تونس ـ «القدس العربي»: حافظ مهرجان قرطاج طوال الأعوام الماضية على مكانته كأعرق المهرجانات في تونس والعالم العربي، فعلى ركحه صعدت أسماء عديدة تحولت إلى نجوم لامعة في العالم. إذ مثل الصعود إلى ركح هذا المسرح الأثري، وعلى الدوام، علامة فارقة في مسيرة أي فنان سواء كان محليا، عربيا أو أجنبيا نظرا لخصوصية هذا المهرجان وأهميته في عالم الفن والغناء والإبداع. ومنذ 1964 وحتى اليوم يستقبل هذا المسرح الأثري أبرز النجوم المحليين والعالميين وتميز بانفتاحه على الثقافات والحضارات الأخرى مستغلا الاسم الأسطوري لواحدة من أعرق حضارات العالم التي نمت وازدهرت في عصر ما على هذه الأرض التونسية.
لقد مرت عبر هذا الصرح الثقافي أهم العمالقة العرب مثل فيروز ووديع الصافي وصباح فخري وعبد الحليم حافظ وصابر الرباعي وكاظم الساهر وماجدة الرومي ونجاة الصغيرة وجورج وسوف ومارسيل خليفة وغيرهم. وعالميا استضاف قرطاج شارل أزنافور ويوسو ندور وداليدا وجيمس براون ولويس أرمسترونغ وري تشارلز وألفا بلوندي وجو كوكر وسيرج لاما وإنديلا وإروس رامادزوتي وخوليو ايغليسياس وغيرهم، فكان بحق نافذة التونسيين للعبور إلى ثقافات العالم وجسرا للتلاقي مع مختلف الحضارات.
لكن مهرجان قرطاج عرف في السنوات الأخيرة ظاهرة أزعجت الكثيرين وتمثلت في صعود وجوه، على ركحه ليس في رصيدها الكثير من الأغاني والأعمال الفنية الملتزمة والهادفة ولكنها تميزت بنجاح بعض الأغاني شعبيا، وهذا ما دفع النقاد الفنيين إلى التساؤل اليوم عن دور المهرجان وإلى أي مدى لا يزال محافظا على طابعه العالمي وعلى خصوصيته الثقافية، وهل أن انفتاحه على بعض الوجوه الشابة الجديدة يمس من مكانته وأهميته الثقافية، وكيف يمكن التوفيق اليوم بين الفن كالتزام ورسالة وبين الربح التجاري الذي يحتاجه المهرجان ليستمر؟ اسئلة كثيرة تطرح على خلفية البرنامج الذي حمله المهرجان هذا العام وحتى العام الماضي.
عروض في المستوى
وفي هذا الإطار ترى ليلى بورقعة الإعلامية والباحثة التونسية في الشأن الثقافي أنه ومنذ نصف قرن ويزيد، حجز مهرجان قرطاج الدولي لنفسه مكانة مرموقة كواحد من أبرز الوجهات الموسيقية في العالم العربي. وقد اكتسب هذا المهرجان، شهرة ضربت الأمصار وتجاوزت الأقطار لأن مسرحه وهب على طبق من ذهب فرصة الانتشار الواسع لعدد من نجوم الصف الأول.
وتضيف محدثتنا قائلة: «اليوم، كثيرا ما يضيع مهرجان قرطاج الدولي البوصلة في تحديد خياراته الفنية ويفقد التحكم في مقود القيادة للإرساء على شاطئ الأمان والوفاء لمبادئ التأسيس الأولى. فيحدث أن يختل ميزان القوى بين دورة ودورة وحتى بين عروض الدورة الواحدة. وهو ما تدّل عليه بوضوح برمجة الدورة 54 من المهرجان تحت إدارة مختار الرصاع، إذ جاءت متفاوتة القيمة حدّ التناقض بين سهرات في مستوى التوقعات والتطلعات وأخرى دون المطلوب بكثير!
ففي الموعد الموسيقي السنوي لهذه الصائفة، نجح مهرجان قرطاج في برمجة عروض تليق بسمعته وعراقة مسرحه من خلال استضافة مارسيل خليفة وماجدة الرومي وكاظم الساهر وأمينة فاخت. وقد شكلت عودة «الديفا» أمينة فاخت للغناء على المسرح بعد غياب دام حوالي 10 سنوات لوحدها حدثا استثنائيا أعاد للمهرجان بريقه وصداه وجمهوره الغفير وسهراته الممتعة بطعم حكايات «ألف ليلة وليلة».
تفريط في المقاييس
في المقابل، فرّط مهرجان قرطاج الدولي، حسب الباحثة التونسية في مقاييسه الفنية العالية ومعاييره الموسيقية الصارمة فلم يعد اعتلاء مسرحه ذاك الهدف صعب المنال والحلم الذي يراود كل فنان في بداية المشوار. فقد سمح المسؤولون عن هذا المهرجان، لكل من دبّ وهبّ باستباحة ركحه، فلا غرابة، في رأيها أن يرتع على مسرحه أشباه الفنانين وأنصاف المبدعين وسماسرة العروض التجارية.
ولعل من أبرز «سقطات» النسخة 54 من قرطاج الدولي، حسب ليلى بورقعة، هو التساهل مع بعض فناني «البارحة» واستعجال برمجتهم وفي رصيدهم مجرد أغنية صنعت «البوز» أو مقطعا تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وبعد «شهرة» أشبه بالزوبعة في الفنجان لصاحب «ثلاث دقات» وبعد جولة «فيسبوكية» لمقاطع فيديو بصوت ياسمين علي، يبدو أن هيئة المهرجان قد انخدعت بالضّجة العابرة و»الفرقعة» الزائلة وظنّت أن برمجة «محمد أبو العينين» وياسمين علي ورقة رابحة في العزف على أوتار انبهار الجمهور. لكن كانت المراهنة على صفقة خاسرة.
تداعيات الأزمة الاقتصادية
وتضيف محدثتنا قائلة: «وبالرغم من بعض النقاط السوداء في سجله والثغرات في مساره الذي جاوز الخمسين سنة، يبقى مهرجان قرطاج من الأهم موسيقيا والأعرق بل والأقدم في الحوض الأبيض المتوسط. وهو الذي ضرب موعدا مع أهم الفنانين العرب مثل أم كلثوم وفيروز وعبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية ونجاة الصغيرة ووديع الصافي.
ومن سنة إلى أخرى، يسعى المهرجان إلى تلبية كل الأذواق وأن يكون وفيا قدر المستطاع إلى هويته وسمعته، ولكن أزمة الدينار التونسي وارهاصات المرحلة السياسية والاجتماعية الدقيقة لابد أن تلقي بظلالها على البرمجة».
الوطن الحاضر
وتجدر الإشارة إلى أن عرض مارسيل خليفة كان الأروع إلى حد الآن في هذه الدورة، حيث جدد الفنان اللبناني كثيرا في عروضه وأعاد توزيع بعض أغانيه القديمة برزت فيه بصمات نجله رامي خليفة الذي ألهب حماس جماهير قرطاج بعزفه الاستثنائي على آلة. كما أعاد مارسيل التونسيين إلى الزمن الجميل، زمن منتصب القامة أمشي وأحن إلى خبز أمي مقدما الجديد في الآن نفسه من خلال أغنية تتغنى بتونس الحرة من كلمات الشاعر التونسي آدم فتحي.
وكعادتها كانت فلسطين حاضرة في وجدان مارسيل حيث حياها وأشار إلى حجم الألم الذي يشعر به لما يحصل هناك وأهداها أغنية خاصة. ولعل المؤثر في السهرة هو شعور خليفة بالحنين إلى الشاعر التونسي أولاد أحمد وإلى رفيق دربه الشاعر الفلسطيني محمد درويش الذي قال عنه أنه كان يجلس في الصف الأول في مسرح قرطاج الأثري كلما كانت هناك حفلة يحييها خليفة في هذا المسرح، واليوم ينظر إلى الصف الأول فلا يجد درويش في تونس التي قال عنها قبل وفاته قولته الشهيرة «كيف نشفى من حب تونس؟».
وتتواصل عروض المهرجان حتى يوم 11 آب/اغسطس ولا يزال في جعبته العديد من الأمسيات التي لم تكشف عن أسرارها بعد. وسيكون الجمهور العاشق على موعد مع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي التي يستعد الكثيرون لحضور حفلها من أجل ضرب موعد جديد مع الموسيقى والأنغام الجميلة وحكايا أساطير الحب بصوت ماجدة القلوب وأرزة لبنان المتألقة دائما. كما تتميز برمجة هذا العام بفتح مجال لكل أنواع الفنون الشرقية منها والغربية. ويعرض المهرجان لمحبي المسرح بعض الأعمال المسرحية منها «في العاصفة» لحسن المؤدب، و»الحضرة 3» لفاضل الجزيري، هذا العمل الفني والصوفي في آن معا هو اجتماع الذكر والمديح في حلقات انشاد تؤدى بصوت خفيف فثقيل، ويتضمن الحب والهيام والموت واللحد والقيامة والجنة والنار. «الحضرة 3» تعكس خصوصيات التراث التونسي الصوفي ومحاولة لاستعراض هذا التراث الضخم من نافدة الفن.
وستغني أمل مرقس وخالد دندن، لينقلا لعاشقي فلسطين هذا الوجع اليومي بكلمات صادمة وألحان راقية. فالفن أيضا هو أبرز أشكال النضال ضد المحتل، ورسالة سلام للعالم ليبقى الوطن حاضرا في كل الميادين.
11ADA
روعة قاسم