يحتل المكون التعبيري/الأسلوبي، مكانة جد أساسية ومركزية، لدى الباحثين والدارسين بمختلف توجهاتهم اللسانية والإبداعية والفلسفية، باعتبار أن فعل الكلام، كان وسيظل، العنصر الأكثر حضورا في حقل المقاربات العلمية، والمهتمة بالكشف عن القوانين الفاعلة في تأطير العملية التي يتواصل بموجبها الكائن مع ذاته ومحيطه، ما يدل على القوة الإعجازية والسحرية، التي يتمتع بها «القول/ الكلام» منذ فجر التاريخ البشري إلى الآن، حيث لا يُنتظر من المنجزات النظرية بشقيها الفلسفي والجمالي، أن تقف عند حدود تصورات نهائية ومطلقة، من شأنها الحسم في حقائق التعبير اللغوي وأسراره، باعتبار أن استمرارية الكائن في تجديد حضوره داخل المشهد الكوني، تسير بتواز مع تساؤلها المعرفي والنظري، عن مصادر وحيثيات طاقاته اللغوية والتعبيرية، إلى أن يرث الصمتُ برِّيةَ الرحمن ومن عليها.
ومن المؤكد أن الثراء الكبير الذي راكمته البحوث المتخصصة على المستوى العالمي، في مقاربتها لمختلف القضايا المتعلقة بالتعبير اللساني، هو ما يغري الباحثَ بِطرح المزيد من الأسئلة، كما ينبهه إلى ضرورةِ توَخّي الحذر في إصدار الأحكام، تفاديا للوقوع في مِطَبَّاتِ تكرارِ المقولات المستنفدة، أو الوقوع في مزالق التحريف.
وضمن هذا الإطار، وبالهيبة ذاتها، تشكلت الخطوط العريضة لهذه التساؤلات، على ضوء وعينا بالتَّماسَّات الدلالية الحاصلة بين المسارين المتباعدين، اللذين يمكن أن تنهجهما الفكرة أو الرسالة الواحدة، وهي في طريقها إلى بلورة دلالتها، خلال انتقالها من سياق الحياة اليومية العادية، إلى سياق الخطابات العالمة، والعكس بالعكس، خاصة حينما يكون الفرد ملزما بضرورة الاندماج في منظومة تلك العلاقة الثنائية، التي يكون الفرد فيها مطالبا بنسج خيوط تصله، أولا، بمكونات الفضاءات العامة، التي تمارِس فيها كل الشرائح المجتمعية حضورها اليومي، بما يقتضيه ذلك من تلقائية وعفوية في القول، وفي التعبير، كما تصله ثانيا، بمكونات الفضاءات الخاصة، الممثلة في المؤسسات التعليمية والأكاديمية، التي تتخذ من الحياة اليومية والاجتماعية للأفراد والجماعات، موضوعا للتفكير والإبداع والتفلسف. لأن العمق الإنساني للكائن، يتشكل عادة من صلب هذا التكامل الناتج عن تفاعل التجربة المعيشة في عفويتها وتلقائيتها، مع التجربة ذاتها، بعد أن تتحول إلى موضوع للتأمل والتفكير، المؤطر بلغته العالمة. وهو تفاعل مزدوج لا غنى لأحدهما عن الآخر، ذلك أن الإقامة الأبدية في دِير الفكر والتأمُّل، بعيدا عن معترك الحياة وحرارتها، يقتل في الكائن بشريته، وينفي عنه بعده المجتمعي التشاركي، حيث يتحول المعتكِف في الدير أو البرج التأملي، إلى ملاك مزيف لا حَقَّ له بارتياد منتديات الملائكة، كما أن الانصهار التام في حركية المعيش سيُحوِّل الكائن ذاته إلى شحنة كهربائية ضائعة، لا يقِر لها قرار، ولا تملك من البعد العقلاني ما يتيح لها إمكانية التساؤل عن وظيفتها، أو عن وجهتها ودلالة تواجدها هنا، أو غيابها هناك. وضمن هذا التكامل الجدلي، يمارس التعبير اللغوي حضوره الكبير، مؤكدا قدرته الطبيعية في الجمع والملاءمة بين أهم حدين من حدود التعبير اللغوي، الذين يحيل أولهما إلى تجربة الانتماء إلى المشترك المجتمعي، فيما يحيل الثاني إلى تجربة الانتماء إلى السلط المعرفية، المعنية بتأطير هذا المشترك على المستوى القانوني والفكري والإبداعي. وكما هو معلوم، فإن تحقق هذا التكامل، هو المقياس الموضوعي لاندماج الشعوب في مشاريع التقدم والنماء، كما أنه المقياس الموضوعي للتفاعل المتبادل بين الفضاءات العامة، والفضاءات الأكاديمية، ومراكز البحوث، وكافة مؤسسات التأهيل المعرفي. واصطدامنا بغياب هذا التكامل في الواقع العربي، هو ما يضعنا في صلب الجانب الإشكالي الذي نحن بصدده، حيث تجد الثنائية التعبيرية بحديها الخاص والعام نفسها، عرضة للإصابة