مجموعة الشاعر السعودي أحمد الملا «إياك أن يموت قبلك»: ساحة رقص للاحتفاء بالصداقة والحب والفرح

حجم الخط
0

في قراءتنا لمجموعة الشاعر السعودي أحمد الملا الأخيرة» «إياك أن يموت قبلك»، يبدو أننا سنخفق في فضح أحد أسرار الكتابة لدى هذا الشاعر البسيط حتى التعقيد، مهما سارعنا، قبل أن ينفذ تهديده الساخر لأصدقائه الشعراء الحريصين على صحته قسراً بفضح أسرارهم، ووضعهم «في عداد القتلى»، بطلقات رحيق الأزهار التي يعرف كيف يصبها ذهبيةً في «لعبة شعر» يجيده، لكنه يهرب منه خشية تركه عند البراعة فيه كما يفعل عادة، وفي تحكم يدٍ مدربة بهذه اللعبة، حد «الإمساك بثلاث أفكار دفعة واحدة، وتقليبها في الهواء».
لكنه يخشى أيضاً أن تخفق يده تلك في لعبة الإبداع الذي يقلقه دائماً:
«كلما برعت في لعبة تركتها جانباً
ومضيت إلى غيرها…
حتى
هجرت كل شيء
ولحقني الشعر يلهث
هربت منه.. وأدركتني عضته هرماً
أهملته خوفاً وريبة من أمري..
لهذا أكتبه، وسريعاً أرميه من يدي بعلات، لا أتداركها
نبت الشوك في أصابعي
خشية أن أجيد ما أفعل
ويهجرني إلى لعبة أخرى».
وذلك رغم بساطته في إبداع قصيدته التي يكتبها كما يبدو دفعةً واحدةً لتأتي صفعةً ناصعةً آبدةً كطلقة جسد أمام قطار سريع. ويظهر أن سبب إخفاقنا في كشف سر قلق الإبداع هذا هو أن أحمد الملا، الشغوف باكتشاف آليات الكتابة في داخله بقدر سفحه للكتابة دون التفكير بالآليات، يعرف أننا سنتلصص لنكتشف أبعاد التجربة، فيشرع داخله بنفسه نافذة مفتوحة حرة لعيوننا المندهشة تحت شمس رفيف الأجنحة. هذا ما تعكسه قصائد عديدة مثل «لعبة الشعر»، «تمثال الشاعر»، «كتب خالية»، و»جملة صلبة» التي تتسع فيها الرؤية إلى حد القول: «أريد أن أكتب مرة واحدة/ بما يكفي/ أريدها كلمات تكف عن اللغو والكلام/ أبري حوافها، وأشد قوسها في أضيق عبارة/ أريدها قصيدة محكمة ومحشوة بالبارود/ مثلما أكتب عن الثور والمحراث/ والفلاح والبذرة/ والزهر والثمر/ تحت مطر يصب كل صباح/ في جملة صلبة».
وأحمد الملّا، شاعر سعودي، من مواليد الأحساء ــ السعودية 1961. أصدر المجموعات الشعرية «ظل يتقصف» 1995،»خفيف ومائل كنسيان» 1997،»سهم يهمس باسمي» 2005،»تمارين الوحش»، 2011؛ «كتبتنا البنات»، 2013؛ «الهواء طويل وقصير»، 2014؛ «علامة فارقة»، 2014؛ «ما أجمل أخطائي»، 2016، وهي مترجمة إلى الانجليزية. ساهم في إعداد كتاب مختارات الشعر السعودي، وأنطولوجيا الشعر الحديث، بالإضافة إلى كتابته لعدة سيناريوهات ومسرحيات، والإشراف على إدارة عدد من المؤسسات والجمعيات والأقسام الثقافية. كتب العديد من مقالات الرأي الصحفية المنتظمة، وشارك في مهرجانات شعرية محلية ودولية عديدة، وحاز على جائزة محمد الثبيتي الشعرية لعام 2016.
في هذه المجموعة، التي يضيف فيها الشاعر ألواناً جديدة لا تقطعها عن خط تجربته الثرية التي جعلت منه أحد رواد قصيدة النثر المميزين في المملكة العربية السعودية، تتشكل البنية الظاهرة ببساطة، ودون تعقيدات، عبر سبع وسبعين قصيدة قصيرة ومتوسطة الطول، بعناوين قصيرة موحية ومعبرة عن المضامين بقوة. ويمكن بسهولة، مع تقدم القراءة، اكتشاف محور الصداقة الذي يهيمن بأبعاده ومستوياته الظاهرة والعميقة على المجموعة، آسراً عنوانها، إلى جانب محور الحياة الذي تنفتح قناته بقوة على المحور الأول بقصيدة حب وحيدة مدهشة تحت عنوان «ريم»، تبرز معها المجموعة كساحة رقص تشتعل بالصداقة والحب والفرح.
داخل هذه البنية البسيطة يبرع الشاعر بما يجيد، في تشكيل بنية عميقة داخل كل قصيدة، مميزة على صعيد الشكل بتركيب مدهش للجملة الشعرية، وبجريانٍ ينبوعي سلس للجمل، مع تركيب متداخل للصور التي تخرج متألقة كما لو أنها تفلتت من قاع حلم هارب، تموجَ راقصاً على أسطر الكتابة الآلية للسوريالية. لكنها ستقر أيضاً على أسطر قصيدة النثر الحديثة التي تفلت زمام العقل لصهيل الجنون، وتطير بالحكمة على أجنحة الدهشة. إضافة إلى إضفاء العمق على هذه التراكيب التي يمكن للقارئ بسهولة تلمس مدى نعومة صقلها، من خلال جملة «أشد قوسها في أضيق عبارة»، التي تستدعي عبارة النفري الشهيرة التي عبرت حدود التاريخ: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». كذلك يصح تلمس مدى نعومة وعمق هذا الصقل في استحضار نيكوس كازانتزاكيس دون ذكر اسمه، عندما يروي في مذكراته: «قلت لشجرة اللوز، حدثيني يا أخت عن الله، فأزهرت شجرة اللوز!»؛ وذلك في «قصيدة النخلة» الناحلة: «كرقصة قدم واحدة/ بأجنحة تصفق؛» حيث يمس الشاعر بهذه القرابة قلب قارئه بسؤاله لها: «إلى أين يا عمة؟». إضافة للعديد من استخدامات شموع الصقل التي لا يتوقف سيلانها عند حدود جلجامش وأنكيدو وعشتار.
في مستويات البنية العميقة على صعيد المضامين، يمكننا أن نلتقط من بين عشراتها المتغلغلة في تفاصيل الحياة ما يُدهشُ الشاعرُ به قارئَه أولاً وهو مدرك لذلك، ومكرر له في أكثر من قصيدة: «مصنع الفرح» الذي يُدخل الشاعر قارئَه فيه، بعيون طفولية جديدة ترى العالم كما لو كانت المرة الأولى، حيث يصبح العادي مثيراً للدهشة ومولداً للفرح: «رقصنا الليل بطوله/ بين رافعات عملاقة/ مثل وحوش، أطفأها عمال البناء/ ومهندسو الأبراج/ وذهبوا في حافلات منهكة إلى النوم»… «تلك المصلوبة/ المشدود ظهرها بالأسلاك، وتبرق بضوئها الأحمر/ تشدها الرغبة/ أن تقتحم الشرفة، وتقفز في حلقة الرقص/ وتدورُ/تدورُ/ حتى تسقط على ظهرها/ غائبة عن الوعي».
في توليده للفرح، وأمله أن يختم به اللغة، حيث «تعب الناس» كما يورد في قصيدة «كلمات متجهمة»، لا يبدو أن ثمة فكاكاً للشاعر من المرور في صراط صَدْم قارئه بمواجهة خوفه أمام مرآة ذاته. وهو مدرك كما يبدو لما يفعل في تصوير خطورة تكبيل الإنسان بالخوف، ويلجأ الشاعر في هذا لفتح أبواب أسوار المعابد التي سيجها الإنسان على نفسه كي تحميه من مجهول خوفه، وذلك في قصيدة «بيت» حيث «نفينا إلى هذا الكوكب/ وتبعنا شيطان رضينا به، وأرضعناه/ حتى اختفى فينا، كان النهار أطول منا وأدرى،/ واستعنا بالليل لنبيت فيه»… «ولدنا ثانية، وصغرت الأرض/ أبدلنا باستدارتها/ جدراناً، اقتسمتنا، وصيرْنا البيت/ لعبنا في أروقته/ وخرجنا لنصطاد قوت يومنا»… «البيت حين رجعنا لم يكن بيتنا،/ لم يعد بيتاً/… «النوافذ لا نراها، ويمكن تخيل قضبانها»، الغرف كثيفة سوداء/ تزحف وتلتهم الخلق/ الخوف هو الوحيد الذي عاد يكبر/ دون مشقة/ عاد يكبر فينا/ البيت بات منفانا وحبْسنا معاً».
ويعمق الشاعر في قصيدة «طريقة غير مبتكرة» خلق الإنسان لخوفه، على صورة المعبود، وتوريثه للأحفاد كما تم تناوله من الأجداد، طارحاً التساؤل الصادم: «ما الذي آمنا به دون أن نراه/ غير الموت؟».
كما يكثف الشاعر خيار الصدم بلجوئه للسخرية من الشعراء المؤمنين بما سلموا من وهْم ورثوه عن أسلافهم، في قصيدة «السماوات السبع»، التي ليست سبعاً طباقاً كما يؤكد منظار العلم، بل: «حقيقة أن ليست هناك سماء على الإطلاق».
في البنية العميقة، على مستويات تناغم الشكل والمضمون في تكوين المجموعة، يأخذ الأصدقاء الحيز الأكبر فيها، تفاعلاً في التعامل مع الحياة، وتلاقحاً للأفكار وامتناناً على التأثير والصداقة، وصولاً إلى تحذيرهم من خوفهم المفرط عليه بأن يفضح أسرارهم في الكتابة والحياة. لا نستطيع في الحقيقة إلا أن نكتفي بما حاولنا كشفه من أسرار كتابة هذا الشاعر الوفيرة الباقية، عنه وعنهم، حيث يوجب احترام هذه المجموعة الثرية أن تعاش فعلاً بمتعة القراءة.

أحمد الملا: «إياك أن يموت قبلك»
منشورات المتوسط، ميلانو 2018
128 صفحة.

مجموعة الشاعر السعودي أحمد الملا «إياك أن يموت قبلك»: ساحة رقص للاحتفاء بالصداقة والحب والفرح

المثنى الشيخ عطية

اشترك في قائمتنا البريدية