عثمانيون حداثيون وأمريكيون محافظون: هوامش على رحلة أبي خليل القباني إلى شيكاغو

في عام 1892 كلف البروفيسور فريدريك بوتنام أستاذ الأثنولوجيا في جامعة هارفارد، بالإشراف على الفعاليات الترفيهية والثقافية التي كانت الولايات المتحدة تنوي إطلاقها في مدينة شيكاغو.
عمل بوتنام على تخصيص شارع بطول ميل واحد، أطلق عليه اسم «ميداوي بليزانس»؛ وقد خصص كل قسم من هذا الشارع لتجسيد إحدى الثقافات الشعبية بمختلف مراحل تطورها، من التجمعات البدائية في أدغال إفريقيا إلى المجتمعات القروية الأوروبية، وهو تقسيم يبدو متأثرا بالرؤية التطورية التي طرحها لويس هنري مورغان، وأنصاره خلال القرنين التاسع عشر والعشرين كنموذج في فهم الثقافات؛ وضمن هذا السياق قرر القائمون على المعرض تخصيص جناح خاص بالدولة العثمانية اطلق عليه اسم «القرية التركية» لكون الأوروبيين والأمريكيين عرفوا العثمانيين آنذاك باسم الأتراك.
في هذه الأثناء وبينما كان يجري بناء الشارع الذي سيضم مختلف الثقافات العالمية والتحضير، كان أبو خليل القباني (أحمد بن حسين آقبي)، مؤسس أول دار للمسرح الغنائي في دمشق خلال العامين 1874/ 1875، يعاني من أزمة الحصول على رخصة لعرض مسرحياته، سواء في دمشق أو بيروت وحتى في مصر، وقد بقيت هذه الأزمة مرافقة للرجل لمدة سنوات، ما افقده فرقته ومعظم العاملين فيها، بعد أن يئسوا من إمكانية عودتهم للتمثيل، في ظل الرفض الدائم لطلباته من قبل حكام ولاية سوريا العثمانية، إلا أن الظروف وتخصيص قسم للعثمانيين في معرض شيكاغو للثقافات، سرعان ما ستتيح للقباني العودة للحياة المسرحية ومن أوسع أبوابه، إذ اختير وبالصدفة ليكون مسؤولا عن تشكيل الفرقة المسرحية التي كلفت بالسفر إلى شيكاغو والمشاركة في معرضها الثقافي.
لم يكن أمام القباني سوى اللجوء إلى المغامرة بالعناصر الشابة التي جمعها من ولاية سوريا؛ مع ذلك استطاع عبر فرقته والمسرحيات التي ألفها إثارة هواجس البروفيسور بوتنام، الذي وصف عرض المسرح التركي بـ«الدرس الأثنولوجي»، كما حظيت بثناء كبريات الصحف الأمريكية، فكتبت عنهم مواد مطولة حول مضمون المسرحيات والرقصات، ووصل البعض منها إلى اتهام الكتاب الغربيين باقتباس حبكات مسرحيتهم من المسرحيات التركية/السورية.
رغم أهمية هذه الرحلة، التي تشكل ربما أولى اللقاءات الثقافية بين أفراد من سوريا العثمانية والولايات المتحدة، إلا أنها لم تحظ بالاهتمام من قبل دارسي الرحلات خلال القرن العشرين، كما أن هناك من شكك بوجود هذه الرحلة بالأساس واعتبرها أمرا مختلقا، كما في حال تلميذ القباني محمد كامل الخلعي المتضمنة في كتابه «الموسيقى الشرقية» عام 1904، إذ لم يشر إلى رحلة شيكاغو لا من قريب ولا من بعيد.
كذلك باءت كل محاولات الدبلوماسي وحفيد القباني الدبلوماسي صباح قباني، الذي عمل سفيرا لسوريا في أمريكا خلال السبعينيات، بالفشل، ولم تثمر إلا نسخة مصورة من برنامج عرض الفرقة، بدون العثور على أي إشارة لوجود القباني ضمن هذه الفرقة، وهو ما دفعه لاحقا للتشكيك كذلك بالأخبار التي تتحدث عن هذه الرحلة.
غير أن المؤرخ السوري تيسير خلف، استطاع، ومن خلال تنقيبه في الوثائق العثمانية، وفي وثائق الصحف الأمريكية ودليل معرض شيكاغو، أن يكشف لنا عن وجود هذه الرحلة في حياة أبي خليل الدمشقي، ما أتاح لنا فرصة التعرف على ما قدمه القباني من مسرحيات أو عبر أداء الفرقة الذي أعجب الأمريكيين، الأهم من ذلك أنه استطاع الكشف من خلال اللغط والمواقف المتعددة الذي أثارته المسرحيات في الصحف والأوساط المثقفة الأمريكية عن بعض المظاهر الأنثروبولوجية (مواقف محافظة) التي كانت تسود الشارع الأمريكي في تلك الفترة.

خان أسعد باشا في شيكاغو

عندما وصل القباني إلى شيكاغو كان يبلغ من العمر آنذاك 51 سنة، وقد اختار أن يكون طراز القرية التركية شبيها بطراز خان أسعد باشا، الشهير بقبابه وأقواسه البديعة ذات الحجارة المتناوبة بين اللونين الأسود والأبيض. ويرد خلف سبب اختيار هذا النمط إلى ما يحمله في ذاكرة القباني من حميمية تجاه دمشق وبداياته المسرحية الأولى. وقد تألفت الفرقة من 58 فنانا، ومن بين أسماء الفرقة التي نعثر عليها في وثائق معرض شيكاغو يمكن ذكر المطربة وعازفة القانون ملكة سرور من بيروت، وعمرها 16 عاما، وإلى جانبها صفة ممثلة؛ وأيضا اسم الممثلتين الشقيقتين بمبا وجميلة سعادة من دمشق وعازفة الإيقاع ماري لزمة من دمشق والياس قطان من بيت لحم، وأيضا الممثلة جنفياف ضومط السورية المقيمة في الإسكندرية وعمرها 20 عاما، وشقيقها جوزيف ضومط.

حفل الافتتاح

يرصد لنا تيسير خلف الأجواء التي ابتدأت فيها القرية التركية نشاطاتها وفعالياتها، عبر رصد ما كتبته بعض الصحف مثل «شيكاغو تريبيون» أو جريدة «كوكب أمريكا « التي أشارت إلى أن الافتتاح بدأ بالأذان من أعلى مئذنة المسجد، فحضر مسلمون من البدو والسودانيين والنوبيين والمصريين والأعاجم، يتقدمهم المبعوث السلطاني أحمد فخري بيك وتبعهم أعضاء جميعة « أشراف العرب في شيكاغو».
وفي وصف آخر لمؤرخ شيكاغو الشهير جون فلين يشير الأخير إلى أنه داخل القرية يمكن أن ترى المساكن والمساجد والأكشاك والأسواق العثمانية ولباس المسلمين، كما هو الأمر في وطنهم، وصور الحياة والعادات تبدو صحيحة في كل تفاصيلها. لا توجد رسوم دخول إلى القرية ولكن كل ما يمكن تصوره من الهدايا التذكارية الشرقية معروض للبيع. وبعد هذا الوصف يستعرض لنا خلف العروض التمثيلية التي قُدمت، عرضا عرضا، بدأ عرض فرقة القباني بـ«الدراما الكردية»، حاول المشهد الأول إظهار الحياة اليومية للأكراد على مستوى العادات والتقاليد والطعام وحياكة اللباس. أما المشهد الثاني فقد كُرس لاحتفالات زواج ابنة فياض الكردي من ابن عمها بعد إنقاذ الأخير لابنته.
ومن بين العروض التي قُدمت أيضا كان هناك عرض مسرحية باسم «عرس دمشقي»، وقد كتبها قباني ـ وفقا للمؤلف – بتفاصيل متقنة تتضمن طقوس الخطبة والزفاف في مدينة دمشق، وتبدأ المسرحية بمقطوعة موسيقية من الفرقة الشرقية، قبل أن تنفتح الستارة عن بيت دمشقي مكون من الأب نعمان الذي يُخبر زوجته بطلب أحد الرجال ليد ابنته للزواج، وبعد الموافقة ينفتح المشهد الثاني على مجموعة من النساء بأزيائهن الدمشقية المحتشمة، اللواتي قدمن لأخذ العروس إلى منزل زوجها، وهنا حاول القباني رصد هذه الأجواء عبر استخدام الموسيقى والأزياء والرقصات، وهو ما دفع بالحضور وببعض المتابعين من المؤرخين والأنثروبولوجيين إلى القول بأن «العرس الدمشقي» كان أفضل عروض المسرح التركي وأكثرها تشويقا واندهاشا ومتعة من قبل الجمهور الأمريكي.
وفي سياق العروض، حاول القباني اعتماد الترميز والاختزال والكوميديا في عروضه والأهم من كل ذلك كسر الجدار الرابع بين الخشبة والجمهور.

مهاجرون محافظون

لكن في مقابل هذه الرؤية الجديدة والإبداع في طرق أداء المسرح، وثناء بعض الصحف الأمريكية عليها، يبدو أن عروض الرقص هذه، رغم ما حظيت به من اهتمام في الصحف الأمريكية، لم تمنع آخرين من الاعتراض على بعض الراقصات أو على طريقة الرقص، التي كانت، بحسب بعض الأمريكيين، لا تتناسب مع قيم المجتمع وتؤثر في «أخلاق الأمة». ومما يكشف عنه تيسير خلف في هذا السياق كذلك، هو موقف المهاجرين السوريين الذين حاولوا التمييز بين «فن سوري محتشم» ورقص مصري ومغربي وفارسي.
بيد أن ما لم يتنبه له خلف، أن هذا التمييز بين الفن المحتشم وغير المحتشم، لا يأتي فقط في سياق الرد على الحملات المعادية للشرقيين كما يشير لذلك، بل أيضا في سياق محاولة المهاجرين التقارب مع الموقف المحافظ الأمريكي. لعل هذا التماهي بين موقف المهاجرين السوريين في تلك الفترة مع موقف الأمريكيين المحافظين، يمكن فهمه بشكل أفضل وأدق من خلال دراسة البروفيسور أكرم خاطر من جامعة كارولينا الشمالية «النوازع الجنسية والشرف بين المهاجرين اللبنانيين/السوريين 1890ـ 1920»، فالمهاجرون الذين سعوا إلى أن يصبحوا أمريكيين غالبا ما سعوا إلى تبني خطاب الطبقة الوسطى السائد آنذاك في الولايات المتحدة حول أدوار الجنسين والنوازع الجنسية والعائلة، وفقا لخاطر، كوسيلة للدخول في صلب الحياة الأمريكية. وغالبا ما كان هذا الانتماء يعبر عن نفسه بأساليب متنوعة مثل الموقف من تفضيل بقاء المرأة في منزلها، المماثل لما كانت تفضله الطبقة الوسطى الأمريكية، أو عبر الموقف من المظهر وكشف النساء لأجسادهن.
من هنا فإن عبارة «فن سوري محتشم» تأتي لتنتقد بشكل غير مباشر أداء بعض الراقصات السوريات اللواتي، وفقا لهؤلاء المهاجرين، ينبغي أن يبتعدن عن الإثارة ويلتزمن بمظهر أكثر لباقة، وليس كموقف دفاعي عن الشرق الذي كان يشهد آنذاك، في بعض زواياه، تحولات اجتماعية أكثر انفتاحا وحداثة من العالم الأمريكي آنذاك.

٭ كاتب سوري

عثمانيون حداثيون وأمريكيون محافظون: هوامش على رحلة أبي خليل القباني إلى شيكاغو

محمد تركي الربيعو

اشترك في قائمتنا البريدية