الفتى محمد طارق دار يوسف أبو عيوش، من قرية كوبر، عرف جيدًا ماذا ينتظر والديه وعائلته وقريته. عمليات انتقام الجيش الإسرائيلي والشباك والمستوطنين على قتل عائلة سلمون على أيدي ابن قريته لم تردعه. بعد سنة من ذلك، اختار تنفيذ عمل انتقامي أعمى بنفسه، بدون هدف محدد وبدون سبب محدد واضح للعيان. لم يردعه احتمال أن يقتل مثلما لم يثنه احتمال أن يصاب أو يعتقل ويقضي كل حياته في السجن.
في كل سنة آلاف الشبان الإسرائيليين، أكبر بقليل من محمد طارق، يتسلحون ويذهبون لجرح وقتل مرخص، وسرقة أراض وتدمير حقول، والتنكيل بملايين أبناء شعبه. بترخيص من الحكومة والمجتمع والحاخامات وبرخصة محبة ومداعبة من الوالدين اللذين منذ فترة قصيرة فعلوا الشيء نفسه بالضبط، مليئين بالدافعية، والشعور بالقوة والعظمة. المراهقون المسلحون الذين ولدوا كمتفوقين وعلموا كمختارين، هم يغزون سكان لغة غريبة عنهم، يدافعون عن نظام السادة اليهود ويؤمنون وجودهم. كم من المرات رآهم محمد طارق من كوبر، تجمد في مكانه وصمت، ساقاه ترتعدان أمام بنادقهم المصوبة؟ كم من المرات أخفى خوفه وكبت اشمئزازه وغضبه؟
ليس السؤال لماذا أخذ سكينًا وذهب لطعن يهود، بل كيف أن القليل من الفلسطينيين اختاروا ويختارون طريقه؟ لا، ليس الشباك هو الذي يحبط وليس الجيش الإسرائيلي هو الذي يردع. إن عقدة التفوق الإسرائيلي تستل دائمًا هذه التفسيرات المريحة. الإجابة هي أن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين لا تختار الانتقام ولا تتسلح بالسكاكين لطعن المستوطنين والمدنيين والجنود والانتحار، الأغلبية الساحقة تختار العيش وضبط النفس، لوعيها بأن لا فائدة من العمل الفردي اليائس. ولكن الأغلبية الساحقة تشخص ما يوجد خلفها وتتماهى معه. صرخة ضد مئة سنة من الظلم والاستغلال وسنوات من الاستغلال والظلم مضمونة في المستقبل.
التفاصيل الشخصية ومشاعره المميزة التي لا نعرفها، ويبدو أننا لن نعرفها، ربما أثرت بشيء ما على الطريق الذي اختاره طارق ابن الـ 17 سنة، لكنها إضافة زائدة فقط. في وصية الوداع التي كتبها في «فيسبوك» وبدون أن يكتب الكلمتين الصريحتين، أعلن عن غضبه اليائس من السلطة الفلسطينية التي تحاول إسكات روح المقاومة الموجودة في قطاع غزة والقدس. هذا غضب يمكن أن يجد تعبيره في كلمات «جبناء، خونة، باعة أراض». القاموس الذي يملكه لا يكفي كل التعريفات المناسبة لتحكم اليهود بالفلسطينيين. غيظ بدون كلمات ولا حدود، يأس، اعتراف بالضعف وجنون عظمة مراهق، انبثقت من حركات الطعن ومن السكين التي قتل بها الفتى طارق يوتم عوفاديا. لقد ولد وعاش ومات داخل الاكتظاظ والضغط ويوميات أفعال سلطتنا الغريبة. بموته أمر كل من حوله بمواصلة المعاناة.
ليس هناك معنى لتفكيك هذه السلطة إلى عناصرها، وبالتأكيد ليس على مسامع من يمارسونها. كل عنصر وجزء يبدو صغيرًا في نظرنا وعابر وطارئ ولا يستحق هذا الاندفاع من الكراهية والانتقام ولا يساوي مطلقًا إزهاق حياة يهودي: اقتحام ليلي لأحد الجنود الملثمين إلى بيت مليء بالأطفال الخائفين، قرية فنانين في غزة دمرها قصف إسرائيلي، مبنى روضة أطفال صادرها الجنود، قانون آخر يحلل السلب، ويوم آخر ضائع في معسكر الحصار في غزة، طفل جرحه جندي وساقه بترت، طفل قدماه مقيدان وهو ينظر للقاضي العسكري دون فهم ماذا يعني ذلك، جنازة لطفل حمل حجرًا، وجندي أطلق النار على بطنه، شجرة أخرى قطعت على أيدي المستوطنين، حي جديد يظهر داخل أراضي القرية التي تزداد عزلة، صرخة متكبرة لموظف الإدارة المدنية، ووصف مهين في وزارة الداخلية، وقاض مستوطن في المحكمة العليا يصادق على هدم قرى، منع السفر للعلاج أو حضور جنازة أحد الأقارب، غرامة كبيرة، تصريح آخر للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بأن الجنود عملوا حسب التعليمات وعائلة يطردها اليهود الذين يخافون الله من بيتها في القدس.. كل ذلك فقط قليل جدًا مما نفعله. نحن أيضًا يجب أن نعرف للحظة عما حل محل سعادتنا بنجاحنا في العلوم والموسيقى، وبدلا من تنورنا بين الشعوب.
القاموس الذي لدينا ضعيف وغير قادر على وصف هذا النظام. ولنقل على مسامع من لا يعيشه ومن يمكنه من ذلك، صادم وظالم، وقح، مدمر، مخادع، ومحدد الهدف: محو، طرد، وسيطرة نهائية على كل قطعة من الحاضر الفلسطيني والمستقبلي. كل ذلك معًا، وما زال بالمجمل يسعى خلف تعريف شامل.
كلمات الوصف تقيم جدارًا بين الموجود الذي يصعب وصفه وتفصيله وبين من أحدثوا هذا الموجود، نحن الإسرائيليون: نغرق بعدالة لا نهاية لها تتجاهل أفعالنا. من لحظة ولادته وحتى موته يعدّ محمد طارق مثل كل فلسطيني يختنق تحت التجسد المتملص، ولكن المتراكم للموصوف، عانى من معنى كلمات الوصف هذه أيضًا من دون أن يلفظها.
هآرتس 29/7/2018