هل رمتك الأزمنة في المساحة المهدورة، ثم مشيت في النهارِ الواضح كي تغفل عنك لقطات الأعين الصارخة والشفاه الحادة؟!
هل تذوقت الفصول قبل اكتمال دورتها وأشعلت نار التدافع في مكانها المعتاد؟!
هل جربت قراءة حياته وما تحتوي من قلق السنابل وظمأ الدروب؟!
الشَاويّ ـ بدمعهِ الخشن ونبرته القاحلة ـ
يكوي قميص الحزن بدفء المواويل ويهش قطيع الذكريات إلى آخر الجملة ليروي ـ في وقته الثمين ـ أحسن القصص والأشجار، يختار الساحة الترابية ليمسح أقدام الشمس بالحناء ويوزع الصراخ والحب على الصغار، يبحث عن ملامح قريته تحت المظلات، يهيئ الأماكن لظلٍ واحدٍ ويشعل خطواته في زحام المنافي، هو ذا يمضي في الأرض، فاتبعوه، اتبعوه يحصي لكم النجوم والأمنيات كنبيٍ يرميه أهله بالغوايات، في كل زاوية يتكئ ويسرد قصص الفتيات الساخنات وفلقات المدارس، يرسم في قمصانِ الريح خطوطاً بلا لون وتضاريس تختفي في مواعيدها، يُغامرُ بلا توجس ويقرأ رائحة الأنثى بصوتٍ عالٍ، يأخذ الكلمات باتجاه مثلت الرغبة ودوائر الجسد، يبدأ الصباح في عروق الأشجار النائمة وصور تلمع في عيون الذاكرة، الصور القديمة في محرابنا الوحيد بدون تعريف، حيث حاشية الدرب الترابي بمفردها صارت عكس الصورة، لا تخن في هذه اللحظة أوهامك المرتفعة وركز قليلاً في أشكالنا، لا يميزنا لباس أو عطر، نتشابه في خطوط الحزن، حتى أن آلة التصوير احتارت من أشكالنا المتشابهة وأصيبت بالدهشة.
أنا الشاعر الشاوي النازف عنقه في لوحةِ الرمل ـ بين بابين ـ أعرفكِ من رائحتكِ الطريّة وأحياناً من طعم البرتقال في جفاف صوتكِ ومن حفيف أوراقكِ الناعسة في آخر المنحدر، من أسودكِ الهادئ ممدوداً حتى تخوم النسيان، وحتى اختلاط الأيادي التي تضيء قناديل الهواء حتى السقوط في بئر النوم والخروج من ارتباك اللون وهو يعبر من فيضان الأجوبة إلى سؤالٍ قديم، أنا الممتد في النقطة الفاصلة بين عُصفرُ الظل وخرنوب البراري، كنتُ وحيداً في كتاب الفرسان، أصغي بأذن واحدة لثغاء الماعز وصياح الديكة وحشرجات السنابل المبحوحة وربما لعواء ذئب أعياه الليل وأعيته الحيلة بين لغتين.
أنا الشاعر الشاوي، ملكُ الحكايات العالية، ليس لي من الحروب الطويلة سوى اسمي…اسمي الهارب إلى حياة غير معنونة، أتنزه فيه بين غابات مذعورة، وعلى رأسه كوفية حمراء، وعلى خده آثار خجل من نساء يكشفن عن صدورهن ويستعدن للتصوير، ليس لي من القوة إلا وقوفي تحت لسان الكلمات، أخدع فوانيس ذكرياتي العاجزة عند المساء، وأبطش بالوردة الراكضة على حائط مدرستي، ليس لي من المدن سوى الشوارع الموحلة والأنفاق الضيقة والجسور الماكرة والطعام بمذاقه المفقود، ليس لي سوى ذكريات بالية ومسافة لا توصلني إليكِ، ليس لي حاجة من عيون النساء سوى قوافل الدمع وأحاديث مرتبكة فوق منازل واطئة، ليس لي… ليس لي غير أن أسكب محبرتي فوق رأسي وأخلد للجملة الناقصة!
أنا الشاعرُ الشاوي، ملوك المؤامرات وقتلة الذاكرة، محاربو الموهبة ولصوص الكلام، قصائد البصيرة وشعراء اللغات الهاربة، غابات النساء وقطارات الوحشة، عناكب وديدان وحشائش البيت، ضفائر الحنطة الطويلة والأفواه المملوءة بالتراب، ذئاب العيون ودبيب وحش الانتظارات، شهقة الريح وأنهار النهد المسمومة ولحاء الشجر، دواجن الخيانات وفراشات المرايا ونمل الجسد، ذكريات مؤثثة بالحسرة ومستقبل مكتظ بالاحتمالات الكئيبة، متسولون ومشردون ويتامى يخرجون من كل مكان ويسيرون خلفي، يديّ في جيبَيّ المثقوبين وأنا أصفِّر لحن أغنية نحيلة، متظاهراً بأنني أسير دائما إلى الأمام حتى نهاية هذا الخراب!
حسن شاحوت