لندن – “القدس العربي”:
اعتبرت صحيفة “ايريش تايمز” الايرلندية تطوراً لافتا ما صرح العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز بأن المملكة العربية السعودية لن تقبل بأي خطة سلام إقليمية تخفق في معالجة وضع الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 ، وخاصة مدينة القدس الشرقية ، وأكد في بيانه على حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى وطنهم.
وكذلك شدد على التزام الرياض خطة السلام السعودية التي طرحت في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد عام 2002 – إبان أحداث الإنتفاضة العربية الفلسطينية الثانية – والداعية إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية التي تم إحتلالها في حرب حزيران / يونيو عام 1967 ، وفي مقابل إقامة علاقات سلام طبيعية مع الدول العربية.
لقد جعل الملك موقف بلاده واضحاً في تصريحات علنية، وتأكيدات للقادة العرب، وأثناء المحادثات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرافض (لصفقة القرن)، تلك التي وضعتها إدارة ترامب والمستندة لتفسير بنيامين نتنياهو لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي.
وهذا ما أكد عليه الملك بقوله للرئيس الفلسطيني محمود عباس: (لن نتخلى عنك. . . إننا نقبل ما تقبله ونرفض ما ترفضه). هذا ولم تعد المفاوضات قائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ عام 2014 بسبب التوسع الاستيطاني ورفض مناقشة ملف القدس من قبل الطرف الإسرائيلي.
اللافت في التصريح الأخير هو تأكيد العاهل السعودي على ما تم تداوله مؤخراً من سحب صلاحيات متابعة الملف الفلسطيني من ولي عهده ونجله الأمير محمد بن سلمان. وهو تحول كبير لمسار المملكة بعد شهور من التنسيق لأجل هندسة (صفقة القرن) وذلك في لقاءات عديدة جرت بين بن سلمان وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
تصويب لمسار أم حفظ لماء الوجه
ويعتقد بأن هذا التصريح وما سبقته من تصريحات للعاهل السعودي إبان القمة العربية الأخيرة (قمة القدس، وهي تسمية أطلقها العاهل السعودي الملك سلمان)، أتت لأجل تصويب مسار المملكة وإعادته لمساره المفترض في دعم القضية الفلسطينية، وهو ما سيدفع بالتالي إلى تصحيح صورة المملكة إثر التشويه الكبير الذي لحق بها في وجدان الشعوب العربية وتصاعد مشاعر الكراهية لقادتها، تلك المشاعر السلبية التي نجمت عن مغامرة ولي العهد محمد بن سلمان في ملف يعتبر من أعقد القضايا وأكثرها حساسية للأمتين العربية والإسلامية، حينما غازل الإسرائيليين بقوله: للإسرائيليين الحق في امتلاك أرضهم الخاصة!
ورد الملك سلمان على هذا التصريح الأرعن من خلال اتصال أجراه مع ترامب وقال فيه: إن المملكة العربية السعودية ما زالت (على موقفها المبدئي والثابت) في دعم القضية الفلسطينية وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وعلى الرغم من عدم الإعلان رسمياً عن خطة كوشنر، إلا أن تسريبات عديدة كشفت عن أن الولايات المتحدة تقترح توسعة للحكم الذاتي المحدود في التجمعات السكانية الكبرى في الضفة الغربية، وتنصيب أبو ديس (بلدة متاخمة لحدود مدينة القدس) كعاصمة للتجمعات السكانية.
من جانب آخر تبارك صفقة (بن سلمان – كوشنر) استمرار النشاط الاستيطاني الإسرائيلي على الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية ، وإبتلاع الجزء الأعظم من مساحة الضفة الغربية. ومن جهة أخرى لن يسمح (حسب بنود الصفقة) بعودة اللاجئين، وسيكون هنالك مساعدات إقتصادية لقطاع غزة، والذي من شأنه أن يخضع للسيطرة المصرية كما كان في الأعوام 1949 – 1967.
من جهتهم يتهم المحللون العرب صهر ترامب ، كوشنر ، والذي تربطه علاقات عائلية وتجارية وثيقة بإسرائيل ، بالتخلي عن “حل الدولتين” وتبني مطالبة إسرائيل بكل القدس وأكثر من 60% من الضفة الغربية. في حين يطالب الفلسطينيون بدولة (مستقلة) عاصمتها القدس الشرقية ، ووضع حد للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة ، وعودة اللاجئين.
علاقة إيران
لا خيار أمام الملك سلمان سوى الالتزام بسياسة بلاده المرتبطة بمكانتها الدينية وفهم الأبعاد الخطيرة المترتبة عن العبث بهذه المكانة، فالحجاز مسقط رأس الإسلام، ودرج قادة السعودية (منذ عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز) على تقديم أنفسهم على أنهم (خدم الحرمين الشريفين – مكة المكرمة والمدينة المنورة). لذا فإن التنصل من خطة السلام (الشاملة للقدس الشرقية) والتي قدمتها المملكة عام 2002 ، سيكون من عواقبه خسارة كل العرب والمسلمين المعارضين لسيطرة إسرائيل على الحرم الأسير (المسجد الأقصى في القدس)، وهو ثالث أقدس موقع في الإسلام.
ومن الواضح أن صهر ترامب، كوشنر، وفريقه العربي المتمثل بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، اعتقدوا بأن السعودية يمكن أن تضغط على الحكام العرب وعموم المسلمين لقبول صفقتهم التي صيغت بأعين يهودية، بالرغم من أن هذا لم يكن ممكنًا البتة، وهو ما لم يفهمه محمد بن سلمان. الاستسلام للصفقة من قبل الرياض سيلقي بالورقة الفلسطينية بعيداً، وستلتقطها طهران على الفور، تلك الورقة التي تستميت في التقاطها طهران ولم تنجح في الوصول إليها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 وهذا ما رآه العاهل السعودي بلا شك، وبالتالي أوقف حماقة نجله عند حدودها، وإن لم يعزله من منصبه، ستلتقطها إيران يوماً ما، وبمساعدة من بن سلمان.