باختلالات بنيوية عميقة، يتعذر معها الحديث عن أي تكامل محتمل بين المعيش والمفكر فيه على المستوى المجتمعي، بفعل القطيعة العميقة الفاصلة بينهما، ما يؤدي إلى اغتراب البنيات التعبيرية الموظفة في الفضاءات الخاصة، كما يؤدي إلى ضعف مردوديتها، التي لا يمكن أن تتطور وتتجدد، إلا انطلاقا من قوة تداولها وتغلغلها في المشهد العام، الشيء الذي يساهم في تعدد وجهات النظر، كما يساهم في إغناء الإشكاليات التي تكون عادة موضوع هذه البنيات التعبيرية، فلسفية كانت أو إبداعية أو سياسية، باعتبار أن حضورها في قلب مساحة تداولية شاسعة ومتحركة، يضاعف من نسبة تعميمها الذي يجعلها في متناول السؤال النقدي والتحليلي، بما يزرع فيها بذور الحياة، ويضاعف من إمكانيات تحيينها، لتتحول بذلك إلى عناصر حية وفاعلة، ليس فقط على مستوى النخب المتخصصة، بل أيضا على مستوى العلاقات العامة، وهو ما يساهم في تجسير العلاقات القائمة بين الحياة اليومية والحياة المعرفية، علما بأن هذه الأخيرة، مطالبة بأن تكون جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، حيث يتحقق التفاعل بين المعيش في صيغته العفوية والتلقائية، وصيغته وقد تحول إلى موضوع للتأمل والتفكير، فبفضل هذا التفاعل، يستطيع الكائن أن يمتلك وعيه بذاته وبآفاق صيرورته، متجاوزا بذلك حالة العمى السلوكي إلى مستوى الرؤية الثاقبة لمجريات الأحداث ومجريات الوقائع، غير أن حدوث هذه القطيعة، وهيمنة البنيات الشعبوية على المشهد، غالبا ما يؤدي إلى تقزيم الذوات المجتمعية، باعتبار أن التواجد التام خارج البنيات التعبيرية العالمة، يعني التواجد خارج اللحظة التاريخية، وبعيدا عن أي أفق حضاري مستقبلي. وهي وضعية تضعنا بالضرورة أمام إشكاليات على درجة كبيرة من الغرابة، لأنها تحيلنا إلى أزمنة هي الآن خارج منطق التطور التاريخي، الذي يفترض في الكائن أن يثبت حضوره فيه.
طبعا لسنا هنا بصدد امتهان الأدوار التي تضطلع بها البنيات اللغوية السائدة، في تدبيرها للحياة اليومية، من خلال توفيرها العملي، للشروط الكفيلة بإنجاز ما يمكن توصيفه بالتواصل الظرفي، وهي البنيات التي يمكن أن يوظفها شرطي المرور والصيدلي، المتسول المحترف، والمنشط الإذاعي الفاشل، فضلا عن المبدعين الكبار والفلاسفة الراسخين في العلم والمعرفة، وذلك من منطلق اقتناعنا بحاجة الحياة اليومية إلى أنساق لغوية مسنَّنة، تساعد على تسريع وتيرة التفاهم، وعلى تبسيط مسطرة نسج العلاقات الاجتماعية، لأن سرعة الإيقاع الذي تتميز به الحياة اليومية، يستدعي تصريف لغةٍ قادرة على ترجمة كافة الإشكاليات المعقدة والصعبة والشائكة، التي لا تتسبب في إحداث أي سوء تفاهم بين مختلف الشرائح الاجتماعية، بصرف النظر عن انتماءاتها الطبقية أو العرقية، وبصرف النظر عن مكانتها الثقافية والمعرفية، وفئاتها العمرية، لأن البنيات التعبيرية المعتمدة عادة في التواصل الظرفي، تكون معبأة بمفاتيح دلالية، هي حصيلة تراكمات أزمنة طويلة من القيم والأعراف والتقاليد المتوارثة والمتفق عليها، التي أمست بفعل تداولها متجذرة في أعماق اللاوعي المجتمعي، حيث يعود الفضل إلى عفوية استعمالاتها في تدبير مختلف مناحي الحياة الشخصية والاجتماعية، كما يعود إليها الفضل في ضبط إيقاعات العلاقات الإنسانية، بكل إيجابياتها وسلبياتها، فقد تكون أداة لتوثيق روابط التآزر، كما قد تكون سببا في إلهاب نيران الخلاف والتفرقة، لكن وعلى الرغم من كل هذه الأهمية الكبيرة التي تحظى بها هذه البنيات، إلا أنها ستظل مع ذلك مجرد دائرة مغلقة على واقع معطوب، ومنفصل عن حركية الصيرورة الكونية، ما لم تكن في الآن نفسه، مؤهلة للانفتاح على مسارات خطابات عالمة، ترتقي بها من مستوى التواصل الظرفي، البسيط والعابر، إلى مستوى التواصل المعرفي، وهو مجال ورقة مستقلة غير هذه.
٭ شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني