سوء حظ عاثر يرافقة توقيت أسوأ ليس أكثر وضع محطة «المملكة» الأردنية الوليدة حديثا أمام أصعب الاختبارات بعدما انفجرت ألغام «التبغ والتهريب والسجائر» بالتزامن مع بدء البث في المحطة، التي وعدت الجمهور بان تكون «خبر المبتدأ الأردني».
ما الذي يمكن أن يقدمه مايكروفون ولد بعسر للتو إزاء واحدة من أضخم فضائح الفساد التي كشفت في آخر ربع قرن؟
أشفق من قلبي على الزملاء، لأن شاشة «المملكة» حديثة الولادة لديها من التقنيات ما يفوق تقنيات التلفزيون الحكومي وتدربت فنيا على ذراع فريق خبير من «بي بي سي» وأعفت نفسها مسبقا من منافسة تلفزيون الحكومة ومحطة «الجزيرة» إخباريا عندما قالت إنها شاشة خدمة المجتمع الأردني فقط .
طبعا كان يمكن استغلال اللحظة.. وكان يمكن التلوين في تقديم تغطية مختلفة للشعب المتشوق لأي تفاصيل لها علاقة بخديعة السجائر الكبرى.
لكن لا يُلام الطاقم، فالمحطة وليدة وتتلمس طريقها، ومن الصعب أن تبدأ مسيرتها باشتباك مع قضية ضخمة جدا لا أحد في الأردن يعرف حتى اللحظة، كيف ولماذا نكش عش دبابيرها وكيف ولماذا ستنتهي، فالخصم هنا مجهول وابن ليل وقد تكون له أذرع في عمق الجهاز الرسمي.
المفارقة المضحكة أن محطة المملكة تأخرت عشرة أشهر على الأقل بسبب دائرتين في الحكومة هما «المواصفات والمقاييس» و«الجمارك» عند المصادقة على المعدات.
هما الدائرتان نفسهما اللتان تبين للشعب اليوم أنهما على الأقل «في الماضي» لم تقوما بالواجب الوطني والقانوني في «منع تسرب» عشرات المعدات الصناعية المهربة، التي تستعمل لسنوات في زراعة وانتاج التبغ الحرام.
العالم السفلي والتبغ
لكن الأردن بـ«المملكة» وبدونها على خريطة الشاشات العالمية اليوم والسببت حجم فساد التبغ المكتشف حديثا، والذي أخطر ما فيه أنه يوضح لنا نحن معشر المواطنين السبب المتواصل لأزمة «عجز الميزانية»، حيث يدخن الأردنيون بمعدل 5 مليارات دينار سنويا وتدفع الشركات المحترمة، فيما يتهرب من حقوق الدولة عشرات «الشبيحة» من تجار الغفلة وشبكة كبار اللصوص.
لا يريد التلفزيون الأردني التعامل مع المشهد، ويصر على أسطوانة «العرس عند الجيران»، لكن «بي بي سي» مثلا ومعها «سكاي نيوز» تعتبران ما يجري في «المبتدأ الأردني» خبرا كونيا وله علاقة بالإقليم، فيما تصر القناة الثانية في التلفزيوني الإسرائيلي على أن المسألة لا تتعلق بمجرد رجل أعمال مغامر يزرع ويصنع سرا السجائر، بل بشبكة إقليمية لتهريب التبغ والتجارة الحرام والمخدرات.
حكومة عمان لا تقول شيئا محددا وملتزمة بـ«النص» فقط، وهي تمارس الشفافية الموعودة حتى أن زميلنا الإعلامي أسامة الشريف سأل علنا: بماذا تختلف شاشة «المملكة» عن شاشة التلفزيون الأردني؟
عموما، قالها عضو البرلمان مصلح طراونة مبكرا.. «الباقي أعظم» فقد أكتشف الأردني أنه يسبح فوق بحر من المصانع السرية وأن بعض تلك المزارع المسماة كمناطق معزولة عن الدولة والقانون بأسماء شيوخ عشائر أو مسؤولين سابقين ما هي إلا أوكار للجريمة في الأساس.
هو العالم السفلي في الحالة النخبوية الأردنية والاكتشاف الصادم حصل بمجرد قرار «إداري» اتخذه رئيس وزراء جدي.. تخيلوا معي هول الصدمة لو صدر قرار سياسي سيادي بالإستمرار.
فيلم سعودي في القدس
كدت أفقد القدرة على التمييز بين عرض فيلم سعودي في القدس المحتلة بواسطة «التطبيع» مع إسرائيلين وبين دعم صمود القدس والدعوة إلى تحريرها من العهد الجديد في المملكة العربية السعودية.
أصابني هذا الفصام وأنا أتابع تلك الصورة النادرة أمام الكاميرا للمخرجة السعودية هيفاء منصور، التي التقطها الموقع الإلكتروني لمحطة «سي أن أن» وهي تطرح رأيا على طريقة «سمك… لن… تمر هندي».
الشابة السعودية مدحت أولا ولي العهد.. «الأمير محمد بن سلمان رائع» ثم فجأة تحولت إلى«ما يحصل في السعودية شيء رائع» وعلى طريقة أبو عنتر رحمه الله في مسلسل «غوار الطوشه» الشهير تنتقل الصبية للعبارة، التي احتفت بها القناة الثانية في تلفزيون العدو، حيث قالت إنها «مستعدة للعمل مع منتجين إسرائيليين عبر السلطات الرسمية لبلادي».
السيدة حرة في خياراتها الانتاجية، وقد نقول إنها حرة في التطبيع، لكن حريتها تقف عند أصغر حجر يلهو به طفل فلسطيني عندما يتعلق الأمر بالتصفيق، لأن فيلمها المقبل سيعرض في القدس وعلى أساس أنه خبر سار وفتح مبين لهذه الأمة.
عرض الفيلم في القدس وعبر الإسرائيليين، وبموافقة محمد بن سلمان، وبعد التسحيج له، لا يعطي أي جهة في الكون حقوق التبرع بالقدس لإسرائيل، فالقدس لها أهلها وأصحابها، وأفلام التطبيع السعودي هي خنجر في خصر الشعب الفلسطيني العظيم، بصرف النظر عن كل المشهيات والمغريات.
مجددا نقولها بملء الفم لا يملك كائن من كان التبرع بفلسطين، وإذا رغب الشقيق السعودي يمكنه إقامة دولة قومية لليهود في أي بقعة داخل السعودية ومجددا… أي بوصلة لا تشير للقدس عربية إسلامية فلسطينية منحرفة حتى لا نقول خائنة… نقطة أول السطر.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
7gaz
بسام البدارين