قانون الدولة القومية: تكريس لحالة الأبرتهايد

حجم الخط
0

في عام 2009 قال النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي «هذه الدولة ديمقراطية ويهودية. ديمقراطية لليهود ويهودية مع العرب» وقانون الدولة القومية الذي أقر يوم 19 تموز (يوليو) بنسبة 62 ـ 52 صوتا أكد هذا الكلام. والحقيقة أن قانون الدولة القومية الذي يدعو لحق اليهود في تقرير المصير فقط دون النظر إلى الأقليات التي تعيش ضمن حدود ما يعرف بإسرائيل هو تأكيد لواقع قائم منذ عام 1948 حيث التمييز الممنهج ضد العرب الفلسطينيين الذين يشكلون ربع السكان ويعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية ويمارس التمييز ضدهم في كل مستويات الحياة. وتظل انعكاسات القانون هائلة ليس على طبيعة وشخصية الدولة اليهودية ولكن علاقتها مع غير اليهود الذين يعيشون فيها ومع الجوار. فهو حسم للنقاش، على الأقل في الوقت الحالي، والذي ظل يدور ومنذ إعلان «الاستقلال» فيما كانت إسرائيل دولة لمواطنيها أم دولة لليهود فقط. واللافت للنظر أن القائمة العربية الموحدة تقدمت في فترة النقاش بمشروع قانون يدعو لتبني فكرة دولة ديمقراطية محايدة ولم يكلف الكنيست نفسه عناء التصويت عليه واستبعده بسبب أمور إجرائية. والأمر الذي يجب فهمه كما يقول استاذ الفلسفة الإسرائيلي أومري بويم، في صحيفة «نيويورك تايمز»(26/7/ 2018) أن إسرائيل لم تكن ديمقراطية أصلا وأن إعلان الاستقلال الذي كفل المساواة السياسية والاجتماعية «لكل السكان مهما كان دينه وعرقه وجنسه» لم يكن إلا محاولة لحماية مصالح اليهود الذين كانوا في وقت الإعلان أقلية وسط غالبية عربية. فقد قام إعلان الدولة على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1947 والذي دعا إلى دولتين: يهودية وفلسطينية. واعترف الإعلان بأهمية قيام الدولة على «أرض إسرائيل» ويكون فيها اليهود أسياد قدرهم، ولكن اللغة فتحت المجال أمام نشوء دولة فلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية. ويعتقد بويم إن التلميح لإمكانية دولة فلسطينية لم يكن في حد ذاته اعترافا بحق الفلسطينيين بدولتهم وتقرير مصيرهم بقدر ما كانت استراتيجية للحماية الذاتية. فمن الناحية العملية كان عدد اليهود وقت قيام الدولة 600.000 نسمة مقارنة مع 1.2 مليون فلسطيني. ففي ظل هذا التباين السكاني كانت الطريقة الأمثل لضمان دولة ديمقراطية يهودية هو فتح المجال أمام حق تقرير المصير للفلسطينيين. إلا أن الثنائية التي قامت عليها الدولة: ديمقراطية ويهودية كانت منافقة، فالحقوق المتساوية ارتبطت طوال الوقت بكون اليهود هم الأسياد (من الناحية العددية). واتضحت التناقضات في هذا النظام من خلال القانون الجديد، فلم تعد فكرة المساواة مهمة بعدما أصبح اليهود غالبية في «إسرائيل» (نسبة 73 في المئة).
وأصبحت فكرة «حق تقرير المصير لدولة إسرائيل حقا للشعب اليهودي» حقيقة. ورغم ما يقوله المدافعون عن القانون الجديد من أنه لا يناقض إعلان الاستقلال أو فكرة الحقوق المتساوية إلا أن إسرائيل طالما سنت القوانين الأخرى لكي تقوم بالمهمة، فأي شخص مثلا يرفض فكرة الدولة «علانية أو بالخفاء» يمنع من الترشح للكنيست. كما أن القانون الجديد يعني أن الهوية اليهودية للدولة متقدمة على الصورة الديمقراطية، وبهذا فقد حسم النقاش الدائر منذ ولادة الدولة عن العلاقة بين الهوية اليهودية والنظام الديمقراطي. وضمن هذا الفهم فالقانون يشرعن للاستيطان المرفوض حسب القانون الدولي ولكنه يعتبر في التشريع الجديد «قيمة وطنية» ويجب تشجيعه وتقويته. وفي ظل النزاع القائم في إسرائيل على الأرض والسكان فتشجيع الاستيطان لا يعني دعم مصالح اليهود بل وتقويض مصالح العرب. وتبدو آثار هذه السياسات القاسية واضحة اليوم في الضفة الغربية مع أن ملامحها القاسية بادية منذ عقود في استراتيجية تهويد الجليل التي مولتها الحكومة وأنشأت قرى على أراض صادرتها من أراضي «عرب إسرائيل». وخلقت سياسة الترويج الحكومية للاستيطان واقعا تمييزا عنصريا (الأبرتهايد). وبطريقة واضحة يؤكد القانون الأساسي هذا الواقع بل وأكثر من هذا وهو أن إسرائيل لا يمكن أن تكون دولة يهودية وديمقراطية ليبرالية في الوقت نفسه.

لا يحمي الأقليات

وبهذه المثابة فقانون كهذا يدعو للقلق كما ترى صحيفة «الغارديان» (22/7/2018) لأنه يرفع الغطاء عن حماية الأقليات. وترى الصحيفة أن القانون الذي دفعته الغالبية في حكومة تعتبر الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل يخلو من الليبرالية ويكشف عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصدر التصريحات فقط ويزعم حماية الأقليات. ولهذا السبب «من حق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل الذين يشكلون خمس السكان الشعور بالغضب» ذلك أن القانون يجعل الديمقراطية مجرد تابع لليهودية ولا يوازن بينهما. كما ان القانون يحول وضع المواطنين غير اليهود للدرجة الثانية. ولهذا السبب شجب اليهود في الشتات القانون وكشف عن الصدع الحاصل مع إسرائيل. في ظل انتصار التيار القومي المتشدد فيها وإصرار نتنياهو والتيار الداعم له على تبني سياسات متشددة فاز من خلالها بأربع جولات انتخابية. ولم يتورع نتنياهو عن الهبوط في خطابه لدرجات متدنية أو ما وصفتها المعارضة بـ «الأكاذيب والتحريض والعنصرية». ولا يمكن فصل إقرار الكنيست القانون الجديد عن المظاهر الإحيائية التي يشهدها التيار الشعبوي في العالم، والمفارقة ان الكنيست مرر القانون ونتنياهو يستقبل فيكتور أوربان، الرئيس المجري المتطرف الذي مدح النازية الجديدة بطريقة تعطي صورة أن نتنياهو متسامح مع المعادين للسامية. وتشير الصحيفة أن القانون الجديد سيكون أداة للتمييز وتعزيز مطالب الغالبية اليهودية ومزاياها التي تتمتع بها أصلا. وفي ظل خضوع النظام القضائي للحكومة اليمنية فأي أمل لمواجهة القانون أمام المحكمة العليا يظل ضئيلا.

قضايا انتخابية

والأهم من كل هذا أن قانون الدولة القومية اليهودية مصمم في شكله وجوهره من أجل الإضرار بالأقليات في إسرائيل فهو يكرر بنودا من قوانين أخرى ويبتعد عن إعلان الاستقلال الذي يدعو إلى مساواة اجتماعية وسياسية لكل المواطنين أيا كان دينهم وعرقهم وجنسهم. وتشير مجلة «إيكونوميست» (26/7/2018) أن إسرائيل طالما حاولت الموازنة بين واقع وجد منذ سنين وحصل فيه العرب الفلسطينيون على مصادر قليلة من موارد الدولة. ولكن ما هو جديد في ائتلاف نتنياهو أنه يقوم بتقنين اللا مساواة. وتشير إلى أن القانون لم يكن بذات القوة كما تقترح لغة نتنياهو فقد أصدر الكنيست سلسلة من القرارات واحد منها في عام 1992 يجسد الحقوق المدنية لكل المواطنين، ولم يغير هذا القانون الوضع، مع أن المسودات التي تم التصويت عليها هي المعدلة عن الأولى والتي خففت إلى صيغ غامضة من مثل استبدال «المجتمعات اليهودية» بدعم «المستوطنات اليهودية»، وهناك بند آخر يتعلق باللغة الرسمية للدولة وهي العبرية فيما تعتبر العربية التي يتحدث فيها السكان العرب وظلت متساوية مع اللغة العبرية «وضعية خاصة». وترى المجلة أن هناك دوافع أخرى لدى نتنياهو تتعلق بالانتخابات البرلمانية ورغبته في الفوز بولاية انتخابية خامسة في الانتخابات التي ستعقد العام المقبل. ويرغب رئيس الوزراء تكرار استراتيجية عام 2015 عندما حث القوميين على «حماية دولة إسرائيل» ضد «الناخبين العرب الذي تدفقوا اشتاتا وجماعات إلى مراكز الاقتراع». وللحفاظ على ائتلافه، فقد تنازل نتنياهو للمتطرفين. ويعتقد نقاد نتنياهو أن قانون الدولة القومية هو إشارة لمحاولات لجعل إسرائيل أقل ديمقراطية وليبرالية. مع أن الحكومة مررت قوانين قيدت فيها من عمل المحاكم وكممت الإعلام وأذعنت لليمين بشكل فاقم من التوتر بين المجتمعات اليهودية. ولم تقم حكومته بالجهد اللازم لكي تحقق السلام مع الفلسطينيين. ولا يشعر نتنياهو بالضغوط خاصة أنه حصل على دعم من الرئيس دونالد ترامب الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ويعمل معظم العالم العربي معه لمواجهة التهديد الإيراني. ولا يواجه نتنياهو معارضة قوية بشكل تمثل تهديدا على حكومته. ورغم ما يحمله القانون من تكريس ليهودية الدولة إلا انه لن يوقف الجدل حول شخصية الدولة ومعنى أن تكون يهوديا.

شجب من الشتات

وفوق ما يؤكده القانون من ميل الدولة اليهودية نحو اليمين وتهميش للأقليات إلا أنه يؤكد الانقسام الحاصل بين الجماعات اليهودية في الشتات وإسرائيل والذي بدا في أعلى درجاته العام الماضي خاصة التيار اليهودي الليبرالي في أمريكا. ويرى ربك جاكوبس، مدير المنظمة اليهودية «جي ستريت» في بيان صحافي: «الضرر الذي سيحدثه قانون الدولة القومية اليهودية الجديد سيكون ضخما» وأضاف:» هذا يوم حزين لإسرائيل ومن يهتمون بديمقراطيتها ومستقبلها». وتعلق إيما غرين في مجلة «ذاأتلانتك» (21/7/2018) أن القانون جدلي لأنه يعيد التوتر وإشعال الجدل الرئيسي حول هوية إسرائيل وفيما إن كانت ديمقراطية أم يهودية أم الاثنتين معا. ويرى النقاد خاصة اليهود في الشتات في القانون الجديد تفضيلا للهوية اليهودية على حساب القيم الديمقراطية. وبالضرورة فإن إسرائيل تخسر روحها هذه وتميل نحو اليمين رغم ما يقوله هذا التيار من أن مشروع القرار الذي يجري نقاشه في الكنيست منذ عام 2011 جرد من معناه وأنيابه بسبب ما جرى عليه من تعديلات قبل منحه صفة القانون.

وماذا عن الدروز؟

وبالإضافة لكونه تكريسا للبعد العنصري في الدولة فإنه يجعل من إمكانية استئناف المفاوضات حلما بعيدا. وأكثر من هذا فاستبعاد الأقليات وجعل مواطنيها في الدرجة الثانية لا يبدو أثره أكثر من الطائفة الدرزية التي اتسم افرادها بالولاء للدولة منذ عام 1948 وقاتل أبناؤها في صفوف الجيش الإسرائيلي. ومن هنا يشعر أبناء الأقلية الدرزية الذين يشكلون نسبة قليلة من 20 من الأقلية العربية داخل إسرائيل بحس الخيانة. ونقلت صحيفة «كريستيان ساينس مونتيور» (24/7/2018) عن صحافي عربي درزي قوله «هذه طعنة في الظهر» مضيفا أن الأقلية الدرزية على خلاف العربية ترسل أفضل خريجيها من المدارس للخدمة في الجيش الإسرائيلي. ويقول إن القانون يصنف سكان الدولة بناء على مستويات من المواطنة و«واكتشف المجتمع الدرزي فجأة أنه من الدرجة الثانية مع أنه ظل ينظر لنفسه جزءا من الدولة». ويعتبر القانون ضربة لكل الناشطين العرب الذين اعتبروا إسرائيل «دولتهم» وها هي تقول لهم «لست دولتكم». واستبعاد العرب واضح لأن القانون لا يتحدث عن حقوقهم ولا عن المساواة بينهم وبقية الإسرائيليين. ويخشى العرب والحالة هذه أن تزيد حالة التوتر بينهم واليهود والدفع بالتالي لحالة التهميش والاستبعاد للأقلية العربية وهي حالة أكدتها القوانين المستمرة منذ عام 1948. ويعتقد يوسي كلاين هاليفي، مؤلف كتاب «رسالة إلى جاري الفلسطيني»: «نكافح مثل بقية الدول للحفاظ على ثقافتنا الديمقراطية». ويعتبر هاليفي القانون الجديد مستفزا وتنقصه الحساسية تجاه الأقلية العربية.
ويضيف أن إسرائيل تقوم على هويتين لا يمكن لأحد المناقشة فيهما وهي أنها دولة لكل اليهود سواء كانوا مواطنين فيها أم لا، وهي دولة لكل مواطنيها سواء كانوا يهودا أم لا وأي تلاعب بهذا التوازن يعتبر تهديدا لإسرائيل.

11HAD

 قانون الدولة القومية: تكريس لحالة الأبرتهايد

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية