقبتها، بتلك الوسائل التي تستخدمها ضد مواطنيها، عديمي ذاك العداء. هذا هو السياق الذي ينبغي فيه أن نرى سلسلة الوسائل المستخدمة ضد من ينتمون إلى الجماعة الفلسطينية، ولكن ليس ضد مواطني إسرائيل، مثلاً: تقييد السفر في طرق ما، وفحوصات أمنية على الحواجز، واعتقالات إدارية، وهدم منازل، واجتياحات في الفجر للمساكن، إلى جانب تقليص الحريات الأخرى.
إن استخدام هذه الإجراءات القسرية لا يكمن في عقيدة التفوق العنصري، بل في اعتبارات أمن مواطني إسرائيل، نتاج سنوات كثيرة التجربة المريرة من القتل والدمار. وبالطبع يمكن الاختلاف حول حكمة نجاعة وضرورة كل واحدة من هذه الوسائل أو حتى كلها، ولكن ليس حول السبب الذي يقف خلف استخدامها. دون أي ظل من الشك، هذا عداء عربي وليس عرقية عربية.
تحسن إسرائيل صنعًا، إذن، إذا ما أوضحت لمنتقديها الحقيقة البسيطة التي نسيت أو أخفيت: تشخيص العدو كعدو ليس عنصريًا بل إملاء من العقل السليم ونزعة البقاء.

إسرائيل اليوم 26/7/2018

تشخيص العدو على أساس أنه عدو ليس «عنصرية»
تحسن إسرائيل صنعا إذا ما أوضحت لمنتقديها تلك الحقيقة الغائبة
مارتين شيرمن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية