التونسي ماجد زليلة: أزمة الفن التشكيلي العربي في نخبويته

حجم الخط
0

أصيلة ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: اغتنمت «القدس العربي» حضورَها ورشات الفن التشكيلي في مهرجان أصيلة الدولي في دورته الأربعين، لتُلقي الضوء على بعض المشاركات المتميزة التي احتفى بها نقاد الفن والإعلاميون، وفي هذا الشأن، اختارت أن تُحاور الفنان التشكيلي ماجد زليلة المشارِك التونسي الوحيد في هذه الورشات.
وُلد ماجد زليلة عام 1981 في تونس، تحصل على الأستاذية في الفن التشكيلي (اختصاص رسم)، وشارك في تربصات فنية في تونس وباريس. أقام منذ عام 2007 مجموعة من المعارض الفنية المشتركة والشخصية. وهو الآن عضو اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين، ويدرس في أكاديمية الفن في قرطاج.

■ لاحظنا، خلال متابعتنا لمواسم أصيلة الثقافية الماضية، حضورَ فنانين تشكيليين عالميين لقراءة هذه المدينة فنيا، سواء من خلال رسم جدارياتها الكبرى أو عبر إنجاز لوحاتهم الشخصية. فكيف تفاعلتَ مع مدينة أصيلة تشكيليا خلال مشاركتك في موسمها الثقافي الأربعين؟
□ يعتبر تواجدي في مدينة أصيلة حدثًا مائزًا في تجربتي التشكيلية، إذْ قابلت مجموعة كبيرة من الفنانين العالميين، وحضرت إنجاز جداريات ضخمة على حيطان المباني العتيقة لمدينة أصيلة، ولاحظت كيف أنه يمكن للفضاءات المفتوحة أن تمنح الفنان فرصة التفاعل مع جمهور المهرجان، خاصة مع أهالي المدينة الذين قاموا بزيارتنا والحديث معنا كفنانين من مختلف بلدان العالم ومختلف الثقافات، وأرى التواصل الفني التفاعلي واحتكاك تجارب الفنانين مع بعضها بعضا مفيدا وقادحًا لأفكار فنية مقبلة. إن مدينة أصيلة فضاء تشكيلي بامتياز، بل هي لوحة طبيعية معلقة على حافة المحيط الأطلسي، ينبعث منها ضوء خاص نادرًا ما يتوفر لفنان تشكيلي في مرسَمه.
■ صارت مدينة أصيلة لدى كثير من التشكيليين موضوعا أثيرا ينهلون من إيحاءاتها الجغرافية والمعمارية والبشرية ملامح لوحاتهم، حتى بدا الأمرُ كما لو أنهم يستثمرون المدينة فنيا، بدون الإضافة إليها. فهل ترى أنك أضفت شيئا لهذه المدينة؟
□ لا أُنكر أن المدينة أضافت لوعيي التشكيلي بالمكان وأعطتني نَفَسًا جديدا لرؤية المدينة جماليًا، وأتاحت لي فرصة أن أنظر لمعيش الناس اليومي كثيمة قابلة للتناول الفني. وفي المقابل أعتبر نفسي قد أضفت لهذه المدينة منجزات تشكيلية ستظل في مجموعة موسم أصيلة، التي سيقع عرضها في المستقبل ضمن سعي إدارة المهرجان إلى تأسيس متحف يضم جميع اللوحات التي تم إنجازها خلال الأربعين سنة الماضية، وهي عمر هذا المهرجان.
■ إذا صدق القولُ إن الفنان التشكيلي يرسم لوحتَه ولا يرسم معناها (وهو ما يعني أن معنى اللوحة متروكٌ بناؤُه للرائي)، وإذا صدقتْ الملاحظةُ بأن ثقافتنا التشكيلية العربية موقوف سُوقُها على النخبة فقط، فهل في هذا ما يُحيل إلى أزمة الفن التشكيلي العربي؟
□ لا أحد يُنكر أن جمهور الفن التشكيلي جمهور نخبوي، وهو ما يمثل أزمة من أزمات هذا الفن في واقعنا العربي، والظاهر في الأمر أن نخبوية الفن التشكيلي رهينةُ قدرة المتلقي على القراءة التشكيلية، وإدراك دلالات العمل الفني عامة. وهذه القدرة لا تتوفر إلا لقلة من الناس، وهم في الغالب الأعم مرتادو المعارض الفنية ونقادُها، ما جعل العمل التشكيلي العربي حكرًا عليهم دون باقي الناس. ومتى حاولت تبين أصل هذه المشكلة قلتُ إنها راجعة بالأساس إلى عدم إيلاء المؤسسات التربوية العربية الأهمية التي تخرج بالفن التشكيلي من حيز النخبة إلى الفضاء العام، يضاف إلى ذلك ما يمكن أن أسميه «عزلة» الفنان التشكيلي العربي، الذي لم يجد سبيلا سالكة إلى التواصل مع الجمهور العريض نظرا لغياب المؤسسات الرسمية والخاصة المساعدة على ذلك.
وعليه، فإنه من الضروري الآن إدراج تاريخ الفن والاطلاع على مختلف التيارات الفنية التي شهدها تاريخ هذا الفن كمادة أساسية في برامج المدارس الابتدائية العربية، كما يتحتم على مدرسي المواد الفنية أن ينظموا زيارات للمعارض، ويكونوا مصاحبين لتلامذتهم للإجابة عما يطرحون من أسئلة، كما يمكن تنظيم لقاءات مع الفنانين العارضين للاطلاع على تجاربهم التشكيلية. أما ما يتصل بسوق الفن ويمثل أزمة من أزماته، فالبين في هذا الأمر أن أسعار اللوحات تكون غالبا باهظة الثمن، وهذا يجعل منها منتوجا لا تقبل عليه إلا فئة معينة ومحدودة من المقتنين. وحتى لا نغرق في أزمة الفن التشكيلي، فإنه يجب القول إن هناك اليومَ ما يُنبئ بانفتاح هذا الفن على المحيط الاجتماعي، فقد ظهرت عادة تشكيلية حميدة في تونس صورتُها هي تنظيم معارض للوحات صغيرة الحجم لفنانين معروفين، وتُباع بأسعار في متناول الجمهور.
■ كيف تقيم المشهد التشكيلي التونسي الراهن في صلته بما حدث بعد الثورة؟
□ ظهرت بعد الثورة موجة مهمة من الفنانين التشكيليين الشبان، حاولوا التعريف بمواهبهم وتفجير طاقاتهم من خلال مختلِف وسائل التعبير الجديدة، أذكر من ذلك رواج فن الشارع (street art) وحضوره في الميادين العامة بالمدن، كما راج فن الغرافيتي ووجد سبيلَه إلى التفاعل مع فنون أخرى مثل فن الراب (rap). كما لا أنسى تأكيدَ التطور الملحوظ الذي شهده فن الفوتوغرافيا، والفن الرقمي، وفن الفيديو، وكذلك التنصيبات والفن المفاهيمي. ولا يخفى أن التمتع بحرية التعبير، هو من أهم المكاسب بالنسبة إلى الفنان، مهما كانت طبيعة مجال اشتغاله (تشكيل أو موسيقى أو مسرح). والحق أقول إن مناخ الحرية الذي صارت عليه تونس ساعد على ظهور فنون ثائرة وغاضبة، فنون متمردة على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي.
■ هل يجوز الحديث عن «عصابات» تشكيلية في تونس تستأثر بكل أنشطة وزارة الثقافة على غرار عصابات مجالات الثقافة الأخرى (وقع الحديث عن ظاهرة «التنفيع» في المجال التشكيلي خلال تظاهرة صفاقس عاصمة الثقافة العربية)؟
□ بالنسبة لي كفنان تشكيلي فإني اخترت أن أحترف هذه المهنة، يعني أن أعيش منها، ولم أرغب في الحصول على وظيفة حكومية، وعليه، لم يعد يهمني ما يحدث في وزارة الثقافة، ولا حتى يعنيني. ولا أخفي أن لفظة «عصابات فنية» لا تروق لي ولا أرغب في الحديث عنها لأنها موجودة في العديد من البلدان حتى المتقدمة منها. وقناعتي في الأمر هي أنه إذا أردنا النهوض بقطاع الفن فعلينا العمل ولا شيء غير العمل. إن هاجسي الوحيد هو تطوير تجربتي وإثراؤها ومزيد التعلم والوصول إلى أعلى المراتب من حيث القيمة الفنية والثقافية. وربما بسبب ذلك لا أرغب في الدخول في متاهات لا توصل إلى أي شيء، بل وأعتبرها مضيعة للوقت ومعيقة لي في مواصلة مشروعي الفني.

التونسي ماجد زليلة: أزمة الفن التشكيلي العربي في نخبويته

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية