ماذا يحصل في الشمال، وماذا يحصل في الجنوب حيال غزة وما الفرق بينهما؟ فلنبدأ بالشمال؛ إن الجيش السوري بقيادة روسية عليا وتخطيط روسي، سيطر على معظم هضبة الجولان السورية، وبعض البلدات مثل بلدة نافيه، تعرضت لقذائف من الطائرات الروسية والسورية، ومعظم الثوار استسلموا للمندوبين الروس الذين ضمنوا عبورهم إلى شمال سوريا، إلى منطقة إدلب التي يسيطر عليها عشرات آلاف الثوار، وقوة عسكرية تركية صغيرة. القسم الوحيد في هضبة الجولان السورية الذي لم يحتل بعد هو في جنوبها، قرب نهر اليرموك، ويسيطر عليه داعش، وهو محاصر. محاولات الانقضاض عليه فشلت في ظل خسائر فادحة للجيش السوري. ولما كان كذلك، فإن ما يجري هذه الأيام هو أن المنطقة التي يسيطر عليها داعش ويقاتل من سبيلها، تعرضت لنار المدفعية، والصواريخ الثقيلة وقذائف الفسفور المحظورة الاستخدام والقصف من الطائرات. هذا ما أدى، وأكاد أقول بشكل طبيعي، إلى التورط السوري مع الجيش الإسرائيلي.
والآن إلى نقطة جوهرية بالنسبة لإسرائيل: مع الجيش السوري الذي سيطر على هضبة الجولان السورية، ثمة جنود ببزات سورية من الميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية التي هي برعاية الحرس الثوري الإيراني، وربما أيضًا من القوة المختارة في حزب الله.
في الجانب السياسي، بعد أن ارتاحت إسرائيل لضمان روسيا اتفاق الفصل في 1974 (ورأينا منذ الآن بأن هذا الاتفاق غير ذي صلة على الإطلاق بالوضع الجديد)، برزت في بداية الأسبوع المشكلة الحقيقية في اللقاء الخاص والاستثنائي، عندما جاء وزير الخارجية الروسي ورئيس الأركان الروسي إلى إسرائيل للقاء القيادة الإسرائيلية. في ختامه أعلنت إسرائيل أن الروس وافقوا على ألا تكون «قوات إيرانية» على مسافة (100) كيلومتر من الحدود. علنًا، أعلن الروس عدة مرات أن الجنوب السوري، بما في ذلك هضبة الجولان السورية، يخلو على الإطلاق من أي قوات إيرانية. وللمفارقة، فإنهم محقون: لا توجد أي سرية أو كتيبة أو لواء إيراني.
العناصر العسكرية الإيرانية التي في سوريا هي الأخرى لغرض القتال، إذ يستخدم الإيرانيون الميليشيات التي أقاموها، وليس قوة إيرانية مباشرة، وهذه الميليشيات هي المشكلة، وهي توجد منذ الآن، مموهة، في هضبة الجولان. والخطر الكامن فيها هو الإرهاب من هضبة الجولان. مفهوم أنه ستكون لنا وعود حتى السماء بأنه لا توجد ميليشيات وأنهم أخرجوها من جنوب سوريا، فمن سيراقب ذلك؟ من سيفحص؟
في غزة نعيش حرب استنزاف مع حماس، وافقنا على ذلك. وعندما نوافق نحن على وقف النار، بوساطة الجهات المختلفة، فإننا نخدم حماس، وهي التي ستقرر ما تكونه أعمالها ضدنا في إطار «وقف النار» حتى الجولة القتالية التالية، ومرة أخرى «وقف النار». وبخلاف حرب الاستنزاف الأكثر شهرة، حرب الاستنزاف في جبهة قناة السويس البعيدة، بدون سكان مدنيين في طرفنا، وهنا ندخل مواطني النقب الغربي إلى حرب الاستنزاف.
إن حجة الغيبة التي يعاد طرحها هي أن الخطر كامن في الشمال، ومن ثم لا يريد الجيش الإسرائيلي أن «يعلق» في غزة في ضوء المخاطر الكبرى في الشمال، ولكن هذا ليس صحيحًا، فالخطر في الشمال ليس في المدى الفوري؛ لا يوجد في الشمال أي خطر حرب ضد سوريا، أو إيران، أو روسيا، أو أي جهة أخرى، أقصى ما هنالك تسللات نار. بالمقابل وفي غزة، فإن تصعيدًا بانتظارنا، بل وحرب؛ هناك في الجنوب تشتعل الحقول، أما في الشمال فما من حقول تشتعل. بكلمات بسيطة: الظروف في الشمال لا تمنع أي عملية متواصلة للجيش الإسرائيلي حيال حماس في غزة.
معاريف 26/7/2